الاتحاد

تقارير

فنزويلا.. اتهامات بتزوير الانتخابات

ما زالت مفاجآت انتخابات حكام الولايات التي أجريت في فنزويلا في 15 أكتوبر متواصلة. ولئن كانت نتيجتها الرئيسية -نصر مهم وصادم للاشتراكيين الحاكمين- قد أذهلت الجمهورَ في كراكاس وفي شمال القارة الأميركية وجنوبها، فإن ذلك لن يكون هو نهاية القصة، مثلما بات واضحاً الآن.
والحزب الحاكم، الذي أسّسه هوغو تشافيز ويديره خلفه الرئيس نيكولاس مادورو، بذل جهوداً كان بعضها مثار انتقاد للفوز بالانتخابات. وهذا في حد ذاته ليس جديداً في الحقيقة. فحملة التمويل غير القانونية، والترغيب، والترهيب، والإكراه... كلها أشياء، يقول المنتقدون إنها قد أصبحت عادية للأسف في فنزويلا خلال الخمس سنوات الماضية، ولم تعد تعتبر خبراً جديداً. ولكن على رغم ذلك كله، كانت الحكومة تتشبث بمصدر واحد أخير للشرعية الديمقراطية -إذ لم يكن إحصاء الأصوات يتعرض للتزوير، على الأقل. وتبين لاحقاً أن تلك حجة قوية. ذلك أنه حتى عندما كانت الظروف المحيطة بالانتخابات غير حرة وغير نزيهة كلياً، بحسب المنتقدين، إلا أن الإحصاء النهائي كان يعكس بالفعل عدد الأصوات التي يدلى بها في يوم الاقتراع.
وكانت الحكومة تستطيع الدفع بذلك لأن لدى فنزويلا أجهزة تصويت إلكترونية متطورة وقابلة للتدقيق. ذلك أن الناخبين يصوّتون في جهاز، فيطبع هذا الأخير إيصالاً ورقياً بذلك. وبعد هذا، توضع الإيصالات في صندوق اقتراع. وفي نهاية اليوم، يصدر الجهاز إحصاءً إلكترونياً. ويطبع هذا الأخير في ثلاث نسخ، ثم يقوم شهود جميع الأطراف بتوقيعها. وبعد ذلك، يرسل الجهاز المجموع إلكترونياً إلى مركز إحصاء في كراكاس. وحينئذ، يفترض أن يقوم متطوعون في كل مركز تصويت بإحصاء يدوي لعيّنة من الإيصالات الورقية التي وضعت في صناديق الاقتراع في كل مركز.
وباختصار، فإن النظام مصمَّم ليعطي ثلاثة إحصاءات منفصلة: إحصاء الجهاز، والإحصاء اليدوي، والإحصاء المعلَن في الموقع الإلكتروني الرئيسي في كراكاس. ومن المستحيل تزوير أي من هذه الإحصاءات من دون التسبب في تفاوت واختلاف واضح في الأرقام مع الإحصاءين الآخرين. ولما كان الشهود أو مندوبو كل الأطراف ينصرفون وفي حوزتهم نسخ موقّعة من الإحصاءات في كل مركز تصويت، فإن الحكومة لا تستطيع تغيير النتائج بدون أن تترك أثراً ودليلاً يؤكّد قيامها بذلك.
إنه نظام فعال، وقد أفاد الحكومة جيداً. فلأكثر من عقد من الزمن، استطاعت تحاشي كل ادعاءات المعارضة التي تتهمها بالتزوير من خلال جواب بسيط وقوي: أين دليلكم؟ فالنظام مصمَّم على نحو يمكِّنكم من إثبات أي تلاعبات أو اختلالات تطال عملية الإحصاء، إنْ هي وقعت فعلاً.
وبالفعل، فعلى رغم كل إحباطاتها المبرَّرة في ما يتعلق بظروف الانتخابات غير النزيهة، إلا أن المعارضة لم تستطع أبداً إثبات وقوع هذا النوع من التزوير في إحصاء الأصوات... حتى الآن، على الأقل.
وفي صباح الخميس الماضي، قدّمت المنظمة التي تنضوي تحت لوائها كل فصائل المعارضة أدلة تشير إلى أن انتخابات منصب حاكم ولاية بوليفار قد زوِّرت. ذلك أن الأوراق التي طبعتها الأجهزة في 11 مركز تصويت على الأقل لا تنسجم بكل وضوح مع النتائج التي أعلن عنها «المجلس الوطني للانتخابات» الذي يسيطر عليه النظام في كراكاس. ووفق «طاولة الوحدة الديمقراطية»، فإن الاختلاف بين الإحصاءات كان سافراً، وكان سيكفي لتغيير نتيجة ما كان سباقاً انتخابياً محتدماً ومتقارباً في منطقة استراتيجية.
فولاية بوليفار هي قلب قطاع المناجم في فنزويلا، حيث انتشرت في السنوات القليلة الماضية مئات المناجم غير القانونية، في وقت قرر فيه عدد من سكان المدن اليائسين من كراكاس ومحيطها أن يجرّبوا حظهم في التنقيب عن الذهب. ويُعتقد على نطاق واسع أن المجموعات التي تسيطر على هذه المناجم غير القانونية تدفع إتاوات لحكومة الولاية لإقناعها بغض الطرف عن أنشطتها. وبعبارة أخرى، فإن فقدان منصب الحاكم في ولاية بوليفار يمكن أن يكلّف الاشتراكيين الحاكمين في الولاية السيطرة على مصدر مدرٍّ للمال.
ووفق أوراق أجهزة التصويت التي هي في حوزة المعارضة الآن، فإنهم فقدوها بالفعل، ب728 صوتاً فقط من أصل أكثر من نصف مليون صوت أدلي بها. وهذا عدد ليس كبيراً جداً، و«قلبه» لا يتطلب سوى تزييف إحصاءات بضعة أجهزة فقط. والأدلة تبدو قاطعة دامغة، من وجهة نظر المعارضة.
ولكن هذه ليست قصة حول ما جرى في ولاية بوليفار تماماً، بل قصة حول سقوط آخر ما تبقى من الشرعية الديمقراطية. فعلى مدى سنوات، كانت الحكومة الفنزويلية تحرص على التشديد على أن المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات هو الذي سيفوز في الانتخابات، مهما كانت الظروف. ولكن اعتباراً من هذا الأسبوع، اتضح للجميع أن ذلك غير دقيق وعلى نحو يمكن إثباته.

* محلل سياسي فنزويلي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا