لا يتوقف عطاء حكيم السياسة الخارجية هنري كسينجر البالغ من العمر 93 عاماً لزعماء العالم. فقد أدلى كسينجر يوم الأربعاء الماضي برأيه بشأن اختيار دونالد ترامب لرئيس شركة إكسون موبيل، ريكس تيلرسون، ليكون وزير الخارجية الأميركي، وبشأن سياسة «الصين الواحدة» وبشأن قرار الرئيس الأميركي المنتخب إجراء مكالمة هاتفية مع رئيسة تايوان. ففي كلمة أمام لجنة تضم 100 عضو، وهي جماعة غير هادفة للربح تعمل على تحسين العلاقات الأميركية الصينية، فنّد كسينجر الانتقادات التي ترى أن عمل تيلرسون للفوز بتعاقدات مع روسيا لصالح شركة إكسون تقلل من مؤهلاته كوزير للخارجية الأميركية. وعبّر كسينجر عن رأيه قائلاً: «أنا لا ألتفت إلى الحجة التي مفادها أنه كان ودوداً للغاية حيال روسيا.. بحكم أنه رئيس لإكسون فقد كان عمله هو تسيير أمور الشركة مع روسيا. وسيكون بلا نفع كرئيس لإكسون لو افتقر إلى علاقة جيدة مع روسيا». وأشار كسينجر إلى تعرفه إلى تيلرسون حين عملا معاً في مجلس إدارة مركز بحثي مقره واشنطن. وأشاد كسينجر باختيار ترامب، مضيفاً أنه «يجب علينا ألا ننظر إلى هذه العلاقات باعتبارها علاقات شخصية لأفراد». لكن مركز كسينجر الاستشاري ومساعديه في المركز لم يردوا على الفور على رسالة تسألهم عما إذا كان للمركز علاقة مالية بشركة إكسون. وقبل أسابيع من توليه المنصب، في 20 يناير المقبل، أشاع ترامب حالة من عدم القدرة على التنبؤ بطبيعة العلاقات الأميركية مع الحلفاء والخصوم على حد سواء. فقد أعلن ترامب أنه يريد علاقات أكثر وداً مع روسيا، بينما انتقد الصين بشأن خفض عملتها والتجارة معها، وأجرى مكالمة غير مسبوقة مع الرئيسة التايوانية، وأشاد بالحرب العنيفة التي يشنها الرئيس الفلبيني على تجارة المخدرات، ووعد بزيارة باكستان على خلاف نهج الرئيس باراك أوباما في تعامله مع إسلام آباد. وفي كل هذه التحركات مادة ثرية ليعلق عليها كسينجر الذي توسط في عملية التقارب الأميركية مع الصين حين كان وزيراً للخارجية في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون قبل أكثر من أربعة عقود وقدم النصح إلى الرؤساء الأميركيين منذ ذلك الوقت. ومع اقتراب موعد دخول ترامب البيت الأبيض الشهر المقبل، ما زال كسينجر يقوم بدور المستشار غير الرسمي لكبار زعماء العالم، فقد زار ترامب في مكتبه في نيويورك، وزار الرئيس الصيني «شي جين بينج» في بكين بعد انتخاب ترامب في الثامن من نوفمبر. وانتقد كسينجر ترامب بشدة لجعله من تايوان قضية محورية في بداية تعامله مع الصين بإجرائه مكالمة هاتفية تنتهك البروتوكول مع الرئيسة التايوانية «تساي اينج وين» الشهر الجاري. ووصف ذلك التحرك بأنه «غير سديد» و«ليس الأكثر كفاءة». لكن كسينجر «مفعم بالأمل ومتفائل وواثق»، بحسب قوله، بأن ترامب سيلتزم بسياسة «الصين الواحدة» التي عمرها عقود وسيتجنب إقامة علاقات دبلوماسية أو رسمية مع الجزيرة التي تعتبرها الصين جزءاً من أراضيها. ويرى كسينجر أنه «يجب على المرء أن يعطي هذه الأمور القليل من الوقت، فالرئيس لم يستلم السلطة بعد. وكل الرؤساء الأميركيين منذ عام 1971، ومن كلا الحزبين، قبلوا إطار العمل هذا، وبعد أن تجري دراسة إطار العمل هذا، لا أتوقع أن يتم النكوص عليه». وكسينجر لم يفصح عن النصيحة التي قدمها إلى الصينيين أثناء أحدث زيارة له، لكن الرد الرسمي للحكومة الصينية على مكالمة ترامب لرئيسة وزراء تايوان جاء متحفظاً. فقد عبرت بكين عن اعتراض دبلوماسي مخفف وحثت السلطات الأميركية على التمسك بمبدأ «الصين الواحدة»، لكنها لم تذهب إلى حد انتقاد ترامب. *صحفية ومحللة سياسية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»