صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

تفكيك خطاب التطرف يسبق تجديـد الخطاب الديني

استطلاع : د. محمد يونس

لا يكفي تجديد الخطاب الديني لمواجهة العنف المتمسح بالدين، إنما يتطلب الأمر تفكيك خطاب التطرف وتجريده من أسانيده الدينية المزعومة، وجملة من الإجراءات والمبادرات تشارك فيها الجهات المسؤولة عن التعليم والدعوة والشباب في الدول الإسلامية، لسحب البساط الديني من التيارات الإرهابية، وتعزيز ثقافة السلم في المجتمعات الإسلامية، على أن يصاحب ذلك آليات للتعاطي الإيجابي مع احتياجات الشباب وتوفير سبل مبتكرة لاستيعابه.. وحزمة من المعالجات يطرحها نخبة من علماء الدين والخبراء، فضلا عن الرد على المقولات الأساسية للتطرف العنيف، في الحلقة الثانية والأخيرة من استطلاع «الاتحاد» حول سبل مواجهة ظاهرة العنف المتمسِّح بالدين ، بعد أن استعرضت الحلقة الأولى منه - أمس- رؤية نخبة من العلماء والخبراء والباحثين في الشؤون الاجتماعية، السياسية لأسباب هذه الظاهرة .

ينطلق الدكتور حنيف حسن رئيس مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي في رؤيته لمواجهة ظاهرة التطرف الفكري والعنف المتمسِّح بأفكار دينية من الأسباب ذاتها التي تكمن وراء هذه الظاهرة، موضحاً أن أسباب انتشار فكر التطرف ترجع بالأساس إلى الفراغ الفكري والضحالة الثقافية لدى الشباب، بحيث أصبحوا صيداً سهلاً للجماعات الدينية المتطرفة ذات الأجندات السياسية غير الوطنية وغير الإسلامية، لذلك نرى أنه من الضروري قيام الدولة بسد هذا الفراغ الفكري والثقافي، ومن الضروري تقديم خطاب إسلامي وسطي ومعتدل وحديث يركز على القيم السلوكية والمعاني الروحية لسد الحاجة الفطرية إلى التدين بالقيم الإنسانية الرائعة للدين الإسلامي، والتحلي بالأخلاق الكريمة التي يدعو إليها والمثل النبيلة التي يحث عليها، ومن هذه القيم، قيمة العمل وتعمير الأرض وخدمة الإنسان وتحقيق التكافل بين بني البشر.

ويضيف ارتبطت ظاهرة الإرهاب بثقافة الكراهية ضد الآخر، هذه الثقافة تصنعها وتغذيها جملة من العوامل، أهمها، الخطاب غير الإنساني وغير الحضاري، الذي يحتكر الحق والصواب، وينصب من نفسه حكماً وقاضياً على سلوك الآخرين، ويعتبر كل مخالف له في الرأي خطأً وخطراً وشراً لابد من التخلص منه، بل ويجب إقصاؤه ومحاربته.

ويوضح الدكتور حنيف حسن أن هذا الخطاب موجود في تراثنا الفكري وأدبياتنا الدينية منذ قرون طويلة، وبغير مراجعة جادة لهذا التراث وتنقيته من تلك الشوائب فلن يتحقق أي إصلاح لهذا الخطاب. وهذا يستدعي وقفة جريئة لمراجعة حقيقية وشاملة للمنظومة الدينية بما فيها التعليم الديني، الوعظ والدعوة وكل الخطاب الديني الذي يقدم في المساجد، وكذلك الفقه وقضاياه وفتاواه... إلخ.

تحديد المعايير والكفاءات

ويطالب الدكتور حسن بضرورة أن يرافق ذلك ويتبعه تقنين وتحديد المعايير والكفاءات التي يجب توافرها في القائمين على ممارسة أي مهنة تتعلق بالخطاب الديني، سواء أكان ذلك في التعليم أو في مجال الفتوى والوعظ والإرشاد. من المهم كذلك في التعليم الديني، ربط مخرجاته بتوقعات الدولة والمجتمع من خريجيه. ففي مجتمع يتصف بالتعددية الدينية والثقافية والعرقية، لا بد أن يكون الخريج مؤهلاً للعمل في هذا المجتمع، بحيث يكون مساهماً في بناء المجتمع وتطويره، لا عامل إعاقة أو تخريب من خلال خطابات التحريض والكراهية المنتشرة عبر مختلف الوسائل والمنابر التعليمية والدينية والإعلامية، وهذا يستدعي ضرورة وجود تشريعات تجرم خطاب التحريض والكراهية الدينية والطائفية والمذهبية والإثنية، وهنا نجد أن قيادة دولة الإمارات قد قدمت مثالاً ناصعاً حين أصدر صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، قانوناً يجرم خطاب الكراهية والتحريض، ويحدد له عقوبات جنائية رادعة، فمثل هذا التشريع يقدم منهجاً من الضروري أن تتبعه جميع الدول .

أبعاد إيجابية

ويرى الدكتور حنيف ضرورة أن يصاحب مقاومة خطاب الكراهية والتحريض والإقصاء، جوانب إيجابية، تتمثل في نشر قيم التسامح والتعايش بين بني البشر، وبحيث يتم إحياء القيم الحقيقية الحاكمة للعلاقات بين بني البشر من الأخوة الإنسانية الجامعة لهم دون الاعتبار للفروقات الطبيعية فيما بينهم مثل اختلاف الدين أو العرق أو الثقافة أو اللغة.

?

التعليم الديني الصحيح

ويقول الدكتور شادي عبدالوهاب، رئيس وحدة الدراسات الأمنية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي أن هناك سبلاً عديدة يمكن بها مواجهة هذه الأفكار المتطرفة، منها التعليم الديني الصحيح، من خلال تنشئة النشء على إدراك حقيقة أن اختلافاً كبيراً بين نصوص القرآن الكريم، والتفسير البشري لكلام الله، ففي حين أن كلام الله لا يشوبه أي خطأ، فإن تفسير البشر لكلام الله، قد يكون صحيحاً أو يجانبه الصواب، والتوعية بأن بعض المنتمين للدعوة يقومون بتحريف تفسير آيات الله، لتحقيق أغراض لا تتفق مع الإسلام، ولا تهدف سوى إلى الإفساد في الأرض باسم الدين، ولذلك يجب أن يكون الطالب ملماً بمفاهيم مثل «الاجتهاد»، ومن يحق له إصدار الفتوى.

التناقض بين أقوال الجماعات الإرهابية

ويؤكد أهمية إلقاء الضوء على التناقض ما بين أقوال الجماعات الإرهابية وممارستهم العملية، وعلى سبيل المثال، فإن داعش كان يروج لنفسه باعتباره يخوض معركة آخر الزمان ضد الكفار، ويؤكد على ذلك من خلال سيطرته على مدينة «دابق السورية»، باعتبارها المدينة التي سوف تشهد المعركة الفاصلة ما بين قوات المسلمين والكفار، ولكن هزيمة داعش وطرده من مدينة دابق يكشف، في جانب منه، عن زيف ادعاءاته.

يوضح الدكتور شادي عبدالوهاب، أن الانقسامات التي تحدث بين الجماعات الإرهابية، رغم تبنيهم نفس الأفكار المتطرفة دليل آخر على كذب ادعاءاتهم، وأن مسعاهم الأساسي هو الوصول إلى السلطة، كما أن ازدواجية التعامل من جانب الجماعات الإرهابية مع الشيعة هو دليل على مدى نفاقها، ففي حين أن التنظيمات الإرهابية كداعش والقاعدة تستهدف الشيعة في السعودية والعراق وسوريا وغيرها تحت ادعاء أنهم كفار، فإنهم يدخلون في علاقات مصلحية مع إيران، ومن ذلك الاتفاق الذي كشفت عنه مجلة الفورين أفيرز في عام 2012، عن وجود اتفاق بين قادة القاعدة وإيران يقضي بأن تسمح لهم إيران بحرية الحركة عبر أراضيها والسماح لهم بجمع الأموال، مقابل عدم استهداف إيران أو مصالحها في الخارج، وهو ما يوضح كيف أن التنظيمات الإرهابية وإيران تتلاعب بالورقة الطائفية لتحقيق مصالحها الضيقة.

استناد خاطئ

وفي هذا السياق يوضح الدكتور فاروق حمادة، المستشار الديني في ديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي، مدير جامعة محمد الخامس أكدال - أبوظبي، إن كثيراً من أشكال العنف المتنامي تستند خطأً إلى بعد ديني وفكرة سماوية مآلها النصر أو الشهادة، وأن أول ما ينبغي فعله هو تجريد هذه التيارات الإرهابية من هذا البعد وإعادة هذه المفاهيم إلى دلالتها الصحيحة، فالأديان كلها ولا سيما الدين الإسلامي ما جاءت إلا للحفاظ على النفس والإنسان وما ينتسب إليه من مالٍ وأهلٍ وذرية، وترقية للبشر وفتح طريق الازدهار أمامهم، وقد أكد ذلك القرآن الكريم عندما دعا الناس جميعاً إلى الدخول في السلم والسلام فقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً)) وحرّم الاعتداء على النفس والمال والعرض بأي وجه كان، وما كانت رسالة إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام إلا للحفاظ على النفس البشرية وبسط الأمن بين الناس.

زرع الأمل

ومن ثم فإن تجريد الإرهاب من بعده الديني أمر في غاية الأهمية لزعزعة هذه المستندات الإرهابية التي يلوذ بها كل إرهابي بغيض، ثم يأتي بعد ذلك زرع الأمل في نفوس الشباب وجعلهم ينظرون إلى الحياة والمستقبل بنظرة إيجابية تفتح لهم مسالك الإسهام البناء في تكريم الإنسان وخدمة الأوطان، فهذه الرؤية تبعث في القلوب قيم الحياة المطمئنة الآمنة.

يؤكد أن سحب البساط الديني والبعد العقائدي من هذه التيارات الإرهابية يفسح الطريق لمعركة أخرى مع الإرهاب هي معركة القيم، فليست المعركة مع الإرهاب في جوهرها إلا معركة بين قيم متعارضة، بين قيم السلم والأمن والتعاون المشترك والتسامح الكريم التي جاءت الأديان لنشرها، وبين قيم الكراهية والتدمير والصراع الديني والعنصري التي يسعى الإرهابيون والمتطرفون لترسيخها وشحن الشباب بها.

ترسيخ القيم الإيجابية

ويؤكد الدكتور حمادة أن ترسيخ هذه القيم الإيجابية تنزع من الشباب شحنات الحقد والكراهية لأن الإرهابيين قد جعلوا من الشباب وقوداً لمعركة لم تنته، بل تزداد سعاراً يوماً بعد يوم لأن القيم البناءة قد غاضت وغابت من قلوب كثير من هؤلاء الشباب، لافتاً إلى أن تعميم القيم الإيجابية بكل وسيلة ممكنة من أعظم الوسائل الناجعة التي تطفئ شرارة الإرهاب والعنف.

تفكيك أركان خطاب التطرف

ويرى الدكتور محمد عبد الله يونس رئيس برنامج التحولات السياسية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي أن أهم آليات التصدي للأفكار المؤسسة للعنف تتمثل في تفكيك أركان خطاب التطرف من خلال طرح خطاب بديل يقوم على مخاطبة الاحتياجات الاجتماعية والنفسية للأفراد وإعادة دمجهم في المحيط الاجتماعي، فعلى الرغم من أهمية الوعظ والإرشاد الديني في التصدي للتطرف، فإن الخطاب الديني المعتدل ينبغي أن يصاحبه آليات للاحتواء الفكري تقوم على الحوار المباشر مع الشباب والأنشطة الإبداعية التي تكفل للفرد تحقيق ذاته بالتوازي مع تعزيز الشعور بالانتماء إلى المجتمع والدولة بهدف التصدي لتوجهات الاغتراب والانعزالية التي قد تتسبب في الانجراف إلى التطرف.

برامج إعادة التأهيل والدمج الاجتماعي

ويشير الدكتور محمد عبد الله إلى أن فاعلية الخطاب المناهض للتطرف تتوقف ليس فقط على طرح أفكار بديلة وأطروحات مضادة للأفكار المتطرفة، وإنما تتطلب أيضاً التركيز على بعض التجارب الناجحة في الارتداد عن التطرف ونبذ العنف وتوظيف بعض العائدين للاعتدال في توعية المعرضين للانجراف في التطرف، وهو ما يسهم في تعزيز فاعلية هذه الحملات في اجتذاب بعض الشباب المتعاطف مع التنظيمات الإرهابية بعيداً عن التطرف.

وهنا يمكن الاستفادة من برامج إعادة التأهيل والدمج الاجتماعي الناجحة مثل برنامج «أورهورس» في الدنمارك الذي يقوم على إعادة تأهيل ودمج العناصر المتطرفة في المجتمع وتوفير وظائف وفرص عمل للمتطرفين الذين يتم تأهيلهم اجتماعياً، وبرنامج «حياة» في ألمانيا (HAYAT) الذي يقوم على تقديم الدعم النفسي والاستشارات لأسر المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في المجتمع.

تنشيط العقل النقدي

ويعتبر الدكتور هاني نسيره الخبير المتخصص في الحركات الأيديولوجية والتطرف العنيف، إن المخرج من بئر العنف تمكيناً وتعزيزاً لثقافة السلم لن يتأتى إلا بتنشيط العقل النقدي والوعي التاريخي، حتى لا نظل نحيا في اللاتاريخ، ولكي لا يفرض علينا تصوره للتاريخ اعتقاداً، ولا يفرض علينا تديين ما ليس ديناً، ويحرر ديننا من قوانين الطمع والسلطة والتسلط، ليكون كما هو تحية الإسلام «السلام عليكم..» ورحمة للعالمين.

مفاهيم تحتاج التوضيح

يوضح الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، إن هناك العديد من المفاهيم مثل الاجتهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخلافة وأرض الكفر وأرض الإسلام، والحداثة والتطور، تحتاج إلى توضيح متجدد، وهذه من مهام المؤسسات الدينية المتخصصة، لئلا يتطفل على هذه المهمة الكبرى والخطيرة من لا يحسن فهم مقاصد الشريعة والثوابت والمتغيرات الفقهية والفكرية المعتبرة.

ويؤكد أهمية دور الخطاب الديني المعتدل في مواجهة التطرف عن الدين، لافتاً إلى أن الخطاب الديني يحتاج إلى المراجعة والتجديد باستمرار، لمواكبة تجدد قضايا الحياة، مشيراً إلى أن المقصود بالتجديد تنقية الخطاب الديني من الأفكار المنحرفة والشاذة، لافتاً إلى أن هناك قاعدة أصولية في الفقه الإسلامي مفادها: تتبدل الأحكام بتبدل الأزمنة والأمكنة والأحوال والمآلات، ففي عصر عمر بن عبد العزيز كثرت المستجدات فكان يقول: نحدث من الأقضية للناس بمقدار ما أحدثوا من أمور، وهو يعتبر أول المجددين في الإسلام، ولذلك عرف في الفقه المالكي ما يسمى بفقه النوازل، أي الأحوال والأحداث المستجدة.

قيم مترسخة في الإمارات

ويؤكد الدكتور الكعبي أن الوسطية والاعتدال والتسامح قيم مترسخة في دولة الإمارات منذ تأسيسها على يد القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان &ndash طيب الله ثراه - وهو النهج الذي سار عليه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، حيث يؤمن سموه إيماناً راسخاً بقيم التسامح والاعتدال والتعايش الثقافي والحضاري، مشيراً إلى أن صاحب السمو رئيس الدولة، حفظه الله، أصدر المرسوم رقم 2 لعام 2015م الذي يجرم كل أشكال ازدراء الأديان والمقدسات وخطابات الكراهية والتكفير، والتمييز على أساس الدين أو العقيدة أو الطائفة أو المذهب أو الأصل أو اللون أو العرق، وكل قول أو فعل يدعو إلى إثارة الفتن والنعرات أو استغلال الدين في تكفير الأفراد والجماعات.

تعزيز خطاب الوسطية والتسامح

وترى الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف صدور هذا القانون منطلقاً لتعزيز خطاب الوسطية والرحمة والتسامح الذي يؤكد الصورة الناصعة لديننا الحنيف لأن الكراهية ثقافة انغلاق، تقود إلى العنصرية والعنف والتنافر بين مكونات المجتمع الواحد، ومن ثم تؤدي إلى التنافر بين الشعوب والدول والحضارات.

ويوضح الدكتور الكعبي أن خطاب التسامح باختصار يتجلى في ثلاثة محاور: استثمار للمشتركات، وتحاور في الفرعيات والمتفرقات، ولا إكراه في المعتقدات، فلا تكفير، ولا احتكار للدين والمعرفة، ولا مكان للتعصب والتطرف والإرهاب، ولحماية هذه الأهداف لدينا العدد الوافر من النصوص الدينية، منها قوله تعالى: «وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (العنكبوت:46) وقوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين» (الأعراف: 199) وعفو النبي يوسف عن إخوته «قَالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين» (يوسف:92)، وعفو رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم عن عداوات قريش وقوله لهم: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

الكنيسة تجاور المسجد في أبوظبي

ولذلك لا يستغرب أي زائر أو سائح إلى البلدان الإسلامية فيرى المساجد والكنائس ودور العبادات، متاحة لجميع الأجناس والأديان، ومن اللافت للزائر في أبوظبي خاصة، أن يشاهد أحد أهم مساجد المدينة (مسجد الشيخ محمد بن زايد) وبجواره أهم كنيسة، بنيت حديثاً، مع كنائس أخرى مجاورة، ولا يفصل بين المسجد والكنيسة أي جدار أو حاجز.

فهم خاطئ للدين

ويؤكد الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين، مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي أن المواجهة ترتبط بالتعرف على السبب الرئيسي للظاهرة، موضحاً أن العنف المتمسِّح بالدين ينشأ من فهم خاطئ للدين، يراد فرضه على الغير، وهذا ليس خاصاً بالإسلام، بل هو في كل الديانات السماوية والمعتقدات الوضعية، فكم أراق العنف الديني المسيحي من دماء بما يعرف بالحروب الصليبية، وكم فعل اليهود مثل ذلك قديماً وحديثاً متمسحين بمنهج ديني تلمودي، وما يفعله البوذيون اليوم ومن قبل في المسلمين البورميين لا يخفى على أحد.. وأمثال ذلك كثير.

ويضيف: «للأسف يتم كل ذلك باسم المعتقدات الدينية، في حين أن كل الديانات السماوية والبوذية تمقت ذلك وتحرمه وتجرمه، ويدل ذلك التجريم والتحريم على أن هذا الفعل ناتج من فهم خاطئ من البشر الذين تقمصوا الدين جهلاً وطبقوه جهلاً، فجروا الويل والثبور على الأمة».

واستخفوا بعقول العامة، مؤكداً أنهم لا يمثلون إلا أنفسهم الشريرة ومنهجهم المنحرف، وأن عموم المسلمين ينكرون بل ويجابهون هذا الفكر بكل ما أوتوا من قوة، ولهذا فإن المواجهة تكون ببيان حقيقة الدين وكشف تلك الادعاءات التي تتمسَّح بأقوال تنسب زوراً للدين، ولهذا يجب أن يجابه هذا الفكر المنحرف بفكر تنويري صائب بدأ من منهجية التعليم المتواصل، وامتداداً للنشاطات والتأثيرات المختلفة ولهذا يقوم علماء المسلمين بتوضيح منهج الإسلام الوسطي المعتدل السمح الرحيم مع الموافق والمخالف.

ويوضح أن منهجية دولة الإمارات خير دليل على ذلك، مشيراً إلى أن الإمارات أنشأت هيئات جديدة للتصدي لهذه المهمة، منها مجلس حكماء المسلمين ومنتدى تعزيز السلم اللذان يقومان بواجبهما نحو توضيح رسالة الإسلام والدعوة إلى منهجه الصافي ونبعه السمح، وبيان أن العنف ليس من الإسلام في شيء وأن دعاته مجرمون في نظر الإسلام وعلمائه.

مواجهة العنف في بورما وفلسطين

وينبه الدكتور الحداد إلى أنه يتعين أن لا يقتصر الأمر على مواجهة العنف المتمسِّح بالإسلام، أو أهل السنة، بل يجب أن تعم هذه المواجهة العنف البوذي في بورما واليهودي في فلسطين، والصليبي والشيعي الطائفي الذي ينكل بأهل السنة في كل مكان ولا سيما في العراق وسوريا واليمن الذي يباد الآن على أيدي مجرمي الحشد الطائفي والشيعي، والحوثي وأشباههم، هذا إن أريد للعالم أن يعيش سلمياً.

«الشؤون الإسلامية»: خطة ثلاثية لمواجهة ثقافة العنف

أكد الدكتور محمد مطر الكعبي رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف أن للمؤسسة الدينية دوراً مهماً لمواجهة والتطرف عن الدين أو العنف المتمسِّح بمقولات دينية، موضحاً أن الهيئة تركز في رسالتها ومهامها على تنمية الوعي الديني والثقافة الإسلامية الصحيحة، وغرس قيم الاعتدال والتسامح في المجتمع، من خلال خطط ثلاثية مستمرة تعتمد على عدة وسائل،أبرزها: أولاً نقوم بتحصين قلاعنا الوطنية: المساجد ووسائل الإعلام ومراكز التثقيف ومؤسسات التعليم، ضد الفكر الشاذ والمتطرف. وثانياً نرسخ ثقافة النقد الذاتي لخططنا ووسائلنا لتحفيز التطور ومواكبة الحياة العصرية، وثالثاً نرصد ونحلل ونرد، بالتعاون والتنسيق مع الأزهر الشريف ودار الفتوى المصرية، على كل فتوى أو رأي أو خطاب ضال، بفتوى علمية ورأي حصيف وخطاب وسطي معتدل.

وفي هذا السياق تأتي مواجهة الفتاوى الضالة لقوى العنف والتطرف وبخاصة عبر المركز الرسمي للإفتاء في الدولة، لافتاً إلى أن هذا المركز كما في الأزهر ودار الفتوى ـ لديهم إحصاءات ومتابعات راصدة لتلك الفتاوى والشبهات المثارة في العالم.

ولفت الدكتور الكعبي إلى أنه شارك مؤخراً في تدشين أول تجمع لدور الإفتاء وهيئاته في العالم تحت مظلة دار الإفتاء المصرية لمواجهة فوضى الفتاوى والتطرف والإرهاب، موضحاً أن التجمع العالمي سيتيح تبادل الخبرات العلمية والعملية والتنظيمية بين الأعضاء لدراسة مشكلات الحياة المعاصرة والاجتهاد فيها بهدف تقديم الحلول النابعة من التراث الإسلامي، والمنفتحة على تطور الفقه الإسلامي. ويوضح أن الهيئة تعمل باستمرار على تنقية فهم الدين، وتصويب دلالات نصوصه، وتأصيل ثوابته ومتابعة المتغيرات، من خلال خطة الوعظ السنوية وخطب الجمعة ودروس المساجد والمركز الرسمي للإفتاء، والمنشورات الصادرة عنها، مما رسخ في المجتمع ثقافة التسامح- واحترام ما لدى الآخرين من مميزات تثري البناء الوطني والاجتماعي والإنساني والثقافي بالدولة.

ويوضح أن الهيئة تستخدم أيضاً وسائل التواصل الاجتماعي لمواجهة الفكر المتطرف وثقافة العنف، من خلال تغذية هذه الوسائل بالفكر المعتدل والتعليق والنقد والتحليل، إذ لدى الهيئة إدارة متخصصة تقوم بهذا الدور، وهي إدارة الاتصال الحكومي، ونعزز كل ذلك بالتوعية اليومية (دروس المساجد والمحاضرات) والأسبوعية (خطبة الجمعة)، فضلاً عن المناسبات والفعاليات الدينية والوطنية والعالمية.

الإمارات تواجه العنف بالتسامح والتعايش

يؤكد الدكتور فاروق حمادة المستشار الديني في ديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي، مدير جامعة محمد الخامس أكدال - أبوظبي، أن ثقافة العنف والتطرف أفرزت أسوأ صورة للإنسان المعاصر بهمجيته ووحشيته، فلنحارب ثقافة العنف بثقافة السلم والأمن، وثقافة التعصب والتطرف بثقافة التسامح والتعاون، مشيراً إلى أن دولة الإمارات العربية المتحدة التي قامت على أساس مكين من القيم تتبنى التعاون والتسامح منهجاً، والسلم والأمن نظاماً والمستقبل المشرق تشريعاً وهدفاً قد ضربت مثالاً عالمياً فريداً في ميدان التعايش والتسامح الذي لا يترك للإرهاب مجالاً ينبت فيه ولا للكراهية والتدمير طريقاً يتسلل منه، مشيراً إلى أن ذلك كان اختياراً راسخاً للقائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ، طيب الله ثراه ، وعلى نهجه تسير القيادة الرشيدة، ومن هنا يبدأ طريق السلم والأمن والأمان وتطوى صفحة الإرهاب والبغي والعدوان.

الفرقة الناجية

يقول الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد كبير مفتين، مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، إن مسألة الفرقة الناجية فيها نقاش كبير عند علماء الإسلام، من حيث التأصيل المتعارض مع شمولية الإسلام ودائرته العظيمة، وعلى التسليم بنظريتها يجب أن تفهم بالفهم الأعم لكل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فإنها الدائرة العظيمة التي بها النجاة من النار والفوز بالجنة كما دلت على ذلك نصوص كثيرة كحديث البخاري ومسلم عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني آتٍ من ربي، فأخبرني - أو قال: بشرني - أنه: من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة» قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق» زاد في رواية «على رغم أنف أبي ذر»، أي حيث استعظم رضي الله تعالى عنه ذلك مع الزنا والسرقة، وهما جريمتان متوعد عليهما بالعذاب الأليم، إلا أن الموت على الإيمان والإسلام هو المستعصم، والذي يجب التعويل عليه مع سعة رحمة الله تعالى التي وسعت كل شيء، وليس في ذلك تهوين للمعاصي التي يجب أن تجتنب، وحدود الله التي يجب أن لا تُتعدى، ولكن ما لم يصل ذلك إلى القنوط من رحمة الله، فإن ذلك جرم أكبر من تلك المعاصي، حيث إنه اتهام لله بعدم العفو، وقد سمى نفسه «عفواً وغفوراً ورحيماً»، كما سمى نفسه جباراً منتقماً، فلكل وصف من صفاته محمل لا يجوز أن يمحى أثره في خلقه.

العنف.. لماذا يتفشى في مجتمعات تحيتها السـلام؟

علي جمعة يرد على قواعد التطرف العشر

استطلاع : د. محمد يونس

يعتمد المتطرفون على 10 مقولات أساسية تشكل القواعد أو المحاور الفكرية للتطرف والعنف المتمسح بالدين، تنتشر هذه المقولات في أدبياتهم الفكرية من كتب وخطب ومقالات، وتعرضها «الاتحاد» بوضوح، ويرد عليها ويفندها الدكتور علي جمعة عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف ومفتي مصر السابق، بالدليل العلمي والرأي المؤصل، موضحاً أن هذه المقولات تشكل مكونات فكرية رئيسة في فكر المتطرفين يستندون إليها في نشر دعاواها الباطلة بين الشباب وتبرير لجوئهم إلى العنف.

وأول هذه القواعد أو المقولات : زعموا أن حكام العالم الإسلامي عملاء للاستعمار الغربي وخونة لشعوبهم، وهم يحكمون دولهم من أجل تحقيق مصالح الغرب وتنفيذ مؤامرة صليبية تسعى للتبشير بين المسلمين. فمثلاً جماعة الجهاد لا تعترف بشرعية حكام العالم الإسلامي كله ولا بأهليتهم للحكم، وتندد بتبعيتهم الشديدة للغرب.

ويرد الدكتور علي جمعة على هذا الزعم قائلاً: «أكاد أجزم أنه ليس هناك مؤامرة من العالم الخارجي ضد عموم الدول الإسلامية والإسلام، ولكن هي معركة الخير والشر، ومعركة مصالح متضاربة ومتدافعة، وهذا ما قاله تعالى: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) [الأعراف: 24]

فيجب على قادتنا وشعوبنا وأبنائنا ألا يجعلوا من نظرية المؤامرة عائقاً يحول دون عملهم وسعيهم وإعمارهم للبلاد، فما المؤامرة إلا وهم من خيالات فاسدة، والتي روجتها بيننا مغالطات أولئك المتطرفين، والغرب إنما يدافع عن مصالحه المادية، وهذا شأنه، ويجب علينا أيضاً أن نتعلم معرفة مصالحنا والبحث عنها والدفاع عن تحقيقها واغتنامها، وهذا جزء من سنة الله في الحياة، سنة التدافع بين الناس، يقول تعالى (لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ?) (سورة الحج: الآية 40)، وهذا التدافع هو الذي يثري الحياة ويدفعها نحو التنافس والبناء، وذلك على عكس ما يروج له التكفيريون من دعوى التخريب والدمار تحت مسمى الجهاد أو التدافع.

فالعدو الحقيقي للأمة هو من بيننا يتكلم بلساننا، قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا». قال حذيفة: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا. قال: «هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا». قال حذيفة: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ قَالَ: «تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ». فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ قَالَ: «فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ».

المؤامرة الصهيونية

القاعدة أو المكون الثاني للفكر العنيف: يزعم التكفيريون أن حكام المسلمين والشعوب رضيت بإسرائيل، وسلمت لها بيت المقدس، وأن الحكام يتبعون المؤامرة الصهيونية لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه، وتأسيس دولة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

فمثلاً يقول سيد قطب: العشرات من الشخصيات المدسوسة على الأمة المسلمة في صورة أبطال مصنوعين على عين الصهيونية والصليبية، ليؤدوا لأعداء الإسلام من الخدمات ما لا يملك هؤلاء الأعداء أن يؤدوه ظاهرين!

ويرد الدكتور جمعة على هذه المزاعم قائلاً إن كل ذلك مغالطات واضحة، لأن المصريين كمثال وقفوا دائماً ضد الخطة الصهيونية في المنطقة، وينطبق ذلك على الملك فاروق وعلى الضباط الأحرار ومن أتى بعدهم، وينطبق ذلك على السياسيين المصريين من النخبة وعلى عموم الشعب وعلى الجيش المصري، كلهم أجمعوا منذ تأسيس إسرائيل على مواجهتها، ظهر ذلك في توحيد الجيوش العربية في حرب 1948م، ثم في حرب 1956م، نعم لم يتحقق النصر للعرب والمصريين في تلك الحرب، بل وتعرض الجيش المصري لضربات الصهاينة في نكسة 1967م، ثم أتبع ذلك النصر المبين في حرب أكتوبر 1973م، وقد شارك العرب جميعهم مع مصر في تلك المعركة إما بالجنود وإما بالمعدات وإما بالأموال، وإما بقطع الإمدادات النفطية عن حلفاء إسرائيل.

ثالثاً: يزعم التكفيريون أن حكام الدول الإسلامية ضد الوحدة.

في رده يؤكد الدكتور جمعة أن هذا كلامٌ فاسدٌ، فمثلاً حاولت مصر أن تتحد مع سوريا في الستينيات، وأن تتحد مع ليبيا، وأن تتحد مع السودان، وهناك كيانات موجودة بالفعل في العالم الإسلامي تجمع وتوحد بينها، كمجلس التعاون الخليجي، وكجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وتجتهد الدول العربية في إزالة العوائق أمام الوحدة، وإنشاء سوق عربية موحدة.

ويضيف أن هؤلاء الكذابين لا ينظرون إلى حقيقة أنفسهم فقد يجدونها سبباً جوهرياً وعائقاً حقيقياً أمام تحقيق هذه الوحدة، وأنهم أكبر الدعاة إلى التفريق والشرذمة، حيث جعلوا من الدين الموازي الذي ابتدعوه سبباً في تقسيم الناس والدول على أساس ديني يصعب تجاوزه أو التغلب عليه.

رابعاً: يزعم التكفيريون أن بلاد الإسلام غابت عنها العدالة الاجتماعية والمساواة، ويقوم حكامها بنهب الثروات واحتكارها وتعذيب المسلمين واضطهادهم والتضييق عليهم.

فمثلاً يقول أبو بكر ناجي في كتابه «الخونة»: «الشعوب الإسلامية كسرت أجنحتها، ونهبت ثرواتها، وترزح تحت حكومات سَلَبَت منها كل شيءٍ حتى حق التعبير. وفي رد يقول مفتي مصر السابق أن هذا القول كاذب لأن الدولة الحديثة أصبح فيها أجهزة رقابية ومؤسسات، ومشاركة وتداول للمناصب والسلطات، وقانونٌ ودستور، وإجراءاتٌ كثيرة تؤاخذ كل من تمتد يده إلى أموال الناس، أو تنهب ثروات الشعوب. كان بها ومجالس نيابة تنقل أصوات الشعب وصحف ووسائل إعلام ووسائل للتواصل الاجتماعي مليئة بكل أشكال التعبير عن الرأي.

الحاكمية

خامساً: تكفير المجتمع بمغالطة الحاكمية، حيث زعموا أن دول الإسلام تحكم بغير ما أنزل الله، وأن الشعوب والحكام، إذ رضوا بذلك في قوانينهم وأعرافهم الاجتماعية فقد كفروا بشريعة الله.

فمثلاً يقول

محمد عبد السلام في «الفريضة الغائبة»: «الأحكام التي تعلو المسلمين اليوم هي أحكام الكفر، بل هي قوانين وضعها كفار، وسيروا عليها المسلمين، فحكام هذا العصر في ردة عن الإسلام تربوا على موائد الاستعمار».

يوضح الدكتور جمعة أنه رد على هذه المزاعم في كتابه «التجربة المصرية» قائلاً:

عرضنا فيه تجربة المصريين في تقنين الشريعة، والاحتكام إليها، وخلصنا منه إلى أن الدولة المصرية الحديثة منذ إنشائها وهي تتحرى أحكام الشريعة الإسلامية لا تخرج عنها، وأن الدساتير المصرية نصت جميعها على ذلك، فمن أين لهذا المتطرف أن يرمي الناس بالكفر والاحتكام إلى شريعة غير الإسلام.

فالخديوي إسماعيل كان حريصاً على البعد عن الدولة العثمانية، والتي قننت الشريعة الإسلامية في صورة المجلة العدلية، الصادرة سنة 1290هـ، على المذهب الحنفي، فقد فكر في عدة احتمالات، وكلها لا تخرج عن الشرع الإسلامي، واستقر الأمر على تقريب القانون الفرنسي ومراجعته على وفق ما جاء في المذهب المالكي،

وبدأت حركة تمصير التشريعات مع عبد الرزاق السنهوري باشا، الذي وضع القانون المدني المصري، ومع صبري أبو علم الذي وضع القانون الجنائي المصري، وهي المجموعات التي انتهوا منها وصدرت وعمل بها من سنة 1949م وحتى يومنا هذا، بغض النظر عن التعديلات الجزئية.

وشرح السنهوري القانون المدني في كتاب (الوسيط)، بين فيه مأخذ كل مادة من الشريعة الإسلامية، أو في صياغتها، أو في موضوعها، من ستة عشر تشريعاً مختلفاً، وهو ما يدل دلالة واضحة -بل أكاد أن أقول دلالة قطعية- على ذلك التوجه الذي أراده هؤلاء الآباء من عدم الانسلاخ من الشريعة.

والسنهوري نفسه وضع التشريع العراقي، والتشريع الأردني وتوجه بهما أكثر نحو الشريعة الإسلامية بصورتها الموروثة.

فكرة الخلافة

سادساً: يزعم التكفيريون أن الدول الإسلامية أو حكامها يرفضون الخلافة ويقفون أمام إعادتها للوجود مرة أخرى، فيقول محمد عبد السلام فرج في كتاب «الفريضة الغائبة»: أجمع المسلمون على فرضية إقامة الخلافة الإسلامية وإعلان الخلافة يعتمد على وجود النواة وهي الدولة الإسلامية ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية.

ويرد د. جمعة بقوله إن هذه الأكاذيب الهدف منها نزع انتماء الفرد المسلم من الدولة التي يحيا فيها حتى يتحقق انتماؤه إلى الجماعة الموازية التي يصورونها في ذهنه مرحلة أو خطوة على طريق الانتماء إلى دولة الخلافة العظمى، وأن بيعة المسلم لأمير هذه الجماعات الضالة هو الذي يحل رقبته من إثم الموت وليس في رقبته بيعة، فيموت ميتة جاهلية، كأولئك الذين يموتون وفي رقبتهم بيعة فاسدة لحاكم كافر فاسق.

ويوضح أن المسلمين أجمعين، يرغبون في وحدة المسلمين ويحلمون بدولة الخلافة الإسلامية الراشدة التي بشر بها سيدنا رسول الله &ndash صلى الله عليه وسلم - ولكن الفرق بين المسلمين في عمومهم وهؤلاء المتطرفين، أن المسلمين أدركوا أن تطبيق الأحلام تحتاج لإدراك الواقع المعيش والتعايش معه، ومن ثم الاستفادة مما فيه قدر الإمكان، وأما المتطرفون فهم يرون في تدمير الواقع المعيش ورفض التعايش معه، والانصراف عن الاستفادة منه، هو الطريق الوحيد الذي سيجعل أحلامهم تتحقق.

فقد سعى المسلمون، ومنذ أن أعلن كمال أتاتورك عن سقوط الخلافة في 1924م، إلى إعادة رابطتهم، فقد اجتمعوا في مؤتمرين كبيرين: الأول بالقاهرة سنة 1925م، وصدر عن المؤتمر «مجلة الخلافة بمصر». والثاني مؤتمر الخلافة بالهند، ولكن للأسف كلا المؤتمرين قد فشلا فشلاً ذريعاً، نظراً إلى عدم استعداد الدول وتهيؤها لأمر الوحدة مرة أخرى في عقد كعقد الخلافة.

وقدم الدكتور السنهوري من خلال رسالته للدكتوراه التي تقدم بها إلى السربون دعوة إلى مؤسسة بديلة يمكنها أن تحل محل الخلافة الإسلامية بشكل فعلي، تتفق عليه جميع الدول الإسلامية.

وطرح فكرة «عصبة الأمم الشرقية»، وهو اقتراح بإنشاء منظمة دولية تكون أداة للتقارب بين الدول الإسلامية المستقلة تعمل على تنمية الروابط بين شعوبها، وتتولى تقديم المساعدة للشعوب التي تطالب باستقلالها وترغب في المحافظة على علاقاتها التاريخية والعقدية والثقافية مع الأقطار الإسلامية المستقلة.

وتمحورت فكرة السنهوري في إنشاء منظمتين: إحداهما دينية، للنهوض بالشريعة ، وتجمع الثانية الدول الإسلامية من الناحية السياسية والاقتصادية وتكون أداة للتعاون فيما بينها. ومن هنا يتضح أن المسلمين وحكامهم لم يقفوا ضده الخلافة بل هم يبحثون في الطريقة المثلى أو المتاحة أو الواقعية لإعادتها.

وتم إنشاء منظمة أقرب إلى الفكرة التي دعا إليها السنهوري وهي منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1969، والتي تحولت فيما بعد إلى منظمة التعاون الإسلامي وجميع الدول الإسلامية أعضاء في هذه المنظمة.

مفهوم الجهاد

سابعاً: دعوى التكفيريين بأنهم هم المجاهدون في سبيل الله، وأن بقية المسلمين حكاماً ومحكومين فرطوا في فريضة الله وذروة سنام الإسلام.

ويقول د. جمعة إن هذه المزاعم وهم وتلبيس في دين الله، حيث إن التكفيريين جهلوا مفهوم الجهاد الصحيح، وتبنوا مفاهيم فاسدة، وجهلوا شروط الجهاد ، فقد نهانا سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجهاد تحت الراية العمية العصبية، التي تدمر ولا تعمر، حيث قال: «مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ ثُمَّ مَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً وَمَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عُمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِلْعَصَبَةِ وَيُقَاتِلُ لِلْعَصَبَةِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِي وَمَنْ خَرَجَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا لاَ يَتَحَاشَ مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلاَ يَفِي بِذِي عَهْدِهَا فَلَيْسَ مِنِّي».

في حين يدعو المتطرفون أتباعهم إلى فعل ما نهى عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما نؤكد عليه دوماً أن ضلال تلك الفرق والجماعات هو تركهم للمحجة البيضاء الناصعة التي تركنا عليها رسول الله، فهو ينهانا عن القتال تحت راية عمية، بينما يدعو المتطرفون الشباب إلى القتال تحت راية عمياء صماء، وهي راية الفوضى وهي راية التوحش والدمار.

تكفير المسلمين

ثامناً: إفساد المتطرفين عقيدة التوحيد، ، حيث قسموا التوحيد إلى أقسامٍ ثلاثة: ألوهية وربوبية وصفات، وراحوا يصنفون الناس ويعرضونهم على هذا التوحيد الموازي المثلث الذي ابتدعوه، فصار المسلمون في ميزانهم كفاراً. فيقول حمد بن عتيق في كتابه: «سبيل النجاة والفكاك من موالاة المرتدين وأهل الإشراك»: اعلم أن الكفر له أنواعٌ وأقسامٌ بتعدد المكفرات، وكل طائفةٍ من طوائف الكفر قد اشتهر عندها نوعٌ منه، ولا يكون المسلم مظهراً لدينه حتى يخالف كل طائفةٍ بما اشتهر عندها ويصرح لها بعداوته والبراءة منه».

ويوضح الدكتور جمعة أنه قد رد على هذه الأقوال العربي التَّبَّاني في كتابه «براءة الأشعريين من عقائد المخالفين»، وبين بدعية تقسيمهم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، وأوضح أن ذلك سبيل اتخذه هؤلاء لتكفير المسلمين وتفسيقهم. ويقول إن المتطرفين اعتمدوا فكرة الردة، مما جعلهم يحكمون على المسلمين بالكفر عبر التاريخ حتى يزينوا في عقول أتباعهم العنف وحل الدماء.

ويشير إلى أن المتطرفين جعلوا رأس الشريعة فرعاً وفرعها رأسها، فأقاموا الولاء والبراء على النقاب واللحية وغير ذلك، فدخل ناس الإسلام بنظرهم وخرج آخرون، موضحاً أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لشعب الشريعة أعلى وأسفل وجعل للمحرمات كبيراً ولمماً، فأعلاها كلمة التوحيد لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والكبائر على رأسها القتل وسفك الدماء وهو ما وقع فيه التكفيريون في حين أن اللمم هو ما كفروا الناس بالوقوع فيه.

بدعة النُّصرة والتمكين

المقولة التاسعة: بدعة النُّصرة والتمكين، وهذه البدعة جعلت المتطرفين يرون ضرورة الاصطدام مع الأمم والحضارات ، ظناً بأن الله وعدهم بالنصر على الخلق أجمعين.

فمثلاً يقول أبو قتادة الفلسطيني في كتابه «الجهاد والاجتهاد»: هناك قاعدة، في موضوع تحقيق عبودية الله في النفس الإنسانية، وهي: لا عبودية بغير تمكين. ولا مغفرة من غير فتح، ولا فتح بلا شهادة.

ويخلص إلى أن « الجماعة المهتدية علمت أن هذه العبودية لا تتم إلا بالفتح، وأن أسباب الفتح هو القتل والقتال».

ويرد د. علي جمعة على هذه المزاعم بقوله أن هؤلاء المتطرفين خالفوا الرسول&ndash صلى الله عليه وسلم- الذي حذرنا مما أسماه الهرج أي الكذب والقتل فعن أبي موسى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ بَيْنَ يَدَىِ السَّاعَةِ الْهَرْجَ». قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْكَذِبُ وَالْقَتْلُ». قَالُوا: أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ الآنَ. قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمُ الْكُفَّارَ وَلَكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضاً حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَيَقْتُلَ أَخَاهُ وَيَقْتُلَ عَمَّهُ وَيَقْتُلَ ابْنَ عَمِّهِ». قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ وَمَعَنَا عُقُولُنَا يومئذ؟ قَالَ: «لاَ، إِلاَّ أَنَّهُ يَنْزِعُ عُقُولَ أَهْلِ ذَاكُمُ الزَّمَانِ حَتَّى يَحْسِبُ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ عَلَى شَيءٍ وَلَيْسَ عَلَى شَيءٍ».

وأوضح أن المتطرفين في هذه المزاعم اتبعوا أهواءهم، محدثين فتنة، وضلوا وأضلوا كثيرا من عباد الله، ونفذوا أوامر الممولين لهم بالمال والسلاح، ليحقق أهدافاً سياسية واقتصادية، من وراء الفوضى والفتن والهرج في بلادنا.cوقال فضيلته أن هناك أحاديث نبوية تحذر من التكفيرين سافكي الدماء، ومنها قول حذيفة بن اليمان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه وكان ردئاً للإسلام، غَيَّرَهُ إلى ما شاء الله، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك». قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك المرمي أم الرامي؟ قال: «بل الرامي».

الرَّايَاتِ السُّودَ

ويشير فضيلته إلى رواه نعيم بن حماد عن عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الْأَرْضَ، فَلَا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ وَلَا أَرْجُلَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لَا يُؤْبَهُ لَهُمْ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ، لَا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلَا مِيثَاقٍ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ».

الزعم بأنهم الأحق بالحكم

المقولة العاشرة: يزعم التكفيريون أنهم أحق بحكم بلاد الإسلام فهم القادة والمجاهدون فلا يُحكمون كبقية المسلمين من رعايا الدول الإسلامية. فيقول أبو قتادة الفلسطيني في كتابه «الجهاد والاجتهاد»: وإذا وصلنا إلى التّمكين من خلال شوكة النّكاية لن نكون مضطرين إلى احترام آراء التّعددية السياسية ولا الأحزاب الأخرى.. سيحكمهم أميرنا شاؤوا أم أبوا، وسنحكمهم بالإسلام ومن رفع رأسه قطعناه».

في رده يوضح د. جمعة أن هذه المزاعم تبين نفاق تلك الجماعات المتطرفة وأنهم يظهرون عكس ما يبطنون، وأنهم يكنون الازدراء والكراهية للشعوب، ولا يحترمون إرادة غيرهم، ولا نتائج الانتخابات.

ومن تكبرهم على خلق الله لا يؤمنون بأن المولى عز وجل هو من يعطي الملك وهو من يسلبه وهكذا قال: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26]