الاتحاد

الملحق الثقافي

البلعينيون·· يؤسلبون المعنى ويكتبون الشعر بالجسد!

أول ما يطلع على البال حين يشاهد المرء صورة للهنود الحمر، حكاية التذويب التي تعرضوا لها لتخلو الأرض للسيد الأبيض الآتي من وراء البحار، لكن هذه الصور المنشورة هنا ليست لهنود حمر يؤدون طقوسهم في احتفال مقدس أو يرقصون رقصة شعبية جميلة، بل لفتية ''بلعينيين''، والاسم نسبة إلى قـرية بلعين التي تقع غرب مدينة رام الله في فلسطين المحتلة، قرروا أن يوقظوا الحكاية القديمة من بطون التاريخ لتجسيدها واقعاً على الأرض، فصبغوا وجوههم، ووضعوا في شعورهم الريش الشهير، وانطلقوا في عرض تعبيري رمزي لكي يرسلوا لسيدة ''العالم الحر'' رسالة مختصرة وبليغة قد تعجز أبلغ أشكال التعبير الفني والأدبي عن إيصالها·

مع انتفاء بدهية المعنى الرمزي وتلقائيته، يتحول الذهن بعفوية إلى قصيدة محمود درويش الفاتنة التي استلهمت حكاية الهنود الحمر لتسقطها أو لتصوغ من خلالها حكاية الفلسطيني الذي يراد له أن يكون ''هندي العصر الحديث''، وحين استحضر درويش الحكاية وأنهضها من التاريخ ليكتب قصيدته (خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام السيد الأبيض) ربما لم يدر في خلده، ولا في أكثر خيالاته جموحاً، أن رموز قصيدته ومعانيها ومفرداتها وطقسها الشعري والجمالي سوف يكتب بالجسد على أرض بلعين في ''لوحة حياتية'' تقترب من فنون الأداء التشكيلي التي تعتمد الجسد وسيلة للتعبير والقول·
وربما لم يتوقع درويش الذي سعى طوال عمره الشعري والحقيقي، إلى كتابة مفارقة (بكسر الراء) تجدل الحكاية الشخصية بالحكاية الجماعية الفلسطينية، أن قصيدته تلك سوف تصبح متكئاً للقرويين البسطاء الباحثين عن وسيلة كفاحية تعبر عما يجول في عقولهم وقلوبهم، وتتحول معزوفة جماعية تؤسطر عذاباتهم اليومية مع الجدار العازل الذي يعزل عنهم وميض الحياة، ويدخلهم كبشر في أتون معزل نفسي واجتماعي ينفيهم عن تاريخهم، وأن يجدوا فيها، وهذا هو الأهم، حكايتهم الخاصة التي قرروا أن يكتبوها ''ليرثوا أرض الكلام، ويملكوا المعنى تماماً''·
القصيدة تعود إلى أهلها
بالطبع، يرى كثيرون أن الصورة تقتل خيال الشعر وتؤطر الصورة الشعرية في ''كادرها''، وهي إشكالية تبرز في كل مرة تجري معالجة المكتوب تصويرياً أو سينمائياً أو مسرحته، لكن الأمر هنا يبدو استثنائياً بطريقة ما، فالبلعينيون يقترحون هنا كتابتهم الخاصة للقصيدة، شكلاً ومضموناً ورمزية ومناسبة، ومن هذا الترميز المفعم بالدلالات والذي يكاد يكون المعادل الموضوعي للتصعيد الملحمي والشخوص والحيوات والاستعارات والصور المركبة التي تحتاجها الكتابة في مشروعها، تنبت مشروعية المقارنة بين القصيدة التي صارت صورة، والصورة التي جاءت أشبه بالقصيدة، من دون أن يقلل ذلك من أهمية القصيدة· وهي بهذا المعنى جدلية العلاقة بين كتابة الحياة وكتابة الكلمات التي تنضفر معاً في ضفيرة الواقع والحلم، فالقصيدة، أي قصيدة، تستلهم حياتها ومناخاتها ومفرداتها وطقسها الإبداعي من الناس، ثم تقضي حياتها تحاول الوصول إلى الناس والحياة بينهم، هذا ما يحدث هنا فعلياً، فنحن أمام قصيدة خرجت من الكتاب والورق لتركض في الشارع، وتنام على الإسفلت، وتحيا مع الناس بعد أن عادت إليهم بكل ألقها لتطرح عليهم صيغة قولية وحياتية تعبر عن أشواقهم وآلامهم ورفضهم وكفاحهم·
إذن··· هل نحن في ساحة لصراع الأحلام والحكايات والروايات؟
بالضبط، فالآخر، الذي يحتل ويقتل ويبني الجدار والمعازل، يستند هو الآخر إلى ''حكايته (أكذوبته) التاريخية'' التي يرويها مبرراً أفعاله الجرائمية، ولا بد من حكاية مضادة، هي حكاية الفلسطيني المقتلع، المنفي، المعزول، المتروك، الذي لم يبق له إلا الحلم ليقاتل به ويناقض الواقع الذي يفترسه· ولكي يتحقق هذا، ليس أفضل من استلهام الموروث الحضاري التاريخي الفلسطيني ''الكنعاني'' والموروث الحضاري الإنساني العالمي ''الهنود الحمر''، وهكذا يتحول المعنى ''المقال كلاماً'' في قصيدة درويش ''كتابة بالجسد'' على أرض بلعين·
الجسد يجترح خياراته
ربما لم يكن لدى درويش في قصيدته سوى الخيار اللغوي وما يتيحه له من إمكانيات تعبيرية لبناء قصيدة جديدة بعيداً عن المباشرة والشعار والنبرة العالية السائدة في غالبية الشعر المقاوم، لكن في بلعين ثمة خيارات أخرى يتيحها التعبير الجسدي والحركي لصوغ الحكاية بطريقة جديدة وبعيدة هي الأخرى عن مألوفيات العمل النضالي، ومنفلته من إسار الأشكال الجاهزة والنمطية السائدة ثقافياً وفنياً واحتجاجياً، إذا صحت العبارة، فهذه الصورة ليست الشكل الوحيد الذي مارسه البلعينيون الذين يجترحون في أفق قريتهم الصغيرة، أشكالاً جديدة للنضال، ويؤسلبونه على هوى حاجتهم وما يريدون إرساله للعالم ''الأخرس'' من رسائل تشرح المعاناة في تعابير موجزة و صور بليغة تفننت بلعين مؤخراً في ابتكارها وابتداعها· أكثر من ذلك بات ما تفعله بلعين نوعاً من ''الأسلبة'' النضالية التي تتماس في جوهرها العميق مع الجوانب المغفلة والمسكوت عنها في الثقافات الأخرى، تستحضرها من التاريخ أو الراهن لتعيد صوغها بما يتناسب والحالة الفلسطينية·
بهذا المعنى يمكن النظر إلى ما يفعله البلعينيون بوصفه تمارين مقترحة لإعادة كتابة القصيدة على الأرض، لكنه بالتأكيد ليس فعلاً شعرياً فقط، على أهمية كونه كذلك، بل فعل نضالي أكثر كثافة واختزالا، ويلتفت إلى ما هو كوني وإنساني في التجربة الفلسطينية التي تسائل الراهن عن صدقيته في دعاوى الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان تماماً كما كانت قصيدة درويش مساءلة للتاريخ والحضارة وللرجل الأبيض عما يدعيه من قيم العدالة والمساواة· إننا هنا أمام تجربة يتدخلَنُ فيها القومي بالوطني بالإنساني باليومي لتقدم نموذجاً أو أمثولة لعذاب الإنسان على هذه الأرض، تماماً كما كان الهندي الأحمر أمثولة أو نموذجاً لتصوير الظلم والعذاب في الجانب الآخر من العالم· وربما عزز نجاح هذا النموذج ما يحمله من دلالات رمزية وتشابهات خصبة في التاريخ والمصير تصلح للإسقاط على الحالة الفلسطينية ببعديها الرمزي والواقعي·
''أسلبة البصر'' وأثر البصيرة
ما تفعله بلعين، بات أقرب إلى عرض رمزي وتعبيري يعيدنا إلى الاحتفاليات المسرحية القديمة التي كان حكاؤوها ومؤدوها ومجِّسدوها يؤثرون من خلالها في الجمهور المتفرج أبلغ تأثير، يصل أحياناً إلى حد تثبيت ملك سلطان أو عزل آخر، أو تجييش الجيوش على الأعداء أو إعلان الثورات وغير ذلك·
على أن عروض بلعين، وإن لم تصل إلى هذا الحد من التأثير، تمكنت من إيصال رسالتها بصورة مؤثرة، لأنها نجحت في ابتكار خطاب بصري و ''بصيروي'' (من بصيرة) يصور ويجسد معاناتها من جهة، ويحاور العقل الأوروبي ضمن منهجه في التفكير من جهة ثانية، ويبدو أن بلعين ''الصغيرة'' عثرت على ''السر الكبير'' أو المفتاح الذي فتحت به ''بصيرة'' بعض الأوروبيين، وولجت به إلى باب الحياة كما ينبغي لها أن تكون·
في البدء واجه هذا ''السلوك البلعيني'' الكثير من الدهشة والاستغراب وربما الصدمة، إذ لم يكن من السهل أن يرى الناس مجموعة من الشباب يربطون أنفسهم بسلاسل من الحديد في جذوع الأشجار المهددة بالاقتلاع، غير عابئين بالموت الآتي على هيئة ''جرافة''، أو يرتدون الأكفان ثم يعلقون رؤوسهم في مشانقها، أو يتمددون على الإسفلت في ''عزّ الصيف''، أو يجلسون في أقفاص تم صنعها خصيصاً ''لاحتفال بلعين الأسبوعي بالألم''، وربما هزَّ البعض رؤوسهم استهجاناً أو تهكماً على جدوى مثل هذا السلوك ''المسالم'' في عصر لا يعترف إلا بالقوة الكاسحة وما يدور في فلكها من مفاهيم·· لكن الأمر لم يكن كذلك على الضفة الأخرى، أي في أوروبا، فقد لفت هذا السلوك انتباه وسائل الإعلام الغربية وأخذ يمارس أثره على ذوي النفوس الحرة التي لا تستطيع إلا أن تتفاعل مع هذا الأداء الرمزي ساعية لمعرفة أسراره وألغازه· ونجحت بلعين الصغيرة في مساحتها، الكبيرة في فعلها، في أن تستقطب عدداً من ذوي الضمائر الحرة ممن قرروا أن يعيشوا بين سكانها، وأن يتضامنوا معهم، وأن يشاركوهم تظاهراتهم الأسبوعية، وهؤلاء قلة ممن وصلتهم الرسالة وعرفوا أن البلعينيين يرمِّزون رسالة مفادها: إن تجريف أراضينا وقطع أشجارنا ومصادرة قطعة من أرضنا يساوي الموت·
هكذا، وببساطة نادرة في بلاغتها، صاغوا ما يريدون قوله، بالكثير من الهدوء والروية، استطاعوا أن يفتحوا مغاليق القلوب والعقول التي طالما تمترست خلف دعاوى روَّج لها الإعلام الآخر بما يملك من قدرات وتقنيات وبماكينته الهائلة التي تضخ الأكاذيب منذ أكثر من قرن·
بأشكال جديدة ومبتكرة أملتها الحاجة إلى ''إسماع العالم'' واختراق ''التابو الإعلامي'' الذي لا يسمح ''بتمرير'' أي شيء يمكن أن يؤدي إلى التعاطف مع الفلسطينيين ونضالهم، تمكن البلعينيون من فتح طاقة في ''جدار الممنوع'' ليطلقوا من خلالها صورهم، ومشاهدهم، وحالاتهم في مشهد رمزي يختزل كل عذابات الاحتلال والنفي الذي يفرض عليهم داخل وطنهم، تماماً كما سبق للقصيدة أن أطلقت صوتهم في وجه العالم·
اللافت في هذا السلوك النضالي ليس الشكل فقط، بل العمق الدلالي الذي يتقاطع مع القصيدة وهو يمتاح رموز ومفردات الثقافة الفلسطينية والعربية والإسلامية بل والأوروبية والأميركية، مع انتقاء تلك المعبرة عن أشواق الإنسان الروحية إلى الحياة والحرية والكرامة · بالطبع، ربما لا يعرف كثير من هؤلاء الشباب أو لم يسمعوا بقصيدة محمود درويش ولم يقرأوا خطبة الهندي الأحمر، لكنهم يعلمون أن الهنود الحمر كانوا أول ضحايا ''الحلم الأميركي''، وهذا يكفي لكي ''يتماهوا'' معهم، ويرسلوا في عروضهم رسالة تقول: لَسْنا، ولن نكون ''هنود حمر'' هذا الزمان·

اقرأ أيضا