الاتحاد

الاقتصادي

أميركا تدخل مضمار تصنيع السيارات بلا سائق بعد سنوات من التردد

سيارة بلا سائق?‎

سيارة بلا سائق?‎

بقلم /‏‏‏‏ لورانس دي بيرنز

مطلع عام 2011، سافر مهندسان من كبار مهندسي جوجل إلى ديترويت في الولايات المتحدة في ما يشبه مهمة دبلوماسية، بعد أن أمضيا 18 شهراً في مشروع سري للغاية يدعى «السائق»، وذلك لتطوير سيارة يمكنها قيادة نفسها على أكثر من 10 مسارات مختلفة لمسافة 100 ميل على الطرق العامة. وكان المهندسان يبحثان عن شريك لتنفيذ المشروع والمضي قدماً في عملية التصنيع.
ويتذكر كريس أورمسون الذي قام بهذه الرحلة مع زميله المهندس أنتوني ليفاندوفسكي: «كانت الفكرة هي، إذا كنت ستصنع سيارات ذاتية القيادة، فعليك العمل مع شركة سيارات، ربما يبيعون لنا سيارات. أو ربما سنقوم بإضافة أفكارنا إلى سياراتهم». إلا أنهما لم يتمكنا من العثور على أي شركة مهتمة بأفكارهما.
وخلال اجتماعات متعددة مع شركات تصنيع قطع الغيار وكبار مصنعي السيارات الأميركية، قدم المهندسان عروضاً حول قدرات سياراتهما وعدد الأميال التي كانت تقطعها وكيفية تشغيل برامج القيادة الذاتية الخاصة بها. إلا أنهما اصطدما، حسب وصفهما، بردود فعل غير مفهومة تماماً، فقد كانوا يشعرون بالفزع لأننا نجرب السيارات ذاتية القيادة على الطرق العامة وليس على مسار اختبار.
ويقول أورمسون: «إن تقنية القيادة الذاتية لم تكن منطقية بالنسبة لهم»، «وبدت حتى خارج قواعد اللعبة التي لم تكن حتى قابلة للتفاهم أو إبداء بعض من المرونة». ومع عودتهما إلى المطار، قال أورمسون لشريكه «حسناً، أعتقد أننا لن نعمل مع هؤلاء الأشخاص».
واليوم، تعمل تقنية القيادة الذاتية على تحفيز أكبر الصفقات في صناعة السيارات في مدينة ديترويت بولاية ميتشيجان الأميركية. فقد أعلن بنك «سوفت فيجين» خططاً هذا الربيع لاستثمار 2.25 مليار دولار في شركة «جنرال موتورز» للمساهمة في استثمار الشركة العملاقة بصناعة السيارات في الولايات المتحدة في تطوير تكنولوجيا القيادة الذاتية، وفي يوليو الماضي، أعلنت شركة فورد خططاً لاستثمار 4 مليارات دولار في شركة السيارات ذاتية القيادة الخاصة بها.
وخلال الشهر الجاري، تكهن براين نواك، المحلل في شركة «مورجان ستانلي»، بأن الشركة التي أنشئت أواخر عام 2016 من فريق السيارات ذاتية القيادة في «جوجل»، والمعروفة باسم «وايمو»، يمكن أن تصل قيمتها إلى 175 مليار دولار، أو أكثر من 40% من القيمة السوقية المشتركة لشركات «جنرال موتورز» و«فورد» و«فيات كرايزلر».
وبعد أن أصبحت تقنية التحكم الذاتي محط أنظار شركات صناعة السيارات وشركات التكنولوجيا في أنحاء العالم منذ فترة، فإن ما تحاول الشركات الأميركية لصناعة السيارات في ديترويت نسيانه الآن هو المقاومة التي أبدتها للدخول مبكراً في هذا المضمار بداية من عام 2011.
عندما انضممت إلى مشروع «السائق» كمستشار في بداية عام 2011، أصبحت أول شخص في الفريق يتمتع بخبرة مدير تنفيذي لشركة سيارات. وكان مشروع «السائق» يحاول إعادة اختراع صناعة السيارات، وهو شيء كنت أحاول القيام به بطريقتي الخاصة بصفتي رئيس قسم الأبحاث والتطوير في شركة «جنرال موتورز» منذ عقد من الزمن، بما في ذلك العمل على السيارات ذاتية القيادة. وكان أقصى ما وصلت إليه خلال فترة عملي في شركة «جنرال موتورز» مشروعاً مشتركاً لتطوير وسائل تنقل خفيفة تسع شخصين فقط.
ووسط أسوأ ركود واجهه صانعو السيارات على الإطلاق، تمكنت من إدراك السبب في أنهم سيبتعدون عن الدخول في سباق التطوير التكنولوجي لعملية التنقل. لكن السبب الأعمق الذي جعل شركات السيارات تتأخر في إحداث ثورة في عالم قيادة السيارات هو أنها اعتقدت خطأ أن أعمالها تنصب فقط على تصنيع وبيع السيارات. وفشلوا في رؤية أن نجاحهم كان دائماً يعتمد على شيء أكثر جوهرية وهو رغبة الناس في التنقل من مكان لآخر بسهولة ودون عناء.
في البداية، رفض المديرون التنفيذيون للسيارات ذاتية القيادة لأنهم لم يفهموا الإمكانات الكاملة للتكنولوجيا الرقمية. ولكن كان ذلك أيضاً لأنهم كانوا يركزون في المقام الأول على تقديم سيارات جذابة الشكل في معارض السيارات بدلاً من تقديم خبرات نقل جذابة للعملاء، فقد كانت ديترويت أسيرة لعقود بالنموذج التجاري لصناعة السيارات.
ولكن عدم الرضا عن فكرة السيارات ذاتية القيادة لم يكن خطأ صانعي السيارات بمفردهم، فلقد اندهشت من عدم اكتراث فريق عمل «السائق» تجاه ديترويت. فقد سألني المهندسون في المشروع عن دورة تطوير المنتجات في ديترويت، فقلت لهم إن شركات السيارات عادة ما تستغرق نحو 3 سنوات لتطوير سيارة جديدة، فأجابوني مندهشين «ثلاث سنوات؟ هل هناك شيء على الأرض يستغرق كل الوقت؟».
كان الموقف العام للمهندسين هو أن شركات السيارات كانت كسولة، وتفتقد اللمسة الإبداعية. لم تكن صناعة السيارات تعرف كيف تقوم بالابتكار - على الأقل، من النوع الذي أحب، وأعتبر «سيليكون» مختصاً فيه. يعتقد الكثيرون في فريق «السائق» أن هنري فورد كان مبتكراً رائعاً ولكن هذا كان شيئاً جانبياً، فقد كانت هذه الروح قد ذبلت في ديترويت، من وجهة نظرهم.
وكانت أسوأ مرحلة في النفور المتبادل بين وادي السيليكون وديترويت، بعد أكثر من عام من رحلة أورمسون وليفاندوفسكي الفاشلة، عندما دعُي مديرون تنفيذيون في جنرال موتورز إلى مقر «جوجل» في «ماونتن فيو»، كاليفورنيا، في رحلة داخل سيارة ذاتية القيادة في برنامج «السائق». وبعد هذه الرحلة عبر المسؤول التنفيذي عن رأيه السلبي بقوله «أنا آسف، لكنني لا أرى ما الهدف؟».
لكن الأمور بدأت تتغير مع المرحلة التالية من التطور، فقد أصبح من المستساغ بالنسبة للمديرين في شركات صناعة السيارات أن يتم المزج بين التكنولوجيا التي تسمح بقيادة السيارات من دون سائق. فقد بدأ رجل أعمال يدعى سونيل بول بترتيب رحلات في سان فرانسيسكو عبر تطبيق جوّال يدعى «سيدكار»، وقد حفز ذلك التوجه اثنين من رواد الأعمال يدعيان لوجان جرين وجون زيمر على إطلاق تطبيق جديد للجوّال يسمح بمشاركة البيانات الخاصة بالتنقل في المدينة، وبالتالي مشاركة الأشخاص للتنقل في السيارات نظير رسوم بسيطة. وقد أخبر المهندس الرئيس في مشروع «السائق» الفريق أنه يريد متابعة العمل انطلاقاً مما تم التوصل إليه من التطور التكنولوجي الذي بدأ يعتاد الناس عليه حالياً.
لقد شعرت بسعادة غامرة بتكنولوجيا تطبيقات الجوّال الجديدة التي تسمح بالمشاركة في التنقل، فقد استنتجت أبحاث قامت بها جامعة كولومبيا أن هذا النموذج الجديد من القيادة يمكن أن يوفر تجارب تنقل أفضل من ملكية السيارة الشخصية. ويعمل مشروع «السائق» على الاستفادة من نتائج هذا النموذج الجديد. وسيكون التنقل من نقطة إلى نقطة بالسرعة نفسها من دون أن يشعر العديد بالمضايقات الناتجة عن عدم العثور على أماكن لإيقاف السيارات أو مضايقات البحث عن محطات الوقود.
وقد أظهر تحليلنا لاحقاً أن النشاط التجاري الجديد يمكن أن يؤدي كل ذلك، ويوفر أيضاً على الأشخاص معظم ما دفعوه مقابل الرحلات في السيارات التي تعمل بالغاز والمملوكة شخصياً، حيث يكلفهم 20 سنتاً فقط في المتوسط في الميل الواحد، مقارنة بحوالي 65 سنتاً في الميل للوقود العادي.
كما توصلت دراسات أخرى إلى تكاليف ومدخرات مماثلة في حالة التنقل بالسيارات التي تعمل بالغاز بدلاً من السيارات التي تعمل بالوقود المعتاد. ولم تحسب الدراسات في هذه الحالة توفير الجهد والوقت للركاب التي تُفقد أثناء القيادة. وإذا تم توفير 10% فقط من السيارات في الشوارع بسبب هذا المشروع، فإن ذلك سيوفر ما يصل إلى 150 مليار دولار سنوياً من تكاليف تشغيل السيارات ونحو 250 مليار دولار أخرى من إنتاجية السائق المفقودة.
ويمكن أن يفتح هذا المنهج في التفكير لنا المجال لتخيل كيف سيكون الوضع في حالة الاعتماد بصورة أكبر على سيارات تعمل بالكهرباء وتقود نفسها بنفسها، ما سيساعد كثيراً على دعم الاقتصاد بشكل كبير. ويضع المشروع الجديد «السائق» نصب عينيه العمل على بذل كل الجهود لخدمة التوجه الجديد الذي يستسيغه الجميع، من أجل توفير نفقات التنقل والحفاظ على البيئة بالحد من عوادم السيارات.
ولأن أورمسون كان يأمل في أن إتاحة وسائل النقل لمن لا يستطيعون قيادة السيارات، المسنين أو المعاقين على سبيل المثال، يجب أن تكون السيارة مناسبة لكل الركاب المحتملين. لتحقيق ذلك، ستكون الأرضية مسطحة وغير بعيدة عن الأرض. وعندما تطرقت المحادثة إلى مكونات السيارة الجديدة التي تمثل القيادة الذاتية، وما يمكن أن تشبه فيه السيارات التقليدية، اتخذ الفريق قراراً جذرياً وهو عدم وجود عجلة قيادة، فلماذا يحتاج الشخص لعجلة القيادة إذا كان لن يستخدمها.
وتدخل شركة «أوبر» المضمار بقوة، حيث تطور خدماتها التي تعتمد على السيارات ذاتية القيادة وتعمل منذ فترة على تجربتها في الشوارع. وستصبح قيمة «أوبر» قريباً أكثر قيمة من «جنرال موتورز» إذا نجحت في تعميم تلك الخدمة المميزة. وكانت «جوجل» واحدة من أكثر الشركات قيمة في العالم جزئياً بسبب العمل على تطوير خدمات التنقل من دون سائق.
ومؤخراً أعلن كارلوس جيسن، الرئيس التنفيذي لشركة «رينو-نيسان»، خططاً لبيع 10 سيارات ذاتية القيادة جديدة قبل عام 2020. كما أعلنت «تويوتا» التي عارضت لفترة طويلة التكنولوجيا، عن خطة لاستثمار مليار دولار لبدء مختبر لأبحاث الذكاء الاصطناعي في وادي السليكون. لجعل السيارات تقود نفسها على الطرق السريعة بحلول عام 2020.
وربما جاءت أكبر مفاجأة من جنرال موتورز، حيث قالت ماري بارا الرئيسة التنفيذية للشركة: «أعتقد أننا سنشهد المزيد من التغيير في صناعة السيارات في السنوات الخمس إلى العشر القادمة أكثر مما حدث في الخمسين سنة الماضية»، في مقال لها في ديسمبر 2015، مضيفة: «لقد التزمت بأننا سنقود التحول في صناعتنا». وفي الشهر التالي، استثمرت الشركة 500 مليون دولار في عدد من المشروعات التي تقودها شركات التكنولوجيا في وادي السليكون لتطوير صناعة السيارات.

اقرأ أيضا

"أدنوك للتكرير" ترسي عقد تصميم مصفاة جديدة في الرويس