الاتحاد

تقارير

خمسة دروس من مسيرة «جيتس»

جريك جيف
محلل سياسي أميركي


في هذه الحقبة التي تتعرض فيها مؤسسات الحكم بواشنطن إلى الانتقاد والانتقاص من قيمتها يبقى وزير الدفاع، روبرت جيتس، هو الاستثناء الذي ينقذ سمعة واشنطن. والأمر واضح حتى من خلال ما يوحي به مظهره، فهو يفضل البدلات القاتمة والقمصان البيضاء والشعر الأبيض المصفوف بعناية، بالإضافة إلى تجربته التي تمتد على مدى أربعة عقود خدم فيها ثمانية رؤساء. واليوم يتسم عمله بالحذر الواضح والمحافظة والبحث عن التوافقات. وعلى مدار الأعوام الأربعة الأخيرة التي قضاها على رأس وزارة الدفاع أصبح "جيتس" الرجل الذي لا يمكن الاستغناء عنه، وقوة حقيقية توجه النقاشات العامة حول حربين أميركيتين تراجعت شعبيتهما. وخلال هذه الفترة أيضاً كان "جيتس" مثالاً للمدير الناجح لبيروقراطية "البنتاجون"، وقد اكتسب سمعة وزير الدفاع الأكثر فعالية وحسماً للأمور، وهذا ما يعترف به "إليوت كوهن"، المسؤول البارز في إدارة بوش والأستاذ بجامعة "جون هوبكينز" حيث يقول: "إنه شخص فعال للغاية فيما يتعلق بإدارة البيروقراطية في معناها الإيجابي، فهو مباشر ومنضبط، كما أنه رجل حكيم في وقت نحتاج فيه إلى بعض الحكمة".
بيد أن "جيتس" الذي يستعد الآن لمغادرة وزارة الدفاع تعرض لانتقادات باعتباره منفذاً للسياسات أكثر من كونه رجل دولة له رؤية، وهو الاتهام الذي أثار حنقه ورد عليه في لقاء أجري معه مؤخراً بقوله: "لم يكن لدي ما يكفي من الوقت للتحلي بالرؤية في خضم حربين متزامنتين". ولكن على رغم الانتقادات سيذهب المؤرخون وكتاب سيرته في تقييم تركته على رأس "البنتاجون" ليس على أساس الأفكار الكبيرة التي طرحها، بل بالنظر إلى قيادته البراجماتية خلال الحربين، والطريقة التي مارس بها السلطة داخل واشنطن، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى مجموعة من الدروس المستفادة من فترة "جيتس" كوزير للدفاع.
أول تلك الدروس شراء الوقت، فبعد مدة وجيزة على توليه وزارة الدفاع في عام 2006 أخبر "جيتس" قائد القوات الأميركية في العراق، ديفيد بتراويس، بطريقته في العمل قائلا: "لديك معركتك في الميدان ولدي معركتي حول كسب المزيد من الوقت في واشنطن". وكان سلاحه الأهم لتحقيق ذلك مراجعة وزارة الدفاع للوضع في العراق، إذ في الوقت الذي تقرر فيه إرسال 30 ألف جندي إلى هناك في 2007 كان "جيتس" قد حدد موعداً في شهر سبتمبر من نفس السنة لإجراء تقييم عام للاستراتيجية الأميركية في العراق، وما إذا كانت الزيادة تفضي إلى نتائج ملموسة. وقد طُبق التكتيك نفسه بعد ثلاث سنوات في أفغانستان عندما أرسل الرئيس أوباما 33 ألف جندي إلى أفغانستان.
وبعد ذلك يأتي الدرس الثاني المتمثل في إبداء التعاطف، إذ على رغم السمعة التي اكتسبها "جيتس" كرجل صلب يصل أسلوبه أحياناً إلى حد القسوة بعد إقالته لسبعة مسؤولين كبار في الوزارة خلال فترته، إلا أنه قادر أيضاً على إظهار مشاعره المرهفة، ففي أوج الحرب الدموية في العراق ألقى "جيتس" خطاباً عاطفيّاً أمام جمعية ضباط البحرية حكى فيها قصة النقيب في مشاة البحرية "دوجلاس زمبيك" الذي بعدما خاض معركة شرسة في الفلوجة وأعيد إلى أميركا ليتولى وظيفة مكتبية في الوزارة تطوع للرجوع مجدداً إلى أرض المعركة دون أن يتمكن من العودة حيّاً هذه المرة إلى أسرته. وما كاد "جيتس" يكمل القصة حتى بدأ صوته يتهدج وانفلتت منه الدموع. وهذه العاطفة جعلته قريباً من الجنود ومحبوباً لدى الضباط ذوي الرتب المتوسطة.
ويطالعنا "جيتس" أيضاً بدرس ثالث يُستفاد من تجربته متجسداً في الاحتفاظ ببعض الأفكار لنفسه وعدم البوح بكل شيء، فهو على رغم صراحته المعهودة التي جعلته في عام 2006 يجيب عن سؤال الكونجرس خلال جلسة المصادقة على تنصيبه حول ما إذا كنا نكسب الحرب بالقول "لا سيدي"، إلا أنه في معظم القضايا الخلافية التي واجهت إدارة أوباما فضل الغموض، وهو ما ينطبق على موقفه بشأن قضية إرسال جنود إضافيين إلى أفغانستان في عام 2009، حيث عبر في البداية عن تشككه في مطالب زيادة عديد القوات الأميركية، وتحدث وقتها بإقناع كبير عن حدود القوة الأميركية في صياغة كل بقعة من بقاع العالم والضغط الذي تمارسه الحروب على الجيش الأميركي المرهق أصلاً. ولكن "جيتس" أيضاً كان على قناعة بالدور الكبير الذي لعبته خطة بتراويس في زيادة عدد القوة الأميركية في قلب مجريات الحرب بالعراق، وقد جادل في هذا السياق بأن خسارة أفغانستان ستكون "كارثية". وفي الأخير وجد أوباما نفسه مضطراً لقبول مطالب الزيادة وإرسال 33 ألف جندي إلى أفغانستان مع اشتراط رجوعها في يوليو 2011، وهو الموقف التوافقي الذي عرف بخيار "جيتس".
أما الدرس الرابع في مسيرة الرجل على رأس وزارة الدفاع فهو الاعتراف بمحدودية القوة، فخلال خطابه الأول أمام الجيش تحدث "جيتس" بإسهاب عن أهمية التركيز على تدريب القوات المحلية سواء في أفغانستان، أو غيرها، حتى تتولى بنفسها المهام الأمنية، لكن المؤسسة العسكرية التي تركز عادة على القتال تعاملت دائماً مع دورها كمؤسسة استشارية تقدم الدعم والتدريب للجيوش الأخرى على أنه أمر لا يليق بها، وقد تخوف "جيتس" من أن سياسته سيتم التخلي عنها ما إن يغادر "البنتاجون"، ولذا فبدلا من فرض رأيه على الجيش ودفعه إلى تغيير وجهته اكتفى بإطلاق النقاش داخل المؤسسة حول الأدوار المستقبلية للمؤسسة العسكرية والحاجة إلى الاهتمام بتدريب الجيوش الصديقة. وهذه الطريقة هي التي سلكها أيضاً في الدرس الخامس والأخير المتمثل في اللجوء إلى قدماء المؤسسة وخريجها، فقد سعى إلى إثارة موضوع التقليص في ميزانية الدفاع أمام تجمع لمتقاعدي الجيش من كبار الضباط نظراً لحساسية الموضوع، بحيث لم يكن هدف "جيتس" إثارة السخط وسط "البنتاجون"، أو التسريع بتخفيضات كبيرة قد تضر باستراتيجية الدفاع الأميركية بقدر ما كان يسعى إلى فتح النقاش من خلال إشراك قدماء المحاربين في هذا الموضوع المهم بالنسبة للمؤسسة العسكرية الأميركية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا