الاتحاد

دنيا

البلانكتونات تكشف عن سلامة البيئة البحرية

تقنية مهمة لتشخيص الحالة الصحية للمحيطات
إعداد - عدنان عضيمة:
تمكن علماء من ابتكار وسيلة جديدة باستخدام صور الأقمار الاصطناعية لتحديد حجم عملية التمثيل الضوئي
photosynthesis في المحيط· ولدى مقارنة نتائج القياسات في أوقات وأماكن مختلفة· ولدى مقارنة هذه القياسات بتلك التي سجلت سابقاً، أمكن للطريقة الجديدة أن تسجل اختلافات بنحو مرتين أو ثلاث مرات في حجم هذه العملية بحسب المنطقة التي جرت دراستها·
ومن المعلوم أن التمثيل الضوئي هو العملية التي يحول فيها النبات الأخضر ضوء الشمس وثاني أوكسيد الكربون والماء إلى سكر عنب، وتؤدي التحولات العضوية الحيوية إلى تحويل هذا السكر إلى العديد من أنواع البروتينات والدهنيات والسكريات الأخرى، ولهذا يمكن اعتبار التمثيل الضوئي على أنه يمثل المصدر الأساسي لغذاء البشر والأحياء كافة· وفي المحيط، يطلق على عملية التحول هذه مصطلح (الإنتاج الأولي للغذاء) وتتولى إنجازها الطحالب المجهرية السابحة في مياه البحار والمحيطات وتدعى (البلانكتونات الضوئية) phytoplankton, وهي كائنات مجهرية تشكل أساس السلسلة الغذائية في المحيطات والبحار·
وبالرغم من استحالة رؤية البلانكتونات الضوئية بالعين المجردة إلا أن لها الفضل في إنتاج أكثر من 50 مليار طن من المواد العضوية سنوياً في البحار· وبالنظر للكمية الهائلة من غاز ثاني أوكسيد الكربون التي تمتصها هذه الكائنات الطافية والذي يعد السبب الأساسي لمفعول البيت الأخضر واحترار جو الأرض، فإن الوقوف على حالتها وقدرتها على التكاثر والانتشار ينطوي على أهمية كبرى عند القيام بأي دراسة تتعلق بالتغيرات المناخية غير المحبذة التي تعاني منها الأرض· وقال مايكل بيهرينفيلد العالم في جامعة ولاية أوريجون في محاضرة ألقاها في مؤتمر عقدته مؤخراً وكالة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا) لمناقشة هذه التقنية: (يحاول العلماء الآن تحديد كمية 'الإنتاج الأولي للغذاء' على المستوى العالمي ولمدة طويلة من الزمن'· ويحتاج هذا العمل إلى معرفة العدد الدقيق لأنواع البلانكتونات التي تعمر مياه المحيطات وسرعتها في التكاثر والنمو· ويعبر عن ذلك في علم الحياة البحرية بمصطلح (تركيز البلانكتونات الضوئية)·
الآلات الخضراء
في الأزمنة الماضية، كانت الدراسات التي تعتمد على صور الأقمار الاصطناعية تعمل على دراسة لون المحيط في منطقة معينة لتقدير كمية مادة (الكلوروفيل) الخضراء المنتشرة في مياهه، وكان النبأ البسيط ينص على أن المياه الأكثر اخضراراً أكثر احتواء على الكلوروفيل· ويتألف الكلوروفيل من مادة صبغية خضراء تكون على شكل صفيحات دقيقة تشبه صفيحات دم الإنسان، وهي تمثل الوسط الحافز الذي لا بد منه لإتمام عملية التمثيل الضوئي في النباتات كلها· وكانت القاعدة تنص بوضوح على أنه كلما كانت مياه المحيط أكثر اخضراراً كان أكثر غنى بالبلانكتونات الضوئية· إلا أن الطريقة التي ابتدعها بيهرينفيلد ورفاقه من الباحثين تتضمن أيضاً الاستفادة من المعلومات المتعلقة بشدة السطوع الضوئي لمياه المحيط· وتقدم هذه المعلومات الإضافية فكرة محددة عن كمية الكلوروفيل أو 'درجة الاخضرار' لكل نبات، وهو مقدار مهم لأنه يحكم على سرعة نمو النبات· ويقول دافيد سيجيل من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربارا: 'يمكن تشبيه الصور الملونة للمحيط بشاشة التلفزيون حيث يمكنك التحكم بألوان الشاشة ودرجة سطوعها الضوئي· والشيء الذي قمنا به في تطوير تقنيتنا هو الاستفادة من تحديد لون ودرجة سطوع مياه المحيط لتحديد قوة اخضرار النباتات التي تنتشر في مياهه وعدد خلايا البلانكتونات الضوئية التي تسود كتلة ما من المياه'·
وقد عمد الخبراء بعد ذلك إلى مقارنة نتائج هذه الدراسة التحليلية مع البيانات التي تم استقاؤها من مجسات التصوير الطيفي المحمولة على الأقمار الاصطناعية التي تشرف على تشغيلها وكالة (ناسا)· وفي دراسة نشرت في شهر يناير الماضي في مجلة متخصصة بمثل هذه الدراسات، شرح فريق الباحثين طريقة الاستفادة من هذه التقنية ومدى تطابق واختلاف نتائجها مع تلك التي كانت تتبع في الماضي وما تنطوي عليه من تطبيقات جديدة بالغة الدقة· وبهذه الطريقة، أعاد الباحثون تقدير كمية (الإنتاج الأولي) في مناطق محددة من المحيط فوقعوا على مفاجآت لم تكن في الحسبان حيث أشار سيجيل إلى أن البيانات التي تم استقاؤها بهذه الطريقة في المناطق المحيطية الاستوائية أثبتت أن تركيز البلانكتونات الضوئية أكبر بنحو مرتين أو ثلاث مرات مما سبق تقديره بالطرق التقليدية· وعلى العكس من ذلك، فقد بينت القياسات في أماكن أخرى أن تركيز البلانكتونات هو في الحقيقة أقل مما ورد في التقديرات السابقة·
صحة المحيط
ويبقى السؤال المهم في هذا الصدد: كيف يمكن الاستفادة من هذه التقنية الجديدة للوقوف على الحالة الصحية للمحيطات؟·
يقول العلماء الذين أشرفوا على هذه الدراسة ان الجواب الدقيق عن هذا السؤال ليس جاهزاً حتى الآن· وهم الآن بصدد ربط مجموعة من العلاقات والظواهر القائمة ببعضها البعض لفهم الأمور· والشيء المحيّر في هذا الموضوع هو أن الانتشار الكبير للبلانكتونات الضوئية في مكان ما من المحيط، كما هي الحال في مصائد أعالي البحر، لا يعني أبداً أن الحالة الصحية للمحيط طيبة، بل قد تكون أسوأ مما هي في أماكن أخرى يقل فيها تركيز البلانكتونات·
ومعنى ذلك أن الحكم على السلامة الصحية لمياه المحيطات لا يرتبط دائماً بمدى توفر البلانكتونات فيها· ومن المعلوم أن الانفجار التكاثري للطحالب البحرية في منطقة من المحيط والذي يؤدي إلى زيادة تركيز البلانكتونات بشكل هائل، يمكن أن يؤدي إلى انخفاض خطير في تركيز الأوكسيجين في المياه بسبب الانتشار الواسع للبكتيريا التي تتغذى على البلانكتونات الميتة· ومن جهة أخرى، أثبتت الدراسات أن الشعاب المرجانية تكون في صحة أفضل عندما ينخفض تركيز البلانكتونات إلى أقل مستوى ممكن في المنطقة التي تستوطنها·
وعلى أية حال، فإن العلماء يؤكدون أنهم سيعثرون من تطوير هذه التقنية على أفضل طريقة لتقدير الحالة الصحية للمحيط· وهم يأملون أن تقدم لهم فهماً أفضل للتطورات البيئية المحيطية التي يبدو أنها تتردى بسرعة مثيرة للقلق بسبب النشاطات الضارة التي يمارسها بنو البشر·

اقرأ أيضا