الاتحاد

دنيا

أكسم طلاع: حياد الألوان في المخيم جعلني متقشفاً لونيا


دمشق ــ فاطمة شعبان:
يربط الفنان السوري أكسم طلاع تجربته الفنية ربطاً قوياً بتجربته الحياتية، معتبراً أن انطلاقته الأولى كانت من 'شراهتي في الطفولة دفعتي لأكون مولعاً بأكل التراب، حتى أن الكبار كانوا يفكرون بحرق لساني لأقلع عن عادتي···' وعلاقته بالتراب لم تنتهي عند حفنات التراب التي أكلها، لأنها كانت الموقع الأول لتجارب الطفل الذي سيصبحه الفنان أكسم يضيف 'بلعب وحيرة شخبرت على التراب وجدران الطين··· هناك تلمست النقطة والحرف والخط··· تغير وجه التراب والجدران وتغيرت وجهة طفولتي، انتقلت من مكان لآخر ومن رائحة لأخرى، ومن شكل ومعنى حرف إلى شكل ومعنى آخر· لم أستطع نسيان ما تلمست ونسيان مرارة نزوحي الظالم عن تراب وظلال قريتي'·
لا تختصر هذه الكلمات التجربة الغنية للفنان السوري أكسم طلاّع، تجربته الفنية مع اللوحة الحروفية، هذه التجربة التي بدأت مع الخط والتخطيط وانتهت بلوحات حروفية متميزة، لم يستطع أن يبقى خطاطاً بالمعنى المهني عندما اكتشف الإمكانيات التشكيلية المذهلة للحروف العربية، فكانت تجربته المميزة·
عمل الفنان أكسم لسنوات خطاطاً في العديد من الصحف والمجلات في سورية ولبنان، ويعمل حالياً في صحيفة البعث مخرج فني لصفحات الجريدة·
وعن تجربته الفنية كان معه الحوار التالي:
أثر الذاكرة الأولى
؟ أنت أصلاً من هضبة الجولان المحتلة، وقد نزحت عائلتك من هناك بفعل الاحتلال الإسرائيلي، كيف أثرت مأساة النزوح القسرية على بداياتك الفنية؟
؟؟ أولى الصور البصرية التي ارتسمت في ذاكرتي وأنا طفل، كانت صورة بحيرة طبريا بزرقتها الجميلة وخلفها تمتد جبال الجليل باخضرارها البديع· هذه الصورة الرائعة كنت أراها يومياً من بيتنا في قرية (شكوم) التي كانت بيوتها تقع على السفوح الشرقية للبحيرة· السطح الأول الذي ارتسم في ذاكرتي كان سطح البحيرة، والخط الأول كان الخط الذي يشكله قارب الصياد على سطح البحيرة· بيوت القرية الطينة التي كان تطلى صيفاً بالكلس الأبيض لتجميلها، تأتي أمطار الشتاء لترسم على جدرانها خطوطاً تشكل تعرجاتها وتداخلها مع بعضها البعض أشكالاً كنت أتخيلها صوراً لأشخاص أعرفهم· شكّل مشهد البحيرة المؤثر وهذه الصور والأشكال والألوان المتنوعة في القرية بداية المخزون البصري الجميل الذي لم يكتمل عندما بترت علاقتي به قسراً إثر حرب 1967 قبل أن أتم الخمس سنوات من عمري·
من خطاط إلى تشكيلي
؟ كيف أصبحت خطاطا؟
؟؟ لم أكن أعلم أنني مشروع خطاط إلا عندما انتبه أستاذي في المدرسة الابتدائية لجمال خطي، وأصبح يشجعني على التخطيط من خلال سماحه لي بالكتابة على السبورة في الصف، حتى أنني لم أكن أعي وقتها أنني أخطط أو ماذا يعني تخطيط، كل ما في الأمر أنني كنت أقلد أخي الكبير الذي كان يمتلك موهبة في التخطيط، وهو اليوم خطاط شهير وأعتبره أستاذي، ومع نهاية المرحلة الابتدائية اشتهرت في الحي كفتى خطه جميل جداً حتى أن الكثير من المحيطين بي كانوا يطلبون مني كتابة رسائل لأقاربهم، والطريف وقتها كان بعض المراهقين يطلبون مني كتابة رسائلهم الغرامية بسبب خطي الجميل، وكنت أزخرف لهم هذه الرسائل ببعض الرسومات والأشعار الرومانسية التي كنت أحفظها من الكتب المدرسية· وعندما انتقلت عائلتي من مخيم (المزيريب) إلى مخيم اليرموك في منتصف السبعينات عملت في تخطيط اللافتات القماشية التي كانت تُحمَّل في المسيرات والمظاهرات التي كانت تقوم في كل مناسبة في المخيم وقتها· ومن وقتها احترفت التخطيط وعملت في تخطيط المانشيت في عدة صحف ومجلات في سوريا ولبنان·
؟ كيف دخلت من عالم الخط إلى عالم اللون؟
؟؟ دخلت عالم اللون، لأن الخط نفسه دخل عالم اللون، تجاربي حول الخط وعناصر السطح الواحد أدخلتني عالم اللوحة التشكيلية، واكتشفت أن الحرف العربي يملك مشهدية وقدرة هائلة على التعبير، وهذا من خلال حضوره بكل أبعاده الدقيقة في عمق اللوحة، حيث يمثل ويعكس حضور الأشياء والأمكنة بروحها وبطقسها·
نزع الوظيفة
؟ كيف دخل الخط عالم اللوحة عندك؟
؟؟ دخل الخط عالم اللوحة واللون عندما انتزعنا منه الدور الوظيفي كوسيلة لكتابة نص مجود خادم للمعنى، هدفه إيصال فكرة ما، كلام جميل مكتوب بخط جميل· أما في اللوحة التشكيلية يصبح للخط هدف ووظيفة ودلالات مختلفة، وتصبح لصورة الحرف وظيفة ولشكله الهندسي وظيفة ولمكانه في اللوحة وظيفة، وكل حرف في اللوحة التشكيلية الخطية يحمل دلالات معرفية ووجدانية وروحانية· على سبيل المثال حرف الألف في خط الثلث قياسه سبع نقاط، وهذا القياس هو أيضاً قياس روحاني، يرمز شكل الألف ووحيه للخالق، فهو متعال كالخالق، ونقاطه السبع ترمز للسماوات السبع، وأنا في اللوحة الخطية معني بالبحث في هذه الدلالات، ومحاولة تجسيدها تشكيلياً·
؟ هل أثرت مأساة النزوح على اختيارك لألوان لوحتك؟
؟؟ نعم بكل تأكيد، شكل النزوح القسري نهاية علاقتي بالألوان الثرية والغنية الطازجة، وبدأت في المخيم علاقتي بالألوان التي يمكن أن نسميها الألوان المحايدة، الألوان في مخيم المزيريب، الذي أجبرنا بحكم اللجوء على العيش فيه، كانت متنافرة غير طبيعة يعبر عنها حبل الغسيل الذي كانت تتجاور عليه ملابس النازحين التقليدية مع الملابس الغربية المستعملة التي كانت توزعها وكالة الأونروا بألوانها الغريبة· الألوان الأساسية في المخيم ألوان محايدة، لون المخيم، لون الخيم، لون البؤس، لون حياتنا، كلها ألوان غامقة، أصبح المخزون اللوني عندي متقشفا لا وجود للألوان الثرية في لوحتي· هذه الألوان المحايدة حفرت عميقاً في داخلي لا أستطيع تجاوزها، وعندما أرسم لوحة لا أستطيع أن أرسم إلا بهذه الألوان المحايدة، البني والعفني·
إشراقات اللوحة
؟ ما الدلالات التي تحملها هذه الألوان في لوحتك؟
؟؟ اللون البني له قدسية عندي، فهو يخدم إشراقات اللوحة، وهو مثل الأيقونة فيه إضاءات سحرية وخشوع وقدسية، واللون البني له دلالاته الزمنية مثل طريق ترابي مر عليه الناس مئات السنين، هطلت عليه الأمطار وتحول إلى طين وظل معبراً للناس· أما اللون الأخضر العفني فيحمل دلالات الأمكنة التي رأيتها في طفولتي· أحب استخدام هذه الألوان المحايدة لأنها تعطي اللوحة الديمومة على عكس الألوان الفاتحة التي لا تمنح اللوحة الديمومة التي أريدها، اللون في لوحتي غريب ولكنه يخدم موضوع الزمن·
مشروعي الفني الجديد اليوم يبحث في كيفية تحويل نص موسيقي مكتوب إلى لوحة بصرية· لكل حرف موسيقى نغمة معينة، ولكل نغمة موسيقية مرادف بصري، حرف الألف قرار، الألف المقصورة جواب، والموسيقى قرار وجواب ويمكن تصويرها بلوحة حروفية متناغمة على أكثر من مستوى·
شكل النزوح القسري نهاية علاقتي بالألوان الثرية والغنية الطازجة، وبدأت في المخيم علاقتي بالألـــــــــــــــــــــــــــوان التي يمكن أن نسميها الألوان المحايدة، الألوان في مخيم المزيريب، الذي أجبرنا بحــــــــــــــــــــــــكم اللجوء على العيش فيه، الألوان الأســـــــــــــــــــــــــــاسية في المخيم ألوان محــــــــــــــــــــــــايدة، لون المخـــــــــــــــــــــــــيم، لون البؤس، لون حــــــــــــــــــــــياتنا، كلها ألوان غامقة، أصبح المخزون اللوني عندي متقشفاً لا وجود للألوان الثرية في لوحتي·

اقرأ أيضا