الاتحاد

دنيا

الأقدام الصغيرة نافذة المرأة إلى عالم الحب والجمال


إعداد-هالة دروج:
تسير زياو ماي سانيانج لمسافة لا بأس بها يوميا لتصل إلى المكان الذي تجلس فيه لتبيع البخور في أحد المعابد القريبة في العاصمة التايوانية تايبيه· تبدي زياو فخرا كبيرا بالقدمين الصغيرتين اللتين تأخذها في هذه الرحلة يوميا وتتذكر العناء والألم اللذين تكبدتهما مقابل الحصول على شكلهما المميز· وعلى بعد ما يقارب الألف ميل تتحدث سيدة أخرى تعيش في الأراضي الصينية بمرارة عن ماضيها والمعاناة المريرة التي سببتها لها عادة ثني أو ربط الأقدام· تقول هذه السيدة ان هذه الممارسة كانت السبب في أميتها وبقائها أسيرة المنزل على مدى سنوات عمرها البالغة 75 عاما· وفي مقاطعة صينية أخرى تعيش سيدة ثالثة ما تزال تحمل آثار عادة ربط الأقدام التي بدأت تمارسها منذ أكثر من ستين عاما· ولكنها مع ذلك ما تزال تستخدم قدميها الصغيرتين في نشاطات كبيرة فهي ترأس الاتحاد النسائي وتشارك في حفلات الرقص مع نساء القرية الأخريات من ذوات الأقدام المربوطة أو غيرهن· لم تشأ هذه السيدة أن تستسلم لحالة قدميها وهي لا تنظر إليها على أنها تشوه بل تحاول أن تنال كل ما تستطيع من متعة الحياة· لكنها بالتأكيد تمانع كليا الاستمرار بممارسة عادة ربط الأقدام عن الفتيات·
هؤلاء يمثلن الجيل الأخير من نساء الصين اللواتي كن ضحية عادة ربط الأقدام التي حظرت في مطلع القرن العشرين لكن آثارها ما تزال ماثلة في المجتمع الصيني حتى الآن· فهناك آلاف النساء اللواتي تجاوزن السبعينات من العمر ممن بدأن بربط أقدامهن منذ الصغر· وهناك الكثيرات الأخريات ممن اخترن التوقف عن هذه الممارسة وتركن أقدامهن تنمو بالشكل الطبيعي·
في الأصل لم يكن الهدف من عملية ربط الأقدام إحداث تشوه دائم إذ بدأ هذا التقليد في عهد لي يو في عام 970 ميلادي· فقد قامت إحدى جواريه بأداء رقصة جميلة فوق تمثال خاص بلون زهر اللوطس الذهبي، وكانت قد ربطت قدميها بأشرطة طويلة من الحرير بحيث أصبحتا مثل قدمي راقصة الباليه· أعجب الامبراطور كثيرا بجمال ورشاقة حركتها فطلب من جميع خادمات وجواري القصر ربط أقدامهن بذلك الشكل الذي أطلق عليه اسم اللوطس الذهبي· وانتقل هذا التقليد الذي بدأ بهدف إضفاء مزيد من الجمال على حركات الرقص إلى نساء الطبقات الراقية ومن ثم إلى طبقات المجتمع الأخرى·
في تلك الفترة كانت نساء الصين تعشن في أحلك الظروف إذ كن بعيدات كل البعد عن التعليم لأن المجتمع كان ينظر إلى جهل المرأة على أنه فضيلة· وهكذا لازمت المرأة الصينية المنزل لتؤدي فروض الطاعة للرجل كأب وأخ قبل الزواج وكزوج أو ولد بعده· وبالتالي لم يكن أمامها سوى أن تشغل وقتها بمحاولة أن تبرز نفسها في أجمل صورة وأن تتعلم آداب الحديث وتتميز في أعمال التطريز والخياطة· لم يكن للمرأة الحق في الملكية، بل كان ينظر إليها بحد ذاتها على أنها ملكية تباع وتشترى من قبل الأب أو الزوج· وكان ينظر إلى ربط الأقدام وثنيها على أنها وسيلة من وسائل تقييد حرية المرأة حيث لا تستطيع بذلك الخروج كثيرا من المنزل والتمتع بنفس القدر من حرية الحركة التي يتمتع بها الرجل· ولإضفاء مزيد من الأهمية على هذه الممارسة بات شكل القدم وحجمها هما معيار الجمال عند المرأة، وبناء عليهما يختار الرجل زوجته وحتى جواريه لدرجة أنه كان يتغاضى عن قبح الوجه إن لاقى شكل القدم إعجابه· وقد تغنى شعراء الصين بجمال القدم المربوطة وأنواع الأحذية المطرزة التي كانت ترتديها النساء· فالتشوه الذي يسببه الربط كان يحول دون محاولة المرأة لإظهار قدمها عارية ويدفعها لإبداء اهتمام منقطع النظير بتصميم وألوان الأحذية التي ترتديها وكانت تعطرها وتزينها بالأجراس والخلاخل لمحاولة لفت النظر· وبالطبع يؤثر شكل القدم على طريقة مشي النساء اللواتي لا يستطعن التحكم بخطاهم كما هو الأمر في الأحوال العادية فتبدين وكأنهن يمشين على عصي·
عملية ثني القدم أو ربطها تسبب الكثير من الألم فحسب القول المأثور 'المرأة التي تربط قدمها تذرف سعة ألف دلو من الدموع'· ولكن مع ذلك ظل هذا التقليد محورا أساسيا في حياة الفتاة الصينية على مدى عشرة قرون· وكان يبدأ في مرحلة ما بين الخمس والإثنتي عشرة سنة من العمر وتتولى أمره الأم أو النساء المسنات في القرية· تحتاج العملية إلى كسر عظام أصابع القدم وثنيها الى الأسفل باستثناء الإصبع الكبير منها حتى تصبح القدم بشكل هلال· يلف شريط طويل من القماش على الأصابع الأربع الصغيرة وحول كامل القدم والكاحل· ويتم شد الشريط يوميا مما يؤدي إلى ملاصقة الأصابع لأسفل القدم· كما يستعان بحبل لزيادة الشد ومحاولة تقريب الكاحل من وسط القدم لتصغير حجمها قدر المستطاع· بعد تلك الخطوة الأولى يصبح ربط القدم وتقييدها بالوثاق جزءا هاما من روتين الحياة اليومية عند الفتاة· في المراحل الأولى تتورم القدم ويخرج منها القيح لذلك تلجأ بعض النساء إلى غسلها بالماء المعطر وحجر الشب لمنع صدور الروائح الكريهة منها ولوقايتها من حدوث الالتهابات· وحتى بعد التقدم بالعمر تظل قماشة الربط ملازمة للمرأة لا تزيلها إلا عند الاستحمام· ويؤدي التوقف عن استخدام الوثاق إلى حدوث تغير في شكل القدم الهلالية ويسبب آلام لا تقل شدة عن الآلام التي تسببها عملية الربط الأصلية·
وهكذا كانت المرأة الصينية تعيش سنوات من العذاب والمعاناة والألم حتى تتمكن من الوصول إلى هدفها المتمثل بقدمين صغيرتين لا يتجاوز طول كل منهما ثلاث بوصات· وعاشت غالبية الأجيال الماضية هذه التجربة لدرجة أن هناك بعض مناطق القرى الصينية التي يندر فيها حاليا وجود الأقدام الطبيعية عند النساء اللواتي تزيد أعمارهن عن الستين عاما·
عندما تسأل هؤلاء النسوة عن الهدف من إصرارهن على ربط القدم يجاوبن ببساطة بأنهن لو لم يقمن بذلك لكان من المستحيل بالنسبة إليهم العثور على زوج· فالمرأة ذات القدم الطبيعية كان ينظر إليها على أنها فاسقة، شاذة عن الطبيعة، وكانت تتعرض للانتقاد والسخرية من قبل الآخرين· وفي بعض مناطق الصين كان الناس يعتقدون أن وجود النساء ذوات الأقدام الطبيعية مقتصر على الأساطير والخرافات· والشابات في الطبقات الراقية لم يكن بمقدورهن الحصول على زوج من نفس المستوى الاجتماعي بدون ربط أقدامهن· أما فتيات الطبقات الأدنى من ذوات الأقدام الطبيعية فكن أمام واحد من مصيرين إما أن يتزوجن من رجال معدمين أو يتعرضن للبيع كخادمات لغيرهن من مربوطات الأقدام·
استمر تقليد ربط القدم وثنيها إلى بدايات القرن العشرين بالرغم من المحاولات الكثيرة لوقفه· ولم تبدأ بوادر التغيير بالظهور إلا في العشرينات عندما نجح المفكرون والمثقفون بإخراج هذه الممارسة من إطارها الأخلاقي إلى إطار آخر وطني مركزين على ما تسببه من إعاقات لمقدرة المرأة على العطاء والمساهمة في بناء وطنها وتطوره السياسي والاقتصادي· في عام 1928 أطلقت الحكومة الصينية برنامجها للقضاء على تقليد ثني الأقدام وبدأت بتشجيع الفتيات على ترك أقدامهن تنمو بشكلها الطبيعي· بل وذهبت السلطات في بعض الأماكن إلى فرض غرامات وعقوبات على كل من تلجأ إلى ربط القدم·
لم يكن التغيير سهلا بل ترتب عليه الكثير من المعاناة النفسية والجسدية عند النساء· فإطلاق القدم المقيدة هي أيضا عملية مؤلمة للغاية· كما كان صعبا تقبل شكل القدم الكبيرة في مجتمع ظل على مدى قرون طويلة يتغنى بصغرها· كما يعرف عن المجتمع الصيني بطبيعته المحافظة التي لا تتقبل أي تغيير لذلك استمر ربط القدم عند بعض النساء إلى فترة ما بعد الثورة الشيوعية في عام ·1949 بيد أن الأمر كان أسهل في المجتمعات المدنية حيث كانت المرأة على موعد مع فرص أكثر للعمل والتطور وكانت أكثر مقدرة على تحصيل حقوقها للعب دور حقيقي في المجتمع·

اقرأ أيضا