الاتحاد

دنيا

العذاب امرأة


حكايات وقصص واقعية، تدور من حولنا، نسمع عنها فنتعجب ونستغرب ونتفاعل مع أصحابها، وفي النهاية تبقى العبرة والحكمة التي توصلنا إليها تلك القصص هي ما يشدنا دائما إلى متابعتها في كل يوم خميس·
والدي رجل فقير لا يملك سوى معاش بسيط وأسرة كبيرة جداً، لم يدخلنا، نحن البنات، المدارس لأنه - كما يقول - يخاف علينا من كلام الناس والبنت مكانها بيتها وزوجها فلماذا تدخل المدارس؟ ولم تنفع المحاولات المتكررة والجهود التي بذلها الجميع في تغيير وجهة نظره لذلك فقد رضينا بالأمر الواقع وبقينا بلا تعليم·
كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما قرر والدي ان يزوجني، حدثت خلافات بينه وبين زوج أمه على إرث قديم بينهما فاشترط الرجل ان يتنازل عن حقه مقابل تزويج ابنه مني، كان الولد في الخامسة عشرة من عمره لا زال صبياً يلعب الكرة في (الفريج) مع الأولاد·
تزوجته ولم اعرف معنى الزواج سوى انه تغيير في المنزل والناس، وجدت البنات في مثل سني وفرحت لانني سألعب معهن ولن اشعر بالملل·
بعد سنة من زواجي بلغت وصار لديّ نوع من الفهم والتقارب الزوجي واستلطاف الطرف الآخر، كان طيباً محباً لي، على الرغم من صغر سنه فقد كان لديه وعي جميل، لقد سمح لي بالدراسة وكان في ذلك نقلة نوعية حدثت لي، فقد تحقق حلمي وجلست على مقاعد الدراسة لست سنوات أكملت خلالها المرحلة الابتدائية ولكن حدثت ظروف قاهرة جعلتني أتوقف عن الدراسة·
لقد حملت بطفلي الأول وأنا في الرابعة عشرة من عمري فسقط الحمل بعد اشهر قليلة، وتكرر الحمل بعدها وتكرر الاسقاط لثماني مرات· كان زوجي يعمل في العاصمة، ويأتي في نهاية كل اسبوع وكان يطمئنني إلى انه لن يتخلى عني وسيصبر عليّ حتى يرزقني الله بطفل·
بعد سقوط الحمل الثامن اكتشفوا أن عندي سرطان الرحم المبكر، وطمأنوني إلى امكانية الشفاء منه عن طريق العلاج الكيميائي، فخضعت لذلك العلاج مدة طويلة ولكن بدون فائدة اخيراً قرر الطبيب استئصال الرحم قبل ان ينتشر السرطان في اجزاء اخرى من الجسم·
ضياع
كان زوجي يشجعني على اجراء العملية وهو يؤكد لي أنه لن يتخلى عني أبداً لانه يحبني بصدق ولن يستطيع ان يعيش بدوني·
اجريت العملية وكنت في حالة نفسية صعبة للغاية، فأهله لم يتقبلوا الوضع الجديد واخذوا يستنكرون موقف ولدهم من (حرمة) بلا عيال· قالوا له: تزوج عليها ولا مانع في ان تبقيها على ذمتك، صاروا يلحون عليه كثيرا وهو يراني امامه ابكي واتعذب لانني لا احتمل ان تشاركني أخرى فيه، فانا أغار عليه بجنون لقد عاش حالة نفسية سيئة بسبب ضغط اهله وأدمن الخمر والمخدرات وصار يهرب من المنزل إلى جلسات الشباب الصايع فتلقفته احداهن لتكون له عوناً على تخطي ازمته النفسية· تغير نحوي وصار يضربني ويعاملني بقسوة عندما امنعه من الذهاب إلى تلك السهرات· لقد ضاع وأصبح مدمناً، حتى دخل السجن عندما قامت الشرطة بمراقبتهم وإمساكهم بالجرم المشهود، عندها ادعت تلك المرأة بأنها حامل منه وقد وافق على الزواج منها وهو بداخل السجن·
كل تلك الاحداث جعلتني أتكسر من الداخل وقد كنت في عمر لا استطيع فيه ان اتحمل المزيد من تلك المشاكل ومن ضغط اهله عليّ واتهامهم لي بأنني أنا السبب في كل ما يحدث لولدهم، هذا كله دفعني لطلب الطلاق كي اتخلص من عقدة الاحساس بالذنب ولان كرامتي قد جرحت فعلاً عندما وافق على ان يتزوج امرأة ساقطة من الشوارع·
عدت لمنزل اهلي وكنت في السادسة والعشرين من عمري، إنسانة مطلقة محرومة من فرصة الامومة، كان المنزل مكتظاً باخوتي التسعة وقد تزوج الاولاد وسكنوا بنفس المنزل، كان الحال بسيطاً للغاية والامور المالية صعبة جداً·
في هذا الوقت تقدم لي رجل كبير في السن لديه أولاد كبار ولديه احفاد كثيرون وهو لا يريد المزيد من الاولاد، وكان وضعه المادي جيدا فوافقت على الارتباط به وليتني لم افعل لأنني جربت نوعاً آخر من الحياة الزوجية مع رجل غيور، لقد اغلق عليّ الباب بالمفتاح وازال هاتف المنزل لكي لا اتصل بأحد ومنع اهلي من زيارتي ومنعني من زيارة أحد، سنة كاملة وأنا في سجن انفرادي كريه، وكنت ارى امي بالسر دون علمه وبخطط صعبة جداً·
كرهت حياتي معه وطالبته بالطلاق فأخبرني بانه مستعد لتطليقي فقط اذا دفعت له كل ما صرفه على العرس والمهر، بالطبع كان ذلك شيئا مستحيلا فأنا لا أملك المال الذي يطلبه وقد تملكني اليأس الشديد ولكن رحمة الله كانت قريبة فصدر أمر الشيخ زايد رحمه الله بتوظيف المواطنين غير الحاصلين على شهادات فقدمت لي اختي طلباً للتوظيف فظهر اسمي بعد شهر واحد فقط، عندها قررت ان اهرب من سجني وأن أعمل من أجل أن اتخلص من هذا الزواج التعيس·
فرصة للحياة
ذهبت للعمل في العاصمة وبمجرد ان تم توظيفي استخدمت الواسطات في البنك من اجل اعطائي قرضاً سلمته إلى زوجي ليطلقني وفعلاً تم لي ما أردت وطلقت للمرة الثانية وكنت سعيدة جداً بهذه النتائج التي قد وصلت اليها فقد تخلصت من السجن وتوفرت لي فرصة للعمل واثبات الذات وبأنني إنسانة مفيدة حتى لو لم استطع ان انجب الاطفال فإن لديّ امكانية للعمل والانتاج واستمرارية الحياة بشكل نافع ومفيد·
لم أتمتع كثيراً بفرحي واحساسي بالحرية والتخلص من تلك القيود الظالمة حتى جاءتني صدمة جديدة، لقد اصيبت اختي بنفس المرض الخبيث وكان الوضع لديها خطيراً فتقرر ارسالها إلى الخارج للعلاج· رافقتها في رحلة العذاب تلك ومررت معها بكل الألم الذي تعرضت له خطوة خطوة ثم تركتني ورحلت عني بعد ستة شهور من العلاج والتعرض لعمليات مختلفة وأدوية وعلاجات لا أول لها ولا آخر، اصبت بصدمة كبيرة لفراقها واصبحت حزينة ويائسة وأحس بأن الدنيا كلها ظلمة حالكة لا نور فيها أبداً·
بعد مدة غير بسيطة استطعت تجاوز حزني وألمي وعدت لعملي الذي جعلني أحس بالتفاؤل من جديد وأن الحياة فيها فرص أخرى للنور والضياء دفعتني إلى الوقوف من جديد والاصرار على تعلم السواقة وكان ذلك شيئاً غير مقبول لدى أهلي ولكني امتلكت الجرأة على اقناعهم بما أريد، فاستخرجت الرخصة واشتريت سيارة وصرت اذهب يومياً إلى عملي في العاصمة وأعود في آخر اليوم وأنا في غاية الارهاق والتعب ولكني سعيدة للغاية، فقد اصبحت ايجابية لدى أهلي وصرت أساهم بشكل كبير في تحمل جزء من المصاريف المنزلية واحتياجات الاهل·
في أحد الايام وأنا في طريق العودة من عملي تعرضت لحادث سيارة، كان الطرف الآخر هو أحد معارف أهلي فأبدى اهتمامه بي ونقلني إلى المستشفى واشرف بنفسه على اصلاح سيارتي والاطمئنان عليّ حتى شفيت تماماً بعدها تقدم لخطبتي فترددت كثيرا لانه متزوج من ثلاثة وأنا سأكون الرابعة، ولكني كنت اشعر وقتها بالحاجة لوجود رجل في حياتي وقد شعرت بشيء من الانجذاب نحوه والاحساس الجميل بأن شخصاً ما يهمه أمري ويشعرني بالأمان ويحميني ويقف لي ليساعدني في كل حياتي، بالطبع فقد كنت واهمة، فهذا الرجل مزواج لا يكتفي بواحدة وهو يطلق نساءه باستمرار ويستبدلهن بأخريات غيرهن، عشت معه تسعة شهور تعرضت خلالها لأمور غريبة وصراعات متعبة من نسائه الاخريات واولادهن وقد شعرت بأنني اخطأت خطأ كبيراً في الموافقة على هذا الزواج وفعلاً لم انتظر طويلاً فقد طلقني وتخلص مني بعد أن وجد أخرى يستبدلها مكاني فارتحت منه ومن نسائه ومن تلك الكارثة الكبرى التي أوقعت نفسي فيها·
بعد تلك التجربة الفاشلة اصبحت إنسانة منطوية على نفسي ساكتة طوال الوقت مهمومة ومغمومة ولا أجد في الحياة ما هو طيب وقد وضعت جهدي ووقتي كله في عملي ولكن يبدو انني انسى بسرعة وأعيد الخطأ من جديد·
انتقلت في وظيفتي إلى قسم جديد، كنت ملتزمة وهادئة، اثرت انتباه رئيسة القسم حاولت ان تفهم سبب كآبتي وانعزالي فأخبرتها بقصتي وتجاربي الفاشلة كلها فتعاطفت معي وقربتني اليها ثم اخبرتني بأن لديها أخا له ظروف مشابهة تقريباً فهو مطلق وله ولد واحد وقد تعرض لحادث فقد على اثره القدرة على الانجاب وهو يعيش كئيباً ووحيداً مثلي تماماً، وصارت تقنعني بفكرة الارتباط به واعتبرت في ذلك حلاً يساعدنا كلينا·
بعد محاولات كثيرة بذلتها لاقناعي وافقت اخيراً على الارتباط بأخيها خصوصاً وانه يملك شقة على راتبه استطيع البقاء فيها وعدم الذهاب يومياً في ذلك الطريق الطويل·
تزوجته وأحسست لأول مرة بطعم الأسرة والاستقرار، بيت منفرد وزوج وابن وخادمة انها جل ما تمنيته في حياتي فعكفت على عمل كل ما يسعد زوجي ويريحه هو وابنه، وقررت أن اعوض نفسي عن ذلك العذاب الذي عشته في تجاربي السابقة·
لم تدم سعادتي طويلاً فبمجرد ان حصل زوجي على منحة الزواج حتى اعاد فتح دفاتره القديمة وذهب فتزوج أخرى يبدو انه كان يحبها ولا يملك المال الكافي للارتباط بها فكنت أنا الجسر الذي ساعده على الحصول على ذلك المال· فجأة وجدت انني اعيش بلا زوج، أنا وابنه والخادمة لوحدنا، ثم اعتذر ابنه عن العيش معي وذهب إلى منزل والده الثاني ليعيش قريباً من والده فبقيت أنا والخادمة لوحدنا·
حاولت اخته معه لتعيده إليّ لكنه رفض ذلك ثم طلقني، عندها طلبت منها ان تتوسط لنقلي إلى مدينتي لاعيش في منزل اهلي ففعلت ذلك ونقلتني فأحسست بأنني مرتاحة لانني عدت مرة أخرى للعيش مع اسرتي أربي أولاد اخوتي وأعتني بهم·
بعد مدة ليست بسيطة جاء مطلقي الأخير ليسترجعني واقسم لي ولاهلي بأنه نادم على طلاقي وانه يريدني زوجة مدى العمر، لقلة عقلي صدقته وعدت اليه ساعدتني اخته مرة اخرى لنقلي إلى العاصمة وكان جيداً معي حتى انني اعتقدت بأنني قد اتخذت القرار الحكيم في العودة اليه ولكن للاسف بعد فترة بسيطة جداً صار يتهرب مني من جديد وعاد لزوجته الثانية، طلبت منه العدل فلم يعدل وبقيت لوحدي طوال الوقت، أنا لا أحب العيش وحيدة أبداً فذلك يقتلني، طلبت منه الطلاق فطالبني بمبلغ كبير ليطلقني أخذت قرضاً من البنك ودفعته اليه ليطلقني فطقلني بسهولة·
طلبت نقلي من جديد فرفض طلبي لذلك اضطررت للعيش في سكن مشترك مع عدد كبير من الموظفات·
تقدمت بطلب للبلدية للحصول على سكن فأخبروني بأن ذلك مستحيل، فلا يمكن ان تعطي الدولة بيتاً كبيراً لامرأة واحدة· أنا لا اريد بيتاً كبيراً، فقط أريد بيتاً صغيراً يحميني ويشعرني بالخصوصية والامان بعد رحلة العمر الطويلة المتعبة· اتمنى ان تنظر الدولة إلى المرأة المطلقة أو الارملة والتي لا تملك سكناً تعيش فيه، فهي إنسانة ومن حقها ان تتمتع بسكن خاص بها بدون الحاجة لمنة الآخرين·

اقرأ أيضا