الاتحاد

دنيا

الطفل الديكتاتور·· صناعة منزلية!

القاهرة- حنان فكري:
تبادل الآباء والابناء المواقع·· صار الأبناء يأمرون والآباء يطيعون ويمتثلون والطفل لا يشبع، مطالب وأوامر والاب والام يلبيان·· حتى قيل ان ابناءنا صاروا يتولون تربيتنا ولسنا نحن الذين نربيهم·· ويكبر الأبناء على الامر والنهي ويعتاد الآباء الامتثال والطاعة بحجة أن هذه هي التربية الحديثة واننا يجب ألا نربي ابناءنا على القسوة التي تربينا عليها·· وبحجة ان الابناء يجب ان يحصلوا على كامل حريتهم ليشبوا أقوياء ومتمتعين بالجرأة والإقدام·· لكن الأيام تثبت خطأ هذه النظرية؛ اذ ينشأ الابن الذي اعتاد الاستجابة لكل طلباته رخوا وهشا وينكسر امام أي مشكلة تعترضه عندما يواجه الحياة وحده بلا أب ولا أم·· كما ينشأ متخبطا مرتبكا غير قادر على اتخاذ القرار، والطفل الآمر الناهي العنيد يبدأ ملكا متوجا وعندما يشب ويخرج إلى الحياة وحيدا يسقط من فوق عرشه لأنه فقد الرعية الراضخة له وهما الاب والأم·
سالي محمود كانت تلبي رغبات طفلها على الفور، ولم تكن تتوقع ان يتطور الامر بصورة سلبية لكنها فوجئت بان اسلوبها تسبب في نتيجة سيئة، تقول: 'اصبح ابني يصر على تلبية كل مطالبه مهما حاولت اقناعه بعدم امكانية تنفيذ بعضها، وقررت ان ابدأ معه مرحلة جديدة اساسها التفاهم والمعاملة بالمثل، فكما يعاملني اعامله، وفي الفترة الاولى وجدت منه استجابة بقدر لا بأس به فواصلت هذا النهج واصبحت استعين برأيه في بعض شؤون المنزل واعلمه القيادة الايجابية كي يدرك ان رأيه قد يؤخذ به ويتم تنفيذه اذا كان صحيحا'·
وتضيف: 'ابني كان الاول في عائلة زوجي لذا كان من الطبيعي ان يكون مدللا وكل طلباته مجابة، الا ان تنفيذ رغباته ينبغي ان يكون محكوما بحدود فالوالدان هما المسؤولان عن عملية التنشئة الاجتماعية بالقدر الاكبر، ومن الضروري ان يحدث الاتفاق بينهما على اسس هذه العملية بعيدا عن الطفل حتى لا تحمل شخصيته مزيجا من التناقض يبدو اكثر وضوحا في سلوكه وتصرفاته'·
وتقول صابرين عبدالرؤوف: 'ابني الأصغر يتسم بقدر من الديكتاتورية في تصرفاته، ومجتمعنا الذكوري يميل الى تدليل الذكر واشعاره بأن طلباته اوامر، ولهذا أعتقد أن التنشئة ساهمت في جعله ديكتاتورا يتمسك برأيه ويصر على تنفيذه، اما ابني الاصغر فلم يكن للتنشئة دور في سماته الشخصية؛ فقد وجدت ان عناده وديكتاتوريته احدى الصفات الموجودة في شخصيته منذ ولادته، وكان من السهل تعديل سلوك الاكبر فكلما تقدم عمره نضج وقل تأثير التنشئة في سلوكه اما الآخر فان سماته الشخصية تزداد رسوخا وثباتا كلما كبر'·
قدوة
وترى نيفين عبدالله (كاتبة اطفال ومستشارة اجتماعية لعدد من المواقع الالكترونية): 'أن الصفات التي يتسم بها الطفل يكتسبها من خلال القدوة التي يراها في المحيطين به او عن طريق التعلم التدريجي؛ فالطفل العنيد لا يولد عنيدا وانما ينمي تعامل المحيطين معه هذه السمة شيئا فشيئا وقد تزداد تدريجيا، وكذلك الحال بالنسبة للطفل الديكتاتور فهو يحاول فرض رأيه في مرحلة عمرية معينة ويكون هذا امرا طبيعيا اما استمرار هذه السمة كلما تقدم في العمر فيكون نتيجة لعدم ادراكه لعدد من المهارات الاجتماعية التي من المفترض ان يكون قد تعلمها خلال مراحل حياته بالتدريج حتى يتعامل مع المحيطين به بأسلوب سليم'·
وتضيف: 'لا يولد الطفل ديكتاتورا ويجب ان يتنبه الاهل الى ان اكساب الطفل صفات معينة تساهم في استمرار هذه الصفات حتى تصبح عادة، وعليهم الا يشيروا للسمة السيئة في شخصيته بل يجب التركيز على الصفات الجميلة حتى يرى الطفل نفسه بصورة جيدة، بالاضافة الى دور الأم في توصيل المفردات لطفلها ولا ينبغي ان تقول لطفلها: لا تكن ديكتاتورا وانما عليها ان تعلمه كيف يصبح شخصية ديمقراطية بأسلوب عملي كأن يستمع لغيره ويهتم بحديثهم، وهذا امر يستلزم ان تكون والدته قدوة في كل شيء كما ينبغي عليها ان تثني على كل تصرفاته الجيدة وتضع له مسمى لكل تصرف ايجابي يقوم به بطريقة عملية'·
وتتابع قائلة: 'ان معظم الاطفال لم يأخذوا حقهم في تعلم المهارات الاجتماعية ولا يمكن اعتبارهم مرضى بالديكتاتورية ولا يمكن ايضا ان نعتبر ديكتاتورية الطفل امرا عاديا، وكلما زادت تعليقات الأم بأن طفلها ديكتاتور فان هذا يقوي وينمي هذه السمة فيه· كما ان ديكتاتورية الطفل امر يدعو للقلق كلما كبر لانها تظل ديكتاتورية طبيعية في العامين او الثلاثة الاوائل من عمره لعدم ادراكه معنى التشارك وابداء الرأي وكيفية القيام بأدوار مع اقرانه اما اذا استمرت بعد ذلك فانها تصبح مقلقة'·
وتوضح ان الرحلة العلاجية للطفل الديكتاتور تتضمن اقتناص كل فعل ايجابي يقوم به والثناء عليه حتى تصبح المفاهيم لديه واضحة المعالم وعلى الام ان تشير لكل تصرف ايجابي يقوم به طفلها وتتجاهل اي سلوك سلبي منه كي تشجعه على الاستمرار في التواصل مع اقرانه والاستماع لارائهم وانتظار دوره في الحديث وعدم التمسك برأيه·
ويرى بعض المتخصصين في علم النفس انه لا يوجد ما يمكن ان نطلق عليه مصطلح الطفل الديكتاتور لكن هناك بعض الصفات التي تشكل مجتمعة ملامح شخصية ديكتاتورية·
أعراض وإشارات
وتقول الدكتورة فؤادة هدية (استاذة علم النفس بمعهد الطفولة بجامعة عين شمس): 'هناك مجموعة من الاعراض عند الاطفال تعبر عن عدد من المشاكل كأن يكون الطفل نرجسيا او غير مطيع، وهذه الاشارات كلها تعبر عن انه ديكتاتور· وقد لا تمثل النرجسية مشكلة في احيان كثيرة بينما تعد مشكلة في احيان اخرى، وهناك مؤشرات عامة تدل على خطورتها كتكرار السلوك غير المناسب او ان يصبح الطفل مبعثا لعدم ارتياح المحيطين او يقاوم بسلوكه كل تغيير وتعديل والاهم من ذلك مدى ملاءمة السلوك للمرحلة العمرية للطفل، ففي العامين الاولين قد تتسم تصرفاته بالانانية وهذا امر طبيعي في هذه السن الا انه لا يكون طبيعيا عندما تستمر هذه الانانية حتى الثامنة من عمره، ويكون الطفل في هذه السن المبكرة اكثر تمسكا برأيه بحكم نموه وتطوره العقلي لذلك اجمعت آراء المتخصصين في علم النفس على اطلاق اسم السنتين المزعجتين على العامين الاولين من عمر الطفل حيث يدخل في تعارض مع الام ولكنه لا يعد مريضا في هذه السن وتصرفاته تعد طبيعية'·
وتقسم د· فؤادة الاسباب التي تؤدي الى الديكتاتورية في سلوك الاطفال إلى اسباب وراثية: كالعناد اي يفعل الطفل ما يحلو له في اي وقت او الاندفاع، وأسباب بيئية تتمثل في المحيطين بالطفل لأن البيئة قد تساهم في تعديل وتحسين سلوك الطفل طبقا لاسلوب المعاملة والرعاية غير ان غالبية اسباب ديكتاتورية الاطفال تجمع بين الاتجاهين الوراثي والبيئي·
وفيما يتعلق بالعلاج النفسي للاطفال في هذه الحالة ترى انه لابد من دراسة حالة كل طفل على حدة حتى يمكن معرفة الاسباب والوصول الى بر الامان، كما ينبغي ان يدرك الوالدان دورهما في علاج طفلهما ومدى مسؤوليتهما في تطبيق الاساليب الصحيحة للتنشئة·
اما الدكتورة سامية خضر (رئيس قسم الاجتماع بتربية عين شمس) فتقول: 'ان الوالدين هما اللذان يجعلان طفلهما ديكتاتورا فعندما يطلب شيئا ما ويصر عليه وهو في الثانية من عمره ويستجيبان لطلباته يكونان قد اسهما في تحويله الى شخص ديكتاتور لان الديكتاتورية لا تعتبر في غالبية الاحيان من سمات الشخصية ولكن يتم اكتسابها بمرور الوقت'·
وتعتبر أن سمة الديكتاتورية عند الاطفال دائما تثير القلق ولابد أن يبدأ العلاج مبكرا بقدر الامكان فكلما تأخر العلاج زادت صعوبته، ويشتمل العلاج على اعادة تأهيل الطفل من حيث السلوك، ومحاولة ادماجه مع اصدقاء قادرين على خلق التوازن في سلوكياته مع ملاحظة اعادة تأهيل الوالدين ايضا كي يدركا كيفية معاملته بأسلوب سليم في المرحلة القادمة·

اقرأ أيضا