الاتحاد

الرياضي

أسرة الكرة العالمية تفسح مكاناً لدل بوسكي بين «عظماء التاريخ»

دل بوسكي سطر اسمه بحروف من نور في سجل الكرة العالمية (أ ف ب)

دل بوسكي سطر اسمه بحروف من نور في سجل الكرة العالمية (أ ف ب)

مدريد (د ب أ) - ليس لديه المزاج العصبي الذي يتسم به سير أليكس فيرجسون المدير الفني لمانشستر يونايتد الإنجليزي، ولا يتسم بعبقرية الاستحواذ التي يتمتع بها بيل شانكلي أو الاختراق النفسي الذي يتميز به برايان كلوج أو التعقيد الخططي لهيلينو هيريرا، ولكن فيسنتي دل بوسكي المدير الفني للمنتخب الإسباني لكرة القدم نال الإشادة كأحد أعظم المدربين في تاريخ كرة القدم بعدما نال فريقه إعجاباً هائلاً واستثنائياً من عائلة كرة القدم العالمية بعد الفوز الساحق 4/ صفر على نظيره الإيطالي الأحد في المباراة النهائية لبطولة كأس الأمم الأوروبية “يورو 2012” ببولندا وأوكرانيا.
وسبق للمدرب الألماني هيلموت شون أن قاد المنتخب الألماني للفوز بلقب يورو 1972، ثم كأس العالم 1974، ليصبح دل بوسكي هو ثاني مدرب ينجح في الفوز باللقبين كمدير فني، ولكن دل بوسكي يتفوق على شون في أنه أول مدرب يفوز مع اللقبين بلقب دوري أبطال أوروبا أيضاً، حيث سبق له أن قاد ريال مدريد الإسباني للفوز باللقب القاري الأبرز على مستوى الأندية.
وأشادت صحيفة “آس” الإسبانية الرياضية بالمدرب القدير ووصفته بأنه “أحد أعظم المدربين في التاريخ”، كما أشادت إذاعة “ماركا” الإسبانية بـ”الأداء الخططي” لدل بوسكي وقدرته على تحفيز لاعبيه.
ووصفت إذاعة “كادينا كوبي” الإسبانية هذا المدرب بأنه “عبقري متواضع، يستطيع أن يستخرج أشياء إضافية من لاعبيه”.
كما أشادت إذاعة “كادينا سير” الإسبانية به قائلة “لا يرغب أبداً في أن يسرق الأضواء من اللاعبين”.
وأصبح دل بوسكي حالياً أكثر شهرة وشعبية في إسبانياً عما كان عليه بعد الفوز بلقب كأس العالم 2010 بجنوب أفريقيا، علماً بأن العاهل الإسباني الملك خوان كارلوس منحه لقب “ماركيز” من الدرجة الأولى.
وخلال احتفالات الفريق باللقب بعد الفوز الكبير على الاستاد الأولمبي بالعاصمة الأوكرانية كييف، حرص دل بوسكي على البقاء بعيداً عن الأضواء ووسائل الإعلام بقدر الإمكان تاركاً الساحة لإيكر كاسياس حارس مرمى وقائد الفريق وبقية اللاعبين لينالوا ما يستحقونه من الأضواء الإعلامية وتشجيع الجماهير.
وقال دل بوسكي «61 عاماً» بتواضعه وهدوئه المعتادين “أتفهم فرحة الناس بهذا. أشعر بالسعادة لأننا منحنا إسبانيا مزيداً من السعادة”.
ولدى سؤاله عن تجربته في اللعب دون مهاجم صريح وما إذا نجحت من وجهة نظره، رفض دل بوسكي توضيح أي تفاصيل، وقال “التقييم ليس من شأني.. فعلنا فقط ما رأينا أفضل بالنسبة لنا. ربما كنا نود اللعب بطريقة مختلفة”.
وبعدها توارى دل بوسكي تاركاً الأضواء وعدسات المصورين للاعبيه، وعمدت العديد من وسائل الإعلام والصحف الإسبانية أمس الأول إلى الاعتذار لدل بوسكي عن تشكيكها في خطة اللعب المحنكة 4/2/4/0 (أو 4/6/0) التي طبقها في عدد من المباريات ولم يدفع ضمن التشكيلة الأساسية برأس حربة صريح، وهي الخطة التي ربما استمدها من جوسيب جوارديولا المدير الفني السابق لبرشلونة الإسباني.
وكان التأنق التام والفعالية الهادئة هما شعار ولسان حال دل بوسكي دائماً.
وكان دل بوسكي لاعباً منظماً ودقيقاً وصارماً في خط وسط فريق ريال مدريد منذ 1970 وحتى 1984 وخاض 18 مباراة دولية مع المنتخب الإسباني، وشارك مع الفريق في نهائيات يورو 1980.
وبعد اعتزاله، اتجه دل بوسكي للتدريب وبدا سعيداً بالعمل في فرق الناشئين والشباب وكذلك الفريق الثاني لنادي ريال مدريد.
وفي 1999، وخلال واحدة من الأزمات التدريبية التي عانى منها النادي الملكي، أسندت مهمة تدريب الفريق بشكل مؤقت إلى دل بوسكي.
ولم يتوقع كثيرون أن يستمر دل بوسكي طويلاً في هذه المهمة، ولكن كفاءته ساعدته على أن يقود الفريق لواحدة من أكثر الفترات المثمرة في تاريخ النادي الملكي، وقاد دل بوسكي الفريق للفوز بلقبين في الدوري الإسباني ومثلهما في دوري أبطال أوروبا.
ورغم ذلك، أقال فلورنتينو بيريز المدرب المتألق في عام 2003، وهو القرار الذي تسبب في جدل واسع وربما شعر بيريز بالندم عليه، حيث قضى الفريق أربع سنوات بعدها دون الفوز بأي لقب، وقضى دل بوسكي فترة قصيرة غير مثمرة في تدريب بشكتاش التركي قبل أن يطلب منه الاتحاد الإسباني للعبة قيادة الماتادور في عام 2008 خلفاً لمواطنه لويس أراجونيس الذي ترك المنصب عقب الفوز بلقب يورو 2008.
وواصل دل بوسكي العمل بأسلوب اللعب الشهير للفريق والمعروف باسم “تيكي تاكا” والذي يعتمد على التمريرات القصيرة، حيث سار على نهج أراجونيس ورفض إجراء تغييرات هائلة في طريقة اللعب أو التشكيل، وتوقع قليلون أن ينجح دل بوسكي في تحقيق نجاح مع الفريق يفوق نجاح أراجونيس، ولكنه نال الآن إشادة الجميع، حيث أصبح أحد أبرز المدربين في التاريخ.
ومن المؤكد أن دل بوسكي امتلك الأسلحة اللازمة التي مكنته من تحقيق آمال الشعب الإسباني بالصعود إلى منصة التتويج؛ لأن “لا فوريا روخا” يتميز بلعبه الجماعي الرائع والقدرات الفنية المذهلة للاعبيه، وهو يتحدث عن فلسفته قائلاً: “إن كرة القدم رياضة جماعية بامتياز، لكنك تحتاج للفرديات أحياناً من أجل صنع الفارق واختراق الدفاعات. نحن نملك مهارات فردية متميزة في كل خطوطنا، بدءاً بالحارس ومروراً بالوسط وانتهاء بالهجوم، إذ تضم صفوفنا لاعبين مهاريين بارزين”.
وسيبقى دل بوسكي، دائماً في الأذهان بأنه المدرب الذي نجح في فك عقدة بلد بأكمله في العرس الكروي العالمي ونجح في قيادة “لا فوريا روخا” إلى أبعد ما نجح فيه أي من المدربين الـ 49 الذين تناوبوا على رأس الهرم الفني للمنتخب الوطني.
ومنذ أن تسلم مهامه مع المنتخب بعد كأس أوروبا مباشرة، نجح دل بوسكي في قيادة منتخب بلاده لمواصلة عروضه الرائعة ومسلسل نتائجه المميزة، ولم يلق أبطال أوروبا طعم الهزيمة بقيادته سوى 6 مرات في 60 مباراة، الأولى على يد الولايات المتحدة في نصف نهائي كأس القارات عام 2009 عندما وضع منتخب “بلاد العم السام” حينها حداً لمسلسل انتصارات بطل أوروبا عند 15 على التوالي وألحق به هزيمته الأولى منذ سقوطه أمام رومانيا صفر -1 في نوفمبر عام 2006، فحرمه من تحطيم الرقم القياسي من حيث عدد المباريات المتتالية دون هزيمة، ليبقى شريكاً للمنتخب البرازيلي في هذا الرقم “35 مباراة دون هزيمة”، علماً بأن الأخير سجله بين عامي 1993 و1996.
ويعتبر دل بوسكي نموذجاً للمدربين الهادئين الذين بإمكانهم المحافظة على رباطة جأشهم في الأوقات الحرجة ويتمتع أيضاً بطبيعته المسالمة وبمقارباته المدروسة، بالإضافة إلى قدرته على التعامل مع فرق تعج بالنجوم الكبار، لكنه في المقابل، محيط كروي، لديه الحلول دائماً، وهو ما سهل تسلمه السلس لرئاسة الإدارة الفنية المنتخب دون إهمال واقع أنه يعمل دائماً للمحافظة على وحدة وأداء لاعبيه الموهوبين.
وخلافاً لأراجونيس الذي عرف عنه طابعه الحاد ومواقفه المثيرة للجدل في بعض الأحيان، أدخل مدرب ريال السابق الهدوء والتحفظ والصبر إلى منصب المدرب، إضافة إلى التواضع.
ويلتزم دل بوسكي بالحكمة التي تقول إنه “يجب عدم العبث بتركيبة رابحة”، واتخذها مبدأً له منذ أن استلم مهامه مع المنتخب، وكان التغيير الوحيد الذي أجراه خلال مشواره مع المنتخب حتى الآن هو تطعيمه ببعض المواهب الشابة من أجل المحافظة على الاستمرارية في النتائج والتنافس والنشاط على الأمد الطويل.
لكن مدرب ريال مدريد لم يلتزم في نهائيات كأس أوروبا 2012 بمبدئه تماماً، إذ فاجأ الجميع بالمقاربة الهجومية التي اعتمدها في المباريات التي خاضها، حيث أشرك شيسك فابريجاس كرأس حربة أمام إيطاليا في المباراة الأولى، ثم احتكم إلى توريس أمام أيرلندا “4- صفر” وكرواتيا “1- صفر” قبل أن يعود إلى فابريجاس أمام فرنسا في ربع النهائي “2- صفر”، ثم يحتكم إلى الفارو نيجريدو أمام البرتغال “4- 2 بركلات الترجيح”، وهكذا واصل السير بذات النسق المدهش، حتى كان الختام الأروع أمام الطليان، ليؤكد دل بوسكي أنه شخصية فريدة من نوعها.
وبينما اشتهر معظم أفراد أسرته في العمل في مجال السكك الحديدية، اختار شخصياً أن يخوض مغامرة مهنية مختلفة عن بقية أقربائه، مفضلاً الاستجابة لرغباته الكروية ومواصلة مسيرته في عالم الساحرة المستديرة.

اقرأ أيضا

«الأبيض» جاهز لفيتنام بـ «المعنويات العالية»