الاتحاد

دنيا

راشد بن حمضة: في الستينات قلت·· هنا عجمان

موزة خميس:
ما كان راشد عبدالله بن حمضة يعلم مقدار الشهرة التي ستكون من نصيبه وهو في بداية مرحلة الشباب، و كان ذلك مع بداية تجاوز عتبة المراهقة، فقد ولد عبدالله لرجل من قبيلة العليلي، وقد جاء في كتب الأنساب والقبائل إن العليلي هم آل علي ويقيمون في مدينتي رأس الخيمة والشارقة بصورة رئيسية، كما يقيم عدد منهم في أم القيوين، حيث يعملون بالزراعة والمهن البحرية· أما لقب (بن حمضة) فيقول راشد إن بعض الأهل الأقدمين الذين توفاهم الله أخبروه إن جده الأكبر كان يعمل في تجارة الليمون، وكان عندما يصل إلى مكان البيع ينادي على بضاعته قائلا: (اللومي الحامض) لأن هناك ليمونا حلوا أيضا، وهكذا اطلق عليه البعض بن حمضة، وهو غير متأكد من تلك المعلومات·
كان والده عبدالله يعمل في صناعة السفن، وكان مكان سكنهم القديم عند مسجد البدو في الفريج الشرقي لإمارة عجمان، ولكن عبدالله لم يحض بمرافقة والده أو يتمتع بالأبوة لوقت طويل حيث غيب الموت والده وأصبح يتيما، وكان عمره مابين العاشرة والحادية عشرة من العمر، وقد كان لراشد شقيق لم يمهله القدر الكثير ليهنأ برفقته حين لحق بالوالد بعد فترة قصيرة، ولكن راشد لقي من حنان الأم الكثير، مما جعله ذلك يحمل هم إعالتها وإعالة أخواته البنات·
أول ما فكر فيه راشد هو الكسب والسعي لإيجاد وظيفة أو مهنة، وكان خياره شديد القسوة على شاب يبلغ الرابعة عشرة، حيث عرض عليه العمل في المملكة العربية السعودية، في زمن لم تكن وسيلة السفر متوفرة كي يسافر ويعود وقتما زاد به الحنين والشوق إلى الأم والأخوات والوطن، ولم تكن هناك وسيلة اتصال متوفرة للناس، فكان خبر القرار الذي أتخذه كالخنجر الذي أقتطع جزءا من الأم وهي بين خيار مفارقة جزء من لحمها ودمها وفلذة كبدها وبين أن هذا الجزء الذي ستحرم منه لزمن (لا تعرف مقداره) سوف يكون اليد التي ستعمل كي تعيش الأسرة حياة كريمة·
عندما وصل راشد إلى السعودية برفقة رجل من أهل عجمان قام بتشغيله في محل لبيع الدراجات والتلفزيونات وأجهزة الراديو وكان أول راتب له ثلاثمائة ريال وكانت تساوي الكثير بالنسبة للناس في ذلك الزمن، وكان للمحل ورشة لإصلاح الأجهزة الإلكترونية يعمل فيها رجل من الهند كمهندس، ولذلك بعد فترة من الزمن التحق راشد بالورشة ليتدرب ويعمل على إصلاح بعض الأجهزة، وأستغرق منه العمل في المملكة العربية السعودية مدة خمس سنوات، حتى سمع من المسافرين الذين يأتون من الإمارات أن الأم في حالة شوق شديد ربما يقضي عليها من فراق الأبن الوحيد، وهنا قطع سفرته الطويلة وعاد للإمارات وبقي مدة شهرين مع أمه وأخواته، ثم سافر وبقي لمدة عام آخر كان الأخير، حين قرر العودة نهائيا للوطن لأن فكرة جريئة كانت قد بدأت تراوده وتتراءى له بشكل دائم، وأصبح يحلم بتفيذها في الوطن·
الإذاعة الشعبية الخاصة
قام راشد بن عبدالله بن حمضة بتنفيذ مشروعه الخاص وهو فتح محل لإصلاح الساعات وأجهزة الراديو، ورغم إن الناس لم يكن معظهم يستطيع شراء راديو، ويراه البعض غير ضروري إلا إن الإقبال على إصلاح أجهزتهم وساعاتهم كان جيدا من وجهة نظر راشد، حيث كان يتقاضى مابين 20 إلى 30 روبية وكان يراعي ظروف البعض الآخر فلا يتقاضى أكثر من خمس عشرة روبية·
مهنة إصلاح اجهزة الراديو التي تعلمها لمدة خمس سنوات، جعلت منه الرجل المدمن على سماع الإذاعات، وكثير ما سمع وهو في المملكة العربية السعودية إذاعة (صوت ساحل عمان) التي كانت تبث من إمارة الشارقة، وكثيرا ماتساءل لماذا لا يكون في عجمان إذاعة مشابهة؟ فوجود إذاعة في إمارة لصيقة بعجمان يبشر بالخير وبإمكانية تنفيذ ذلك·
وفي سرية تامة عمل راشد في صمت على إنشاء إذاعته، ولم يخبر بها حتى أقرب المقربين، وعندما أصبحت جاهزة للبث، قام بتشغيلها، وذهب إلى قهوة عبدالله الغملاسي التي يتجمع بها رجال عجمان لتناول الشاي والقهوة، وكان الوقت قبل الظهر، والجميع كان يستمعون إلى جهاز الراديو، فدخل راشد وفتح على الموجه التي ضبط عليها إذاعته ثم جلس وكانت فترة المنوعات الغنائية وما إن أنتهت الأغنية حتى سمع الناس الجملة التي تقول: لا نزال نواصل بث هذه المنوعات من إذاعة عجمان·
بث بيتي
كان للجملة تأثير كالسحر على الناس حيث ضجوا وفرحوا وتساءلوا، فأخبرهم راشد إن تلك الإذاعة تبث من بيته وإنه هو الذي قام بإنشائها، وبدت الأغلبية من الرجال في حالة شك وريبة، حيث طلب الجميع الذهاب لمنزله لرؤية ذلك بأنفسهم·
أصبح منزل راشد كالمتحف أو المزار، وقد كان ممن زاره للإطلاع على هذا المشروع الكبير سمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي حاكم عجمان وكان يرافقه إنجليزي برتبة رائد، وهو ممن يعملون في المحطة التي كانت القاعدة العسكرية الأنجليزية في الشارقة، ولا ينسى راشد إنه لاحظ الشك في تصرفات ذلك الرائد الإنجليزي الذي قام بتفتيش غرفته جزءا جزءا وكان يفعل ذلك بشكل أعتقد الأنجليزي معه انه غير مكشوف وإن هذا الأسلوب ربما يدعوهم للاعتقاد إنه مجرد فضول وأستكشاف للمكان، حتى إنه كشف لحاف السرير ليرى إن كان تحته أجهزة أخرى يخفيها راشد، وكان يكرر سؤالا واحد: هل أنت متأكد إن إذاعتك ليس لها أجهزة إخرى غير هذه التي أمامنا؟
بدأ راشد بالبث الإذاعي في عام 1961 م وأستمرت حتى 1965م، وكانت برامج الإذاعة تقتصر على بث آيات من القرآن الكريم، والمواعظ الدينية، والشعر والمنوعات الغنائية، وقد حاول راشد أن يصل بثها إلى أكبر مساحة ممكنة من الإمارات، وذلك من خلال تركيب هوائي عال يزيد عن 30 مترا، وكانت الإذاعة تعمل بالبطاريات الجافة·
يقول راشد بن حمضة إن الأشخاص الذين لعبوا أدوارا مهمة في إذاعته هم سالم عبيد سيف وهو أول من بدأ في إجراء التجارب الأولى على البث الإذاعي، كما قام بتقديم البرنامج اليومي ما يطلبه المستمعون، كما شارك المطوع خلفان بن حميد بن عيسى( معلم القرآن الكريم) والضرير وهو الخطيب بالمسجد الجامع، وذلك من خلال تسجيل راشد لخطبة الجمعة قبل إلقائها ثم يقوم ببثها عبر الإذاعة مساء، وأيضا شارك الأستاذ جودت عايش البرغوثي من فلسطين، وكان أحد قدامى المعلمين في مدرسة الراشدية منذ إنشائها عام 1958م، حين قدم برامج أدبية وتوجيهات تربوية، وممن شارك أيضا فضيلة الشيخ محمد التندي من خلال المواعظ والبرامج الدينية، وكان للراحل الشاعر حمد خليفة بوشهاب دورا من خلال إلقاء قصائده، وأيضا من رواة الشعر الشعبي عمران بن سلطان بن مرداس، وقدم الفنان عيد الفرج بعضا من الأناشيد حينما كان طالبا·
لأن راشد أنفق الكثير من ماله ووقته على إنشاء تلك الإذاعة، فقد ساهم بعض المواطنين في دعم تلك الوسيلة الإعلامية من خلال تقديم المساعدات المالية والتبرع بالمواد التسجيلية، كما قامت بعملية جمع التبرعات سيدة مواطنة تسمى(مطيرة) وكان يساعدها سالم راشد بن تريس القمزي وكان طالبا من مدرسة الراشدية، وقد أصبح الدكتور سالم لاحقا·
أخبرنا راشد بن حمضة إن ذلك الرائد الإنجليزي وبحضرة سمو الشيخ حميد بن راشد طلب منه الذهاب إليه إلى مقر القاعدة في الشارقة، وكان الموعد في الخامسة مساء، وعندما وصل راشد وجد ذلك الرائد يقف في إنتظاره على بوابة المحطة، وقد أخذه في جولة في أنحاء إذاعة صوت ساحل عمان، وطلب منه أن يعمل معهم، فقدم راشد إعتذاره، فما كان من الرائد إلا أن طلب من راشد أن يقوم بإعداد الأخبار المحلية عن إمارة عجمان، وأيضا أعتذر لأنه لا يستطيع أن يرتبط بأي عمل آخر لأن إذاعته تأخذ الكثير من الوقت والجهد·
واجهت راشد بعض المصاعب نتيجة زيادة الأحتياجات في ظل الإمكانيات المحدودة فتوقف العمل في إذاعته عام 1965م، وقام بعدها بالزواج وقدم للعمل في وزارة العمل والشؤون الإجتماعية، حيث عمل كمراسل لمدة 23 عاما، وبعد التقاعد قام بفتح محل للملابس الرجالية، هو يعتبره بمثابة المجلس أو الصالون الذي يتيح للرجال التجمع فيه للدردشة وتبادل الأحاديث، ولا يزال راشد يقوم بإصلاح كل شيء يخص منزله إلى اليوم ولا يلجأ لمهندس آخر إلا في حالة يأسه التام·

اقرأ أيضا