الاتحاد

تقارير

انتخابات الرئاسة المكسيكية... خالية من العنف!

بدأت الانتخابات الرئاسية المكسيكية وانتهت، من دون أن تشهد أحداث عنف انتخابي كبيرة، غير أن ذلك ربما يكون -ببساطة- مجرد علامة على أن التأثير الإجرامي على عملية التصويت، قد اختفى تحت الأرض.
في الأول من يوليو انتخبت المكسيك"إنريكي بينا نييتو" كي يحل محل الرئيس "فيليبي كالديرون"، الذي ستنتهي فترة ولايته في الأول من ديسمبر المقبل. وبالإضافة لذلك، استبدل الناخبون أعضاء غرفتي الكونجرس، كما اختاروا حكاماً لسبع ولايات. وعلى الرغم من المخاوف المتعلقة باحتمال وقوع أعمال عنف إجرامي تفسد اليوم الانتخابي، في كافة عمليات الانتقال هذه، فإن العملية مضت بشكل سلس، سواء يوم الانتخابات نفسه، أو خلال الجزء الأكبر من الحملة الانتخابية الرئاسية التي سبقته.
وعلى رغم وقوع بعض عمليات العنف الاستفزازي، فإن القليل منها هو ما يمكن ربطه بشكل واضح بالجريمة المنظمة، وبالانتخابات. فقبل يوم الانتخابات، أصدرت الحكومة المكسيكية خريطة توضح فيها المناطق التي تشكل مصدر تهديد جدي للعنف الانتخابي، كما تعهدت بتسيير دوريات عسكرية في المناطق الأكثر اضطراباً، للحيلولة دون وقوع عمليات تزوير. وسواء كانت هذه التدابير هي التي أدت لتضاؤل العنف الانتخابي أم لا، فإن الحاصل أن البلاغات المتعلقة بالمجموعات التي تمارس العنف على انتخابات 2012 كانت هي الأقل في تاريخ المكسيك الحديث.
وكانت حفنة من الحوادث على مدار السنوات القليلة الماضية قد عززت المخاوف من احتمال وقوع هجمات على العملية الديمقراطية. ففي يونيو 2010 وقبل انتخابات اختيار حاكم لولاية"تاموليباس" جرى اغتيال المرشح المتصدر"رودولفو تورو كانتو" في حادث انتهى تعقب خيوطه لواحدة من جماعتين إجراميتين رئيسيتين هما" ذي زيتاس" و" جلف كارتيل".
وفي نوفمبر 2011 وردت أنباء من منطقة "ميتشواكان" مؤداها أن أعضاء عصابة "كابيليروس تيمبلاريوس" قد بذلوا محاولات لحث المزيد من الناخبين على انتخاب المرشح "فاوستو فاليجو"، وذلك كان سبباً في انتهاء تلك الانتخابات لصالح هذا المرشح، ما مثل مفاجأة مدوية لأن استطلاعات الرأي ظلت تؤكد بشكل منتظم أنه يتأخر عن منافسته"لويزا ماريا كالديرون (شقيقة الرئيس) بعدة نقاط.
السؤال: ما هو السبب الذي جنب انتخابات هذا العام تلك الهجمات الدموية وغيرها من محاولات التلاعب في الأصوات؟ من ضمن التفسيرات التي يمكن تقديمها في هذا الصدد، والتي قدمتها بالفعل مجموعة" إنسايت كرايم" في أعقاب انتخابات"ميتشواكان" هو أن الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية تعد انتخابات أقل إغراءً وجاذبية للمجموعات الإجرامية مقارنة بانتخابات حكام الولايات، التي أشعلت شرارة حوادث العنف السابق الإشارة إليها. فولاية أعضاء الكونجرس في المكسيك تقتصر دستورياً على مدة واحدة فحسب، وهو ما لا يتيح لهم الوقت الكافي لبناء النفوذ السياسي الذي يمكنهم من العمل من وراء ستار، علاوة على أنهم لا يسيطرون على الشرطة بالطريقة التي يسيطر بها الأعضاء التنفيذيون من مختلف المستويات عليها.
يضاف لذلك أن الانتخابات الرئاسية بعيدة عن متناول معظم المجموعات الإجرامية. فمع وجود ما لا يقل عن 40 مليون ناخب، فإن هامش الفوز غالباً ما يكون كبيراً ويمكن أن يقدر بالملايين أو بمئات كثيرة من الألوف حتى في الانتخابات التي تشهد تنافساً حاداً، مما يعني أن التدخل عن طريق العنف الإجرامي لتغيير النتيجة النهائية لتلك الانتخابات أمر يتسم بدرجة كبيرة من الصعوبة.
علاوة على ذلك فإن الرئيس بحكم أهمية منصبه وما يتطلبه من حراسة مشددة ومراقبة، تجعل من إمكانية الوصول إليه أو الاتصال به أقل بكثير من مثيلتها لدى الحاكم. ويضاف لذلك سبب ثالث هو الاهتمام الإعلامي الذي يصرف اهتمام العصابات الإجرامية عن عقد صفقات مع الرئيس. فجلوس مبعوثين لمرشح رئاسي معين مع أعضاء من مجموعة " الكابو" على سبيل المثال، ينطوي على خطر كبير نظراً لاحتمال كشفه من أحد الصحفيين أو المصورين وهو ما يختلف عن انتخابات الحكام التي يكون فيها مستوى الاهتمام والمتابعة الإعلامية أعلى بكثير.
هذه العوامل كلها تدفع رجال المجموعات الإجرامية للاعتقاد أن شراء ذمة مرؤوس مسؤول عن الاضطلاع بعمل الشرطة في منطقة ما تنشط فيها هذه العصابة، أجدى نفعا، وأكثر أماناً، من محاولة التأثير على النتيجة النهائية لانتخابات رئاسية من خلال إرهاب الناخبين، أو تقديم الرشاوى للقائمين على العملية الانتخابية للتلاعب في الأصوات.
من ضمن التفسيرات الأقل تفاؤلاً لهدوء الموسم الانتخابي أن السياسيين قد باتوا أقل رغبة في مقاومة اتصالات ونفوذ المجموعات الإجرامية، وهو ما يؤدي إلى تقليص الحاجة لإرهابهم من قبل تلك المجموعات.
علاوة على ذلك فإن المجموعات الإجرامية قد توصلت – كما تشير دلائل كثيرة- لطريقة تتمكن من خلالها على نحو سري وغير ملحوظ من وضع يدها على كفة الميزان الانتخابي لتوجيهه حيثما تشاء، بدلاً من اللجوء لإطلاق النار على المرشحين أو إرهاب الناخبين، وذلك من خلال ممارسة نفوذها بعيداً عن الرقابة العامة.
على الرغم من أن ذلك قد لا يؤدي إلى رعب عام أو لأعمال عنف، إلا مثل هذا السيناريو -بكل تأكيد- لا يمثل نبأً طيباً للمكسيكيين، بل أنه في الحقيقة أبعد ما يكون عن ذلك.

باتريك كوركوران
باحث بمؤسسة «إنسايت كرايم» لتحليل الجريمة المنظمة بالأميركيتين

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا