الاتحاد

الرياضي

ألمانيا تكتب نهاية هادئة لقصة حلم رائعة

برلين: أكرم يوسف

إذا كانت انتصارات المنتخب الألماني خلقت حالة غير مسبوقة من حب الوطن، ووضعت العلم بألوانه الأسود والأحمر والأصفر في كل مكان، فإن الخسارة من إيطاليا في قبل النهائي وضياع حلم الفوز باللقب خلقت حالة أخرى نادراً ما تتكرر في ملاعب كرة القدم
لأن قصة الحب لم تنته واستمر الإعجاب والاحترام بين الجميع بين المدرب واللاعبين واتحاد الكرة والمدرب والمنتخب والجماهير والصحافة والمدرب·
وكأن شيئاً لم يحدث رغم قسوة الصدمة ومرارة الخسارة بعد أن عاش الجميع الحلم الجميل لمدة 25 يوما ولم تؤثر صدمة الخسارة على ردة الفعل بل ظل الجميع متماسكاً وهادئاً وطلب اتحاد الكرة من كلينسمان تحديد موقفه بسرعة بشأن تجديد عقده للاستمرار مدرباً للفريق، ولكنه طلب وقتاً للتفكير، وأعلن فرانز بيكنباور عن رغبته في استمرار كلينسمان لأنه أدى عملاً رائعاً، ووجه رئيس الجمهورية كولر رسالة إلى الفريق قال فيها:'' قدمتم صورة مشرفه وأصبح لدينا شكل جديد وكسبتم الكثير من الأصدقاء خارج ألمانيا وعندي ثقة في أنكم ستحققون إنجازا رائعا في بطولة أوروبا''
أما المستشارة أنجيلا ميركل فقالت: إن الحظ لم يحالفنا ولكن هناك مستقبلا كبيرا لهذا الفريق''·
ووزع اتحاد الكرة الألماني 100 ألف يورو لكل لاعب مكافأة التأهل للدور قبل النهائي ،وهى أكبر من المكافأة التي حصل عليها منتخب 2002 عندما خسر المباراة النهائية أمام البرازيل ووصلت إلى 71 الفاً و600 يورو لكل لاعب·
الجماهير التي ذرفت الدموع كثيرا طوال ليلة الخسارة لم تفقد أعصابها وهدوءها وقال لي أحد هؤلاء وبقايا الدموع في عينيه بعد المباراة:'' الآن لدينا فريقا قويا انتظرونا في 2010 ''·وسألني آخر كان يجلس في حديقة أمام محطة قطار دورتموند ويضع بجواره نسخة من الورق لكأس العالم بجواره على الأرض ويرتدي فانلة المنتخب الألماني:'' هل استمتعت بالبطولة؟ قلت له: نعم
عاد ليسألني مرة أخرى هل أعجبتك ألمانيا؟ قلت له نعم
فقال: هذا هو المهم وليس خسارة مباراة
سلوك هذا المشجع يعكس قمة التحضر في التعامل مع الخسارة على مستوى الجماهير وفي لحظة الانفعال والغضب، وأهم شيء بالنسبة له أن العالم يخرج بانطباع جيد عن بلاده ويستمتع بالبطولة حتى وأن خسر فريقه، فالجماهير تتعامل مع الرياضة على أنها فوز وخسارة وتهيئ نفسها في كل مباراة للتعامل مع اية نتيجة، وبعد انتهاء المباراة مباشرة لم تغادر الجماهير مقاعدها سريعاً بل ظلت في أماكنها حزينة لا تصدق ما حدث
ونزل كلينسمان إلى أرض الملعب ولاعبو الفريق في قمة التأثر بعضهم يبكي والبعض الآخر يعتصره الألم وفي حالة انهيار وطلب منهم القيام لتحية الجماهير، وبالفعل قاموا بالطواف حول الملعب وكأنهم يسيرون في جنازة عسكرية والجماهير الغاضبة تصفق لهم بكل حماس ودون انقطاع حتى غادروا غرفة الملابس لأن الجميع كان على قناعة تامة بأن الفريق أدى ما عليه في حدود قدرات لاعبيه وقوة المنافس الذي خسر أمامه ولم يدخر أي منهم جهدا طوال 120 دقيقة، وبالتالي كانت هناك واقعية في التعامل مع الخسارة رغم حالة التفاؤل التي سادت منذ بداية البطولة على مستوى الجماهير ووسائل الإعلام واللاعبين والمدرب وظهرت في المدرجات لافتات كتب عليها:'' شكراً أيها الشباب، شكراً كلينزي، شكراً فرانز ''·
أين الغضب
وبعد خروج المنتخب الألماني من نصف النهائي توقعنا عاصفة من الغضب في المدرجات والشارع ووسائل الإعلام واتحاد الكرة لأن المنتخب الألماني صاحب الأرض ووصيف البرازيل في كوريا واليابان 2002 ويضع ثلاثة نجوم فوق صدره من ثلاث بطولات للمونديال وتضاعفت جرعات التفاؤل بعد خروج الأرجنتين والبرازيل وانجلترا وهولندا وباتت كل الطرق تؤدي إلى برلين وإذا بالفريق لا يصل حتى للمباراة النهائية في ظل كل هذه الظروف·
حالة تفاؤل
ولم يكن أحد قبل مباراة إيطاليا في ألمانيا بداخله ذرة شك أن الفريق لن يفوز بكأس العالم ،لأن الأداء في المباريات الخمس التي لعبها كان يرتفع وتجاوز منتخبات كبيرة مثل السويد في الدور الثاني والأرجنتين في ربع النهائي، وهيأت وسائل الإعلام الرأي العام للقب الرابع بالعناونين الوطنية والكلمات الحماسية وقالت صحيفة بيلد في عنوانها الرئيسي صباح يوم مباراة الأرجنتين:''ماذا سنأكل اليوم مع المعكرونة'' وفي ملحق الرياضة عنوان آخر يقول شبابنا ينظفون البيتزا الإيطالية من المونديال اليوم'' وكتبت كلمة وداعاً بالإيطالية'' ارفيديتشي''·
وقبل المونديال تسابقت مجلات الكاريكاتير والكتب في وضع سيناريوهات الفوز بالبطولة ،وقال كلينسمان في كتاب كيف نصبح أبطالاً للعالم ''نعم ممكن أن نفوز باللقب
وتساءلت صحيفة أخرى قبل أيام: ''خرجت الأرجنتين، خرجت البرازيل، خرجت إنجلترا من يكون بطل العالم ؟ ووضعت صورة للمنتخب الألماني وهي تحمل بالطبع الإجابة !
ورغم سعادة الجميع بالتفاؤل طوال أيام البطولة وهذا الشحن الإعلامي والجماهيري إلا أن الواقعية لم تغب لحظة وكان الجميع يدرك جيداً أن المنتخب صغير السن وليس في وضع يؤهله للفوز بالمونديال نظراً لقوة المنتخبات الأخرى ولكن ارتفاع الحس الوطني في الشارع الألماني مع المساندة الجماهيرية والدعم الإعلامي كان بمثابة أقراص من الثقة تساعد اللاعبين على بذل أقصى جهد والقتال حتى آخر دقيقة، رغم أن الجميع يدرك أن منتخب إيطاليا الأقوى حيث فاز قبل أربعة أشهر بالأربعة على ألمانيا إلا أن الجماهير ذهبت لملعب دورتموند لتحتفل وقالت الجريدة الأوسع انتشاراً: إن شبابنا ينظفون البيتزا الإيطالية البوم·'' وأقسم كلينسمان أن الطليان لن يهزموا ألمانيا·
وبالتالي عندما وقعت الخسارة لم تحدث ثورة من الغضب ويخرج اوليفر كان ليتهم المدرب بأنه وراء الفشل، ولا اتحاد الكرة أقال المدرب بل طالب بتجديد عقدة، ولم يطالب أعضاء البرلمان الألماني بعقد جلسة طارئة لمناقشة أسباب الخسارة، ولم تلق الجماهير الزجاجات على اللاعبين وتتهم بعدم الولاء، ولم يعلن كلينسمان أن الصحافة هي التي خدرت الفريق بالمبالغة في التفاؤل قبل وبعد كل مباراة·
وإذا حدث أي من هذا لن يكون غريباً لأن في النهاية ألمانيا هي التي خسرت أحد القوى العظمي في كرة القدم ووصيف مونديال 2002، وكانت أمامها فرصة تاريخية على أرضها ووسط جماهيرها للفوز باللقب الرابع بعد خروج البرازيل والأرجنتين، والتأهل للدور قبل النهائي الذي تأهلت له كوريا وتركيا البطولة الماضية ليس إنجازاً لدولة مثل ألمانيا·
ولكن لم يحدث أي شيء من هذا وكانت نهاية ''قصة الحلم'' حضارية وموضوعية وهادئة في قمة لحظات الانفعال والغضب ولم يمزق أحد ملابس الآخر لأن الرصاصة أصابت قلب الشعب بأكمله، والجميع يدرك أن كل فرد من أفراد الفريق أدى ماعليه في حدود قدراته ولم يكن هناك تخاذل أو ضعف لياقة أو تواضع تكتيك ولكن هناك فريقا آخر أقوى منك وعليك أن تتقبل الخسارة بنفس الطريقة التي تقبلت بها الفوز في المباريات الخمس الماضية·
وفي الحقيقة كنت أتصور أن كلمة'' التمثيل المشرف'' موجودة فقط في قاموس الرياضة العربية، ولكن اكتشفتها هنا بعد خسارة المنتخب الألماني حيث كانت كل عناوين الصحف تشيد بالأداء البطولي الذي قدمه الفريق أمام إيطاليا رغم خسارته بهدفين·
وقالت صحيفة ''سبورت برلين '' اليومية في عنوان الغلاف:'' قاتلتم سحرتهم وخسرتهم ·· خسرتم ومع ذلك أبطال''·
أما عنوان صحيفة برلين تسويتنج ''فكان الأكثر تأثيراً حيث وضعت صورة لجماهير تبكي وكتبت عليها:'' ليلة الدموع ''وقالت :'' الخسارة 2- صفر اغتالت الحلم، في الدقيقة الأخيرة وبينما كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة و62 دقيقة أسقط الطليان الحلم الألماني وصدرت عاصفة من الحزن من مليون شخص تجمعوا في ساحة المشاهدة ببرلين، وكانت الدموع والعناق بين من يعرفون بعضهم البعض ومن لا يعرفون بعض، لقد مات الحلم ،وذهب ولكن في هذا اليوم فازت ألمانيا بالفخر''·
أما صحيفة بيلد فقالت في عنوانها: خسارة ياشباب، قاومتم مثل أبطال العالم''
كما نشرت صورة أخرى للمدرب يورجن كلينسمان وهو يضع يده على وجهه وعنواناً يقول:'' كلنا نبكي معك''·
وقالت الصحيفة إن حلم ألمانيا الذي كان جميلاً ورائعاً أنفجر، والأسوأ أن نلعب على المركز الثالث، لا نريد أن نعتب على كلينسمان وأفراد الفريق لأنهم قدموا مالديهم وفي النهاية كان هناك فريق أفضل وهو المنتخب الإيطالي ولكن ما ظهر في الأيام الأخيرة سيبقى· لأن الألمان اكتشفوا من جديد حبهم لبلدهم ولمنتخبهم· سيبقون كذلك في المستقبل طالما هذا المنتخب موجود·· شكراً على هذه العجائب التي قد موتها لنا''·
ألمانيا قفزت فوق المونديال ولم تستهلك وقتاً طويلاً في تبادل الاتهامات وبدأت تعد خطة الفوز ببطولة الأمم الأوروبية 8002 بنفس المدرب والفريق ولكن بحلم جديد وحماس أكبر ولذلك طلبت من كلينسمان سرعة تحديد موقفة إذا كان سيستمر أم لا للبدء في تنفيذ برنامج 8002 حيث ستكون أول مباراة في التصفيات أمام ايرلند في سبتمبر المقب

اقرأ أيضا