القاهرة (الاتحاد) هنا.. عند البطل المصري محمد إيهاب، الحائز ميدالية برونزية في منافسات رفع الأثقال بأولمبياد ريو دي جانيرو … لا شيء.. يؤدي إلى شيء طريق طويل يبدو أحياناً بلا نهاية وخيبات أمل تقود لليأس أكثر ما تقود إلى أمل أقصى ما لديهم أمنيات.. يكتبونها على الحائط الطريق إلى المدينة الصناعية بمدينة الفيوم المصرية حيث يسكن إيهاب.. يحتاج إلى ثلاث ساعات تقريباً، نصفها داخل مدينة الفيوم نفسها، للبحث في دروبها وحواريها وشوارعها الضيقة عن مسكن إيهاب، ولأنه كان يعلم أن الوصول إليه صعب، فقد انتظرنا قريباً من بيته، حيث قادنا في الشوارع الضيقة إلى حيث يسكن. أما أين يسكن، فلا يمكنك تصور المكان، ولا لدى الكلمات قدرة على تصويره، وربما لا تستطيع ذلك الصور.. هي بناية من أبنية الإسكان الاجتماعي.. يعيش فيها الناس متجاورين في غرف ضيقة.. البلكونة التي يطلون منها واحدة بامتداد كل الشقق، ويطلون منها على المخلفات وانبعاثات الصرف الصحي. الحديث مع إيهاب، كان عفوياً ربما أكثر مما ينبغي، لأنه ليس وحده من يتكلم ولا أمه، وإنما الظروف واليأس والإحباط، وضيق ذات اليد.. هناك في شقة الأسرة وهي من غرفتين، تطالع دونما تفاصيل قصة التحدي، التي أخذت إيهاب إلى البطولة، رغم أن ما حوله، ليس سوى مؤهلات لتخريج بائع في متجر أو عامل باليومية أو موظف بسيط. تحدث إيهاب عن مسيرته وأحضر لنا عشرات الميداليات التي اقتنصها في رحلة البطولة، لكنه طوال الحوار معه، لم ينس أخاه الصيدلي، الذي توفي وهو في ريعان الشباب، تاركاً 75 ألف جنيه «نحو 6 آلاف دولار»، هي التي أحيت أحلامه، وساعدته على استكمال المشوار مع اللعبة، خاصة أن الأب رحل منذ سنوات. أقصى أماني إيهاب قبل الأولمبياد، كان العمل بأحد مراكز «الجيم» في دبي، وكان له صديق وعده بالبحث له عن فرصة العمل تلك. عن الرحلة، يقول محمد إيهاب: بدأت مسيرتي منذ ثماني سنوات تقريباً، وكان عمري وقتها 18 عاماً، وفي عام 2008 بدأت بوادر الحلم، لكن زميلاً لي تفوق علي في التجارب، وفي عام 2012 حدثت مشكلة المنشطات وتوقفت عامين رغم أنها كانت مكملات غذائية، ولأن البلاد كانت في مرحلة من عدم وضوح الرؤية في كل شيء، فقد كان الإيقاف محلياً، وعلى الصعيد الدولي لم يحدث لي شيء، بعدها كانت العودة بإنجازات في بطولة العالم، وأخيراً برونزية ريودي جانيرو. وعن مجموع ميدالياته، إضافة إلى الميدالية الأولمبية، قال إنها عبارة عن 9 ميداليات في بطولات عالم كبار وناشئين و6 ذهبيات أفريقية ومثلها عربية، إضافة إلى عدد كبير من الميداليات المحلية. أضاف أن كل ذلك تحقق في ظروف لا يمكن أن تقود إلى شيء من هذا، فالتدريب في الفيوم، في قاعات متهالكة، تفتقد لأية إمكانيات، مشيداً بجهود مدربه الذي رحل بعد الأولمبياد مباشرة الكابتن صبري عويس، الذي كان خير عون له في رحلة التحدي، وقال: لو كانت هناك إمكانيات، لكان سهلاً جداً أن أحقق الذهبية في جانيرو. وحول آخر مكافأة تلقاها من وزارة الشباب والرياضة المصرية، قال إنها كانت عن ثلاث ميداليات ببطولة العالم في 2014، وكان من المفترض أن يحصل على 400 ألف جنيه، لكن المبلغ أصبح 185 ألفاً بعد خصم الضرائب والمصروفات، كاشفاً عن أن الإنجاز الثاني بربع الثمن، بمعنى أن مكافأة الميدالية الثانية، ربع مكافأة الأولى. وقال: توقعت بعد الميدالية الأولمبية أن يتغير الحال ونعيش مستوى أفضل وأن أرد الجميل إلى أهلي، لكن لا جديد حتى الآن، ومكافأة الميدالية الأولمبية لم أتقاضاها، كما لم أحصل على مكافأة ميداليتين فضيتين، حققتهما في بطولة العالم، العام الماضي، وللآن أحلم بالسكن في شقة ببناية «فيها أسانسير» من أجل أمي التي تعاني للصعود إلى شقتنا المتهالكة، ولكن يبدو أن الشقة حلم كبير وصعب، فقد طلبتها من محافظ الفيوم، ورد بأنها ليست من اختصاصه، وعندما طلبت إطلاق اسمي على شارع أو ميدان، قال إنها جميعاً «مسماة». إيهاب، يعمل حالياً موظفاً بشركة الكهرباء، وهو خريج كلية التربية الرياضية، ويحصل على أجر شهري 1800 جنيه «نحو 150 دولاراً»، ويعيش في شقته، مع والدته وشقيقه شوقي الذي يعد بالحصول على ميدالية في رفع الأثقال أيضاً، في أولمبياد 2018، تحت 17 سنة. الحديث مع أم محمد إيهاب مختلف، فهي أم بعيداً عن الميداليات والإنجازات، كل ما يعنيها ابنها الذي تريد أن تؤمن له حياة لائقة تكفيه الحاجة، وتعوضه أيام الحرمان. أم محمد إيهاب، تفاخر بأنها بعد أن حقق ابنها إنجازه الكبير في أولمبياد ريو دي جانيرو، «اشترت له دولاب» ليضع فيه ميدالياته، بدلاً من وضعها في أكياس بجوار التلفزيون، ولأنها تريد أن تفرح بابنها، فإنها تستعد لـ «عمل جمعية علشان تزوجه»، مع جاراتها في العمارة التي تقطنها الأسرة بالفيوم. وتقول: «طول عمر محمد وهو غاوي اللعبة»، ووالده كان لاعباً دولياً فيها ثم حكم درجة أولى، وقبل أن يموت والده، توقع له ميدالية أولمبية، ومن أجل ذلك ضحى إخوته بكل شيء وبعضهم ترك اللعبة ليواصل محمد مشواره. وتعرب والدة البطل المصري عن حزنها لأوضاع ولدها رغم ما حققه، فابنها ليست لديه شقة ولا سيارة ولا هو متزوج، والمكافأة التي أعلنت الدولة المصرية عن رصدها للأبطال والبالغة 500 ألف جنيه لم تصرف للآن، وحتى لو صرفوها، فهي لا تكفي لشيء.. كانت زمان تشتري «برج»، والآن لا تكفي ثمناً لشقة. خرجنا من عند محمد كما ذهبنا.. أصر على توصيلنا للطريق حتى لا نتوه.. المدهش أنه طوال الرحلة لم تفارقه ابتسامته.. أكد أن حب الناس هو الجائزة وأعظم ما في الكون.. كان مفعماً بالرضا.. ربما الجائزة أنه نجا من مصير الكثيرين حوله في هذا الواقع الغريب.. الميدالية أنه انتصر على الظروف.. البطولة أنه بات ما هو عليه.. أما أن «يلعب الزهر» أم لا، فهذا كلام للأغاني فقط. «الطفلة اليتيمة» التي أعادت كتابة تاريخ المصارعة العربية مروة العامري من «مركز إيواء الأيتام» إلى بطلة أولمبية تونس (الاتحاد) مروة العامري.. أعادت كتابة التاريخ في أولمبياد ريو دي جانيرو، أهدت تونس برونزية وزن 58 كيلو جراما، وأصبحت أول عربية تفوز بميدالية أولمبية في مصارعة السيدات. وراء نجاحها رحلة طويلة من التحدي والكفاح.. وخلف أبتسامتها قصص من الشقاء والمعاناة، حيث واجهت ظروف عائلية شديدة الصعوبة وتحولت من طفلة بائسة، إلى بطلة عالمية، وسطرت أروع الإنجازات من رحم المعاناة في مفاجأة لم يتوقعها اقرب الناس إليها. لم يكن طريق البطلة التونسية مفروشاً بالورود، حيث عانت الأمرين في طفولتها إذ فقدت والدها الذي وافته المنية عام 2000، وهي لم تتجاوز الحادية عشرة، وتتذكر قائله: «كانت فاجعة كبرى، لقد فقدنا عزيزا كان يوفر قوت العائلة المكونة من أم وولدين وبنتين، كنت صغيرة في ذلك الوقت كي أستوعب أن الأمور انقلبت رأسا على عقب، وبات الفقر يداهمنا من كل حدب وصوب خاصة أن أمي لم يكن لديها مصدر زرق ولا عمل يكفي لإطعام الأفواه الصغيرة الجائعة». بدأت الأم تبحث عن مصدر لإعالة صغارها ووجدت عمل بعض الوقت في المرفأ البحري الموجود بمدينة رادس الواقعة جنوب العاصمة تونس، لكن المصاريف اليومية كانت أكبر من دخلها، فاضطرت مروة للالتحاق بمركز النهوض ورعاية الأطفال حيث يتكفل بكافة مصاريف إقامتها ودراستها. والالتحاق بالمركز المخصص للأطفال الأيتام كان بمثابة نقطة تحول في حياة البطلة التونسية، فهذا المركز يوجد به صالة رياضة صغيرة لرياضة المصارعة، فقررت الانضمام للتدريبات المخصصة في هذه الصالة لقضاء وقت فراغها، ومن تلك القاعة الصغيرة بدأت مسيرتها الرياضية. وتقول مروى: «في البداية لفت انتباه المدرب الذي تولى تعليمي أصول المصارعة وأبدى إعجابه بمهاراتي وموهبتي وشجعني كثيرا على المضي قدما في ممارسة هذه الرياضة، وهو ما حدث بالفعل حيث قررت عدم الانقطاع أبدا عن تعلم أصولها ومبادئها وتحسين مستواي». وكانت نقطة التحول الثانية في مشوارها عندما انقطعت عن الدراسة بسبب الظروف الاجتماعية القاسية وتحول كافة تركيزها إلى التدريب أملا في صقل موهبتها وتطوير مستواها لعلها تنجح في مساعدة أمها عبر ممارسة الرياضة في إعالة بقية أفراد عائلتها. ومع مرور السنوات بدأ اسمها يسطع محليا ونالت العديد من البطولات والألقاب المحلية، قبل أن تنال شرف الانضمام للمنتخب التونسي للمصارعة النسائية، ودخلت بذلك مرحلة هامة في مسيرتها الرياضية بما أنها شاركت في عدة بطولات ودورات إقليمية ودولية، وفازت ببطولة إفريقيا 9 مرات، وتألقت في دورتين متتاليين لألعاب البحر المتوسط، قبل أن يسطع نجمها في منافسات بطولة العالم حيث أحرزت ميدالية برونزية، فتحت لها الباب للمشاركة في الألعاب الأولمبية 2012 بلندن، وفي تلك الدورة حلت الثامن في الترتيب العام. تحملت مروة العامري كثيرا، وبذلت جهداً كبيراً من أجل تطوير مستواها، ومرت أربع سنوات وجاء موعد أولمبياد ريو لتدخل من الباب الواسع عالم الكبار، وتقف على منصة التتويج في المصارعة الحرة وزن 58 كجم، وتحصد ثمار عمل دؤوب وجهد متواصل وتعب سنوات طويلة حسب تأكيداتها. وتقول مروى: «كنت أتوقع أن أنال شرف التتويج بميدالية أولمبية، بل كان هدفي الأول هو الحصول على فضية أو ذهبية، غير أن القرعة في الأولمبياد لم تكن رحيمة معي ووضعتني في مواجهات صعبة للغاية وحامية الوطيس، أحمد الله أنني وفقت في الوصول إلى هدفي بعد صبر وتضحيات كبيرة للغاية قدمتها». وتؤكد أن حلمها وهدفها المقبل هو التربع على العرش عالميا وأولمبيا قائلة: «لقد بدأت منذ يوم عودتي إلى تونس من البرازيل التحضير للموعد الأولمبي المقبل في طوكيو، طموحاتي كبيرة ومستواي الحالي وكذلك عمري يسمحان لي بأن أضع التتويج بالذهب في الأولمبياد المقبل نصبا عيني، سأعمل جاهدة ولن أتوقف أبدا حتى أحقق هذا الحلم الذي لا يبدو صعب المنال». وأكدت أن الظروف القاسية التي مرت بها سواء في حياتها العائلية أو الرياضية لم تمنعها من الإصرار والتحدي حتى تحقق أهدافها وأحلامها، وتضيف قائلة: «ظروف التدريبات كانت قاسية بسبب قلة عدد الصالات والتجهيزات الرياضية التي لا تفي بالغرض، وكادت مسيرتي تتوقف في أكثر من مرة وتدفعني إلى الانقطاع عن ممارسة المصارعة مثل العديد من الفتيات، هذا الأمر صعب وضعي كثيرا حيث وجدت نفسي أثناء فترات طويلة من التحضير في تونس للتدرب مع المصارعين المنتمين لمنتخب الرجال لأنه لا يوجد لاعبة أخرى ضمن المنتخب النسائي في نفس وزني». وشددت مروى على أن هناك تهميش ملحوظ لأغلب الرياضات الفردية في تونس بدليل عدم وجود صالات بالشكل المطلوب، وكذلك غياب الدعم والرعاية الضرورية للمساعدة في تألق الأبطال، . وأضافت: «لو كانت الظروف ملائمة لبرزت الرياضات الفردية أكثر، فتونس أرض خصبة تنجب رياضيين موهوبين، لكن للأسف الشديد تمنعهم الظروف القاسية غالبا من مواصلة نشاطهم الرياضي والوصول إلى العالمية. تبدو مروة العامري صناعة محلية حيث تدرب في معظم الأوقات في تونس رغم شاركت أحيانا في بعض المعسكرات التدريبية خارج بلادها في أوقات متباعدة وفي فترات لم تتجاوز الشهرين، وفي حديثها عن برنامج تحضيراتها الخاصة للأولمبياد الأخير تؤكد البطلة التونسية أنها كانت تقضي الساعات الطوال في التدريب سواء كانت في تونس أو خارجها، لكنها بالتوازي مع ذلك شددت على أن غياب البرمجة الدقيقة جعلها من أقل الرياضيين التونسيين في الألعاب الأخرى أو مقارنة بباقي منافساتها في الأولمبياد تحضيرا، مشيرة إلى ركزت جهودها ودخلت مرحلة التركيز التام والتحضير الحاسم قبل شهرين فقط من موعد الألعاب الأولمبية الأخيرة ويعود ذلك لعدة أسباب من بينها تعرضها لإصابة حادة. ويقول مدربها التونسي زهير الصغير: «مروة كانت متفوقة منذ البداية، فموهبتها وجديتها الكبيرة في العمل وصبرها كلها عوامل ساعدتها على الوصول إلى المستوى العالمي رغم قلة الإمكانات وضعف الموارد المخصصة للمصارعة في تونس كما أن قوة شخصية مروة التي تحدت المشاكل العائلية والإصابات المتتالية كان سلاحها الوحيد في الأولمبياد، وتتويج مروة العامري هو تتويج للمصارعة التونسية ككل لأن هذه الرياضة تضم عدة رياضيين موهوبين وبارعين كانوا سيفرضون سطوتهم في المحافل الدولية لو توفرت لهم كافة مستلزمات التحضير الملائم، قائلا في هذا السياق: «الموهوبة موجودة لكن الاهتمام مفقود في بلادنا». وأضاف: «المصارعة هي رياضة الأحياء الشعبية والطبقات الفقيرة، وتتطلب بذل الكثير من الجهد والصبر والرجولة، لكن تتطلب أيضا العناية والاهتمام والرعاية، لو خصص جزء صغير للغاية من الميزانية المرصودة لكرة القدم في تونس ورصدها للمصارعة، أضمن أن يبرز أربعة أو خمسة أبطال مثل مروة العامري، خاصة لو تم تشييد قاعة رياضية ثانية مختصة في المصارعة وتخصيصها للمنتخبات الوطنية التي يتدرب جميع أفرادها في قاعة وحيدة وفي توقيت وحيد». ضحَّى بوظيفته من أجل حلم الذهب فهيد الديحاني: سرقوا فرحتي في أسعد لحظات حياتي الكويت (الاتحاد) «في الكويت وجدتُ نفسي أمام حالة مختلفة تماماً عما شاهدته في مصر وتونس والمغرب والأردن والسودان، هنا البطل لا تنقصه الإمكانيات.. ولا يفتقر إلى الرؤية، ولكن الصراعات الداخلية والخارجية مع اللجنة الأولمبية الدولية لا تساعد على النجاح والفوز بميدالية في بطولة عربية وليس ألعاب أولمبية»، ولكن الرامي فهيد الديحاني كان لديه حلم وضحَّى بوظيفته من أجل تحقيقه، وتفرغ له ونجح في النهاية ونال ذهبية رماية الدبل تراب في ريو دي جانيرو 2016، لكن فرحته لم تكتمل بعد أن رفع العَلم الأولمبي وليس الكويتي. وأكد فهيد الديحاني البطل الأولمبي الكويتي أن إنجازه لم يكن عادياً، لأن مهمة البحث عن ذهبية «ريو» بدأت منذ 16 عاماً عندما حصل على برونزية سيدني 2000، ثم أعقبها ببرونزية ثانية في لندن 2012. وقال: المنطق يقول إنني كان من المفترض أن أحقق 7 ميداليات لا ثلاثاً فقط في الـ16 عاماً الماضية، لكن الواقع يردّ متألماً بأنني تعرضتُ للعديد من المشكلات والعراقيل، وتوقفت عن ممارسة الرماية لمدة 4 سنوات لخلافي مع اتحاد اللعبة الكويتي، وحُرمت من المشاركة في أولمبياد بكين، حتى أعادني للعبة من جديد الشيخ سلمان الحمود عام 2010 عندما كان رئيساً لاتحاد الرماية. وعن قصة الميدالية الذهبية في «ريو» يقول: كان إعدادي للأولمبياد شاقاً، وكنت أتدرب 8 ساعات يومياً، منها 5 ساعات للإعداد الفني، و3 ساعات للثقافة والبحث والاطلاع والقراءة لكل ما هو مفيد لي في اللعبة في جوانب التغذية، والإعداد النفسي، ورفع معدل التركيز، وأيضاً ما يتعلق بالمنافسين وأرقامهم، وأساليب التدريب والميادين وغيرها من هذه الأمور، وبذلك كنت أقوم بعمل مؤسسة متكاملة تضم معدِّين بدنيين، وفنيين، وباحثين في مجالات الصحة النفسية والتغذية. وقال: البطل الرياضي العربي مظلوم في الكثير من الأمور عند مقارنته بالبطل المنافس له في أوروبا أو أميركا أو حتى بعض البلدان في آسيا، خصوصاً في جانب توفير الدعم، وربما يكون البلد العربي الوحيد المهتم بدعم الرياضيين هو قطر من خلال وجود مركز إعداد متقدم، ولكن هناك يفتقرون إلى كثير من النواحي التي تصنع البطل. وعما إذا كان قد فكر في الاعتزال بعد العودة من ريو دي جانيرو، قال: فكرتُ في الاعتزال، فالوضع الرياضي الكويتي متأزم وليس هناك أمل للخروج من الأزمة، والأمور كلها سلبية في الكويت وتم تجميد عضويتنا في اللجنة الأولمبية الدولية، ومن هنا شعرت بالإحباط، ولكن أصدقائي وزملائي يرفضون فكرة اعتزالي إلا أنني ما زلت أفكر في هذه الخطوة. وعن قيمة الإنجاز الذهبي في ريو دي جانيرو يقول: رغم أنني حققت ذهب «ريو» في ظروف معاكسة وحزينة بالنسبة إلى الرياضة الكويتية، فإنها أهم إنجاز في حياتي، وعلى الرغم من أنها لم تُنسب إلى الكويت بلدي الحبيب، فإن أحداً لا ينكر أنني انتزعتها انتزاعاً، وكان فيها طعم التحدي، بعد أن تعرضت للحرب من داخل الكويت وخارجها، ومن أمثلة تلك الحروب والهدم الممنهج في رياضتنا الكويتية أنني تلقيتُ قبل سفري إلى البرازيل بيومين فقط خبراً سيئاً، يفيد بأن الحكومة لا تعترف بالأولمبياد ولا بأي إنجاز فيه، وأنه لن يكون هناك تقدير أو تكريم لأي بطل، إلى هذه الدرجة وصلت الحرب على الرياضة في الكويت! وأنا أقولها بأعلى صوتي «إن أزمة الرياضة لدينا سببها صراعات شخصية عمياء، وإن الرياضة والدولة هي الضحية في النهاية». وتساءل: ماذا تشعر عندما تُسرق منك الفرحة وأنت في أسعد لحظة في حياتك؟ لقد حدث هذا معي، فعند التتويج في مدينة ريو دي جانيرو شعرتُ بالإحباط وخيبة الأمل لعدم رفع عَلم بلادي، وشعرت أيضاً بغصة في حلقى، وضيق في صدري، وكدتُ أصل إلى حد البكاء، ولكن تماسكت لأن الإنجاز الرائع تحقق بذكر اسمي مقروناً باسم الكويت، ويكفي أن أقول إن الصراع الأعمى طمس عَلم بلادي وحرم شعبها من عزف سلامها الوطني في أكبر تظاهرة رياضية في العالم. وعن خلاصة تجربته في كيفية صناعة البطل الأوليمبي يقول فهيد: لا بد للرياضي المحترف أن يضع لنفسه هدفاً واضحاً يسعى إليه كل يوم، وبخبراتي المتواضعة أقول «عليك أن تكتب أهدافك وتضعها أمامك، في محفظتك أو أمام مرآتك، وما تحققه اشطبه لترى ما بعده، لأن المشوار طويل وصعب»، وبالنسبة إليّ فقد ضحَّيت بوظيفتي من أجل الرياضة، حيث كنت ضابطاً وتقاعدت لأتفرغ للرماية. ومن المهم للرياضي أن يطور نفسه بالعلم والثقافة والاطلاع، وأن يستفيد من كل المدربين وكل من لديه خبرة في أي علم من العلوم يمكن تسخيره لخدمة الرياضة، وشخصياً تعلمتُ من الآخرين بلا خجل، فمثلاً كان في الكويت في التسعينيات مدرب للناشئين، فيلبيني الجنسية، وتعلمت منه الكثير رغم أنني كنت وقت لقائي معه حاملاً للرقم العالمي، وأهم ما علمني هو التركيز الكامل والسيطرة على النفس عن طريق التحكم في ضربات القلب بالرفع والخفض من خلال تجربة علمني إياها بوساطة قلم، وكان لذلك له تأثير كبير على إنجازاتي التي تحققت في ما بعد. وعن الأشخاص الذين يَدين لهم بالفضل في مسيرته مع الرياضة قال: أَدين بالفضل للشيخ سلمان الحمود الذي ساندني وأعادني إلى الرماية بعد ابتعادي 4 سنوات، وأقول إن الشكر له، والمجد الذي حققته يستحق أن يكون شريكاً لي فيه، وأن الخذلان للجنة الأوليمبية الكويتية. .. وأم إيهاب: اشتريت لابني دولاباً.. بعد ما رجع من البرازيل إن شاء الله.«ها عمل جمعية لابني وأزوجه» القاهرة (الاتحاد) هنا.. عند البطل المصري محمد إيهاب، الحائز ميدالية برونزية في منافسات رفع الأثقال بأولمبياد ريو دي جانيرو … لا شيء.. يؤدي إلى شيء طريق طويل يبدو أحياناً بلا نهاية وخيبات أمل تقود لليأس أكثر ما تقود إلى أمل أقصى ما لديهم أمنيات.. يكتبونها على الحائط الطريق إلى المدينة الصناعية بمدينة الفيوم المصرية حيث يسكن إيهاب.. يحتاج إلى ثلاث ساعات تقريباً، نصفها داخل مدينة الفيوم نفسها، للبحث في دروبها وحواريها وشوارعها الضيقة عن مسكن إيهاب، ولأنه كان يعلم أن الوصول إليه صعب، فقد انتظرنا قريباً من بيته، حيث قادنا في الشوارع الضيقة إلى حيث يسكن. أما أين يسكن، فلا يمكنك تصور المكان، ولا لدى الكلمات قدرة على تصويره، وربما لا تستطيع ذلك الصور.. هي بناية من أبنية الإسكان الاجتماعي.. يعيش فيها الناس متجاورين في غرف ضيقة.. البلكونة التي يطلون منها واحدة بامتداد كل الشقق، ويطلون منها على المخلفات وانبعاثات الصرف الصحي. الحديث مع إيهاب، كان عفوياً ربما أكثر مما ينبغي، لأنه ليس وحده من يتكلم ولا أمه، وإنما الظروف واليأس والإحباط، وضيق ذات اليد.. هناك في شقة الأسرة وهي من غرفتين، تطالع دونما تفاصيل قصة التحدي، التي أخذت إيهاب إلى البطولة، رغم أن ما حوله، ليس سوى مؤهلات لتخريج بائع في متجر أو عامل باليومية أو موظف بسيط. تحدث إيهاب عن مسيرته وأحضر لنا عشرات الميداليات التي اقتنصها في رحلة البطولة، لكنه طوال الحوار معه، لم ينس أخاه الصيدلي، الذي توفي وهو في ريعان الشباب، تاركاً 75 ألف جنيه «نحو 6 آلاف دولار»، هي التي أحيت أحلامه، وساعدته على استكمال المشوار مع اللعبة، خاصة أن الأب رحل منذ سنوات. أقصى أماني إيهاب قبل الأولمبياد، كان العمل بأحد مراكز «الجيم» في دبي، وكان له صديق وعده بالبحث له عن فرصة العمل تلك. عن الرحلة، يقول محمد إيهاب: بدأت مسيرتي منذ ثماني سنوات تقريباً، وكان عمري وقتها 18 عاماً، وفي عام 2008 بدأت بوادر الحلم، لكن زميلاً لي تفوق علي في التجارب، وفي عام 2012 حدثت مشكلة المنشطات وتوقفت عامين رغم أنها كانت مكملات غذائية، ولأن البلاد كانت في مرحلة من عدم وضوح الرؤية في كل شيء، فقد كان الإيقاف محلياً، وعلى الصعيد الدولي لم يحدث لي شيء، بعدها كانت العودة بإنجازات في بطولة العالم، وأخيراً برونزية ريودي جانيرو. وعن مجموع ميدالياته، إضافة إلى الميدالية الأولمبية، قال إنها عبارة عن 9 ميداليات في بطولات عالم كبار وناشئين و6 ذهبيات أفريقية ومثلها عربية، إضافة إلى عدد كبير من الميداليات المحلية. أضاف أن كل ذلك تحقق في ظروف لا يمكن أن تقود إلى شيء من هذا، فالتدريب في الفيوم، في قاعات متهالكة، تفتقد لأية إمكانيات، مشيداً بجهود مدربه الذي رحل بعد الأولمبياد مباشرة الكابتن صبري عويس، الذي كان خير عون له في رحلة التحدي، وقال: لو كانت هناك إمكانيات، لكان سهلاً جداً أن أحقق الذهبية في جانيرو. وحول آخر مكافأة تلقاها من وزارة الشباب والرياضة المصرية، قال إنها كانت عن ثلاث ميداليات ببطولة العالم في 2014، وكان من المفترض أن يحصل على 400 ألف جنيه، لكن المبلغ أصبح 185 ألفاً بعد خصم الضرائب والمصروفات، كاشفاً عن أن الإنجاز الثاني بربع الثمن، بمعنى أن مكافأة الميدالية الثانية، ربع مكافأة الأولى. وقال: توقعت بعد الميدالية الأولمبية أن يتغير الحال ونعيش مستوى أفضل وأن أرد الجميل إلى أهلي، لكن لا جديد حتى الآن، ومكافأة الميدالية الأولمبية لم أتقاضاها، كما لم أحصل على مكافأة ميداليتين فضيتين، حققتهما في بطولة العالم، العام الماضي، وللآن أحلم بالسكن في شقة ببناية «فيها أسانسير» من أجل أمي التي تعاني للصعود إلى شقتنا المتهالكة، ولكن يبدو أن الشقة حلم كبير وصعب، فقد طلبتها من محافظ الفيوم، ورد بأنها ليست من اختصاصه، وعندما طلبت إطلاق اسمي على شارع أو ميدان، قال إنها جميعاً «مسماة». إيهاب، يعمل حالياً موظفاً بشركة الكهرباء، وهو خريج كلية التربية الرياضية، ويحصل على أجر شهري 1800 جنيه «نحو 150 دولاراً»، ويعيش في شقته، مع والدته وشقيقه شوقي الذي يعد بالحصول على ميدالية في رفع الأثقال أيضاً، في أولمبياد 2018، تحت 17 سنة. الحديث مع أم محمد إيهاب مختلف، فهي أم بعيداً عن الميداليات والإنجازات، كل ما يعنيها ابنها الذي تريد أن تؤمن له حياة لائقة تكفيه الحاجة، وتعوضه أيام الحرمان. أم محمد إيهاب، تفاخر بأنها بعد أن حقق ابنها إنجازه الكبير في أولمبياد ريو دي جانيرو، «اشترت له دولاب» ليضع فيه ميدالياته، بدلاً من وضعها في أكياس بجوار التلفزيون، ولأنها تريد أن تفرح بابنها، فإنها تستعد لـ «عمل جمعية علشان تزوجه»، مع جاراتها في العمارة التي تقطنها الأسرة بالفيوم. وتقول: «طول عمر محمد وهو غاوي اللعبة»، ووالده كان لاعباً دولياً فيها ثم حكم درجة أولى، وقبل أن يموت والده، توقع له ميدالية أولمبية، ومن أجل ذلك ضحى إخوته بكل شيء وبعضهم ترك اللعبة ليواصل محمد مشواره. وتعرب والدة البطل المصري عن حزنها لأوضاع ولدها رغم ما حققه، فابنها ليست لديه شقة ولا سيارة ولا هو متزوج، والمكافأة التي أعلنت الدولة المصرية عن رصدها للأبطال والبالغة 500 ألف جنيه لم تصرف للآن، وحتى لو صرفوها، فهي لا تكفي لشيء.. كانت زمان تشتري «برج»، والآن لا تكفي ثمناً لشقة. خرجنا من عند محمد كما ذهبنا.. أصر على توصيلنا للطريق حتى لا نتوه.. المدهش أنه طوال الرحلة لم تفارقه ابتسامته.. أكد أن حب الناس هو الجائزة وأعظم ما في الكون.. كان مفعماً بالرضا.. ربما الجائزة أنه نجا من مصير الكثيرين حوله في هذا الواقع الغريب.. الميدالية أنه انتصر على الظروف.. البطولة أنه بات ما هو عليه.. أما أن «يلعب الزهر» أم لا، فهذا كلام للأغاني فقط.