يا صاحبي.. لم أخطئ.. ولم تخطئ.. ولم يخطئ أحد.. ولكن.. أحد ما في هذا العالم عليه أن يُبدي لنا الأسف. قصيدة لشاعر إسباني اسمه جارسيا لوركا تلخِّص الواقع الذي تعيشه الرياضة العربية كل أربع سنوات، فالنيات طيبة، والأحلام كبيرة، والخطط طموحة، ولكن في النهاية الصور صادمة! بعد أيام وأسابيع، وجولات من دولة إلى أخرى، ومن شارع إلى حارة، ومن نهج إلى زنقة، ومن فريج إلى ملعب.. قفز أمامي هذا السؤال: ماذا لو مر مايكل فيليبس هنا؟ نعم.. ماذا لو وُلد وعاش في أي مكان فوق خريطة الوطن العربي ؟ ماذا كان سيحدث لو تدرب في نادي الكشافة البحرية بشارع النيل بالخرطوم مثل عبدالعزيز الفاتح الذي احتل المركز قبل الأخير في سباق 50 متراً فراشة في ريو دي جانيرو. أو بدأ مسيرته الرياضية في قاعة ملجأ لرعاية الأيتام في تونس مثل مروة العامري الفائزة ببرونزية المصارعة في أولمبياد البرازيل.. أو نشأ في حي الصفيح «دوار السكويلة» بسيدي مومن بالدار البيضاء مثل الملاكم محمد الربيعي الفائز ببرونزية الملاكمة؟ .. أو ما مصير هذا الأسطورة لو كان مرَّ من هنا، حيث مساكن المنطقة الصناعية بمدينة الفيوم المصرية، تحاصره المخلفات، ورائحة الصرف الصحي تعبِّئ المكان، والغرف الضيقة مثل محمد إيهاب الفائز ببرونزية رفع الأثقال في ريو؟ هل كان مايكل فليبس سيتحول إلى ظاهرة ويحصد 23 ميدالية ذهبية، ويحقق نفس النجاح؟ أم لن يجد من يكتشف موهبته من البداية، ليستقر به الحال في النهاية إلى مدرب «جيم»، أو بائع في متجر للهواتف، أو موظف في شركة حكومية. أما إذا كان لديه الوقت والطموح والحماس والإصرار لممارسة الرياضة لَتحول إلى ربّاع أثقال مثل محمد إيهاب . فالحياة وسط فصول المعاناة وقصص الإحباط ومشاهد اليأس لن تقود أي إنسان إلى مناطق الإبداع ومنصات الذهب الأولمبي. قسوة الظروف وضعت بصمتها في كل مكان، فوق وجوه البشر والشوارع والبيوت والجدران، فالعيون متعبة والأقدام مجهدة والعقول حائرة والقلوب «موجوعة» والجروح غائرة والقناعة حاضرة والأحلام غائبة. من مصر إلى تونس إلى السودان إلى المغرب إلى العراق إلى الأردن شعرتُ بأنني أتحرك في عالم واحد دون جواز سفر وحدود وتأشيرات دخول وخروج، فالصورة هي الصورة، والواقع هو الواقع، والمعاناة هي المعاناة. أيُّ إبداع يمكن أن يخرج من هنا؟ وعن أي بطولات ومواهب وميداليات تتحدثون؟! فالحياة هي الإنجاز الحقيقي في بعض المناطق الشعبية في الدول العربية، ولذلك لم تفاجئني كلمات والدة سارة سمير الفائزة ببرونزية رفع الأثقال في ريو، وأنا أستعد لمغادرة منزلها في القصاصين بالإسماعيلية، عندما قالت لي: «يا ابني لو خيَّروني لاخترت لابنتي الثانوية العامة على الميدالية الأولمبية»! كلمات مؤلمة.. ولكن هذا هو الواقع، وهى ليست الوحيدة التي تفكر هكذا، فهناك الآلاف من الآباء والأمهات في مثل هذه المناطق الشعبية على امتداد الوطن العربي الكبير، الشهادة الدراسية لديهم أهم بكثير من الرياضة وبطولاتها وميدالياتها، فالشهادة تعني وظيفة وعمل يساعد على الحياة وتأميناً للمستقبل، أما الرياضة بالنسبة إليهم رفاهية ليس لها مكان فوق خريطة الهموم اليومية والبحث عن «لقمة العيش». نحن في هذا التحقيق الذي يمتد لخمس حلقات نحاول إعادة اكتشاف واقعنا العربي في منظومة صناعة البطل، لن نكرر نفس عبارات الغضب، ونفس كلمات النقد ونطرح نفس الأسئلة وننتظر نفس الإجابات. لن نقدم مشاهد جديدة في مسلسل جَلْد الذات الذي اعتدنا عليه بعد كل دورة أولمبية، ونطالب بإقالة كل المسؤولين وتسريح كل المدربين وتغيير كل الرياضيين، فالهند بحضارتها وتفوقها العلمي والنووي لم تحصد سوى فضية وبرونزية فقط، الهند مليار و253 مليون نسمة أي خمس أضعاف سكان العالم العربي كله. نحن باختصار نقدم تجربة من أرض الواقع، تجولنا في الكثير من البلدان العربية، وتقابلنا مع الأبطال المسؤولين والمدربين والوزراء والأكاديميين في محاولة لنضع أيدينا عن قرب على مناطق الألم وأسباب الإخفاق وأبطال الصدفة. ورغم مئات الخطط والبرامج لصناعة الأبطال منذ عشرات السنين وحتى اليوم، ما زالت الصدفة هي العنوان الرئيسي للكثير من الإنجازات العربية في الألعاب الأولمبية، لأن البطل لا يُصنع بقرار ولا استراتيجية، ولكن البطل منظومة وثقافة تضم الأسرة والمدرسة والجامعة والمنزل والنادي والملعب والمدينة والدولة، وفي النهاية تأتى الموهبة. والرياضة مرآة للواقع الذي نعيشه في كل المجالات، والعالم العربي يشكل 5.2 ? من إجمالي سكان الكرة الأرضية ، ورغم ذلك يصل حجم الاقتصاد العربي وفقاً لبيانات البنك الدولي عام 2014 إلى2.75 ? من الاقتصاد العالمي ، وفي جوائز نوبل كل ما حصده العرب 9 جوائز فقط منذ عام 1901 حتى اليوم ، أما في بطولات «الفيفا»، هناك منتخب عربي وحيد صعد لمنصة التتويج هو المنتخب السعودي بطل العالم للناشئين عام 1989، وفي تاريخ الألعاب الأولمبية لم يحصد العرب سوى 26 ذهبية . وإذا كان هذا واقعنا بالأرقام بعيداً عن الرياضة، فكيف يمكن أن نحصد عشرات الميداليات الذهبية في كل دورة أولمبية، وننافس الولايات المتحدة والصين، علينا أن نتعامل بهدوء وواقعية مع طموحاتنا الأولمبية. فكثيرة هي المواهب التي تُولد كل يوم ، ولكنها تموت قبل أن يكتمل نضجها وسط هذا الواقع المؤلم.