الاتحاد

الرياضي

إيطاليا تسرق حلم الشعب الألماني في أجمل مباريات المونديال

دورتموند ــ أكرم يوسف:

بعد 119 دقيقة من القتال والمحاولات والتسديد والجري والركل بين ألمانيا وإيطاليا في نصف نهائي كأس العالم بدأ الجميع داخل استاد كأس العالم بمدينة دورتموند يستعد لمعركة '' ال11 مترا'' فالتعادل يفرض نفسه في الوقت الأصلي والشوط الإضافي الأول و14 دقيقة من الشوط الإضافي الرابع ولم تتوقف هتافات الجماهير الألمانية لحظة واحدة '' دويتشلاند ··دويتشلاند '' وتعلقت الأنظار والآمال كلها على يانس ليمان ليكرر ما فعله أمام الأرجنتين عندما أنقذ ركلتي ترجيح ،وبدا واضحا أن ركلات الترجيح هي التي ستحدد الطرف الأول في نهائي كأس العالم 2006 إما ألمانيا صاحبة الأرض أو إيطاليا الأكثر إصرارا·
دقيقة واحدة فقط متبقية على نهاية الشوط الرابع ،والجميع في انتظار صافرة الحكم المكسيكي بينتو اركوندا ،وكانت الكرة داخل منطقة جزاء ألمانيا من ضربة ركنية يمرر أندريه بيرلو إلي فابيو جروس الظهير الأيمن الذي تقدم إلى داخل منطقة الجزاء بدون رقابة ليسدد على المرمى الألماني ولكن هذه المرة لم ينقذها يانس ليمان مثل المحاولات الست الماضية ودخلت الشباك ليصمت الملعب إلا من الجماهير الإيطالية
لا أحد يصدق مايراه،لا ضربات ترجيح ولا نهائي ولا برلين ولا كأس عالم
لقد ضاع الحلم الجميل ولكن كلينسمان مدرب الفريق رفض الاستسلام طلب من لاعبيه التقدم للهجوم وعدم التوقف عن المحاولة في الدقيقة المتبقية ربما يتكرر ما حدث أمام بولندا في الوقت بدل الضائع أو أمام الأرجنتين في الدقائق العشر الأخيرة وقبل أن تستيقظ الجماهير من صدمة الهدف الأول ترتد الهجمة إلى جالاردينيو الذي يراوغ على حدود منطقة الجزاء ويمرر إلى ديل بيرو ليطلق الرصاصة الثانية في قلب الشعب الألماني مع صافرة نهاية المباراة وتصعد إيطاليا لنهائي مونديال 2006
لقد حدث السيناريو الأسوأ وخرج أصحاب الأرض بعد أن ظل الحلم يكبر يوما بعد الآخر ،ولم يكن هناك شك لدى أي ألماني أن بلادهم ستكون مساء يوم 9 يوليو المقبل في برلين تلعب في المباراة النهائية
وكانت الصدمة مساء أمس الأول التي أبكت الجماهير في المدرجات والشوارع والمنازل وألمانيا كلها بعد أن سرق الطليان حلمهم الجميل في 60 ثانية في أجمل مباريات مونديال 2006 على الإطلاق حتى الآن وواحدة من أجمل المباريات في تاريخ المونديال لأنها جمعت كل عناصر الإثارة والمتعة واللياقة والتكتيك ثم جاءت الأهداف في النهاية ،وكان الوقت يمر سريعا لأن الهجمات لا تتوقف والحماس لا يهدأ،
شعرنا بالتعب ونحن نجلس في المدرجات نلهث وراء هذا الماراثون من الإثارة والمتعة والإصرار والتحدي وكرة القدم لأن كل فريق لعب بهدف واحد وهو الهجوم والتسجيل ،فكان اللعب على المرمى طوال الوقت ،حتى التغيرات الستة كلها هجومية من الفريقين ·
المدرب الشجاع
خرجت ألمانيا وهى تستحق بالفعل الخسارة لأن الآزوري الإيطالي كان الأقوى والأعلى والأسرع والأجمل والأخطر وقدم مباراة استثنائية جمعت مابين القوة واللياقة والمهارة والتكتيك ،وفعل مارشيلو ليبي مدرب الفريق كل شيء وكان الأكثر شجاعة وهجومية من البداية للنهاية لدرجة أنه قبل 16 دقيقة من نهاية الوقت الإضافي لعب بأربعة مهاجمين مرة واحدة بعد إشراك ديل بييرو بدلا من اندريه بيرلو ليلعب مع توتي واكوينتا خلف جالاردينيو،ولم يفكر لحظة واحدة في الدفاع واللعب على الهجمات المرتدة مع تراجع اللياقة البدنية في الوقت الإضافي أمام فريق يلعب على أرضه ووسط جماهيره،ليعلن رسميا بهذا الأداء نهاية عصر الكاتيناتشو أو أسلوب الدفاع الأسمنتي الذي اشتهرت به الكرة الإيطالية ويبدأ عصر جديد يحقق فيه الطليان الفوز بأداء ممتع وكرة قدم جميلة وليس بهجمات مرتدة وفي نفس الوقت لم يؤثر هذا الهجوم على صلابة الدفاع وعندما نعود لمباراة أمس الأول نجد أن تسديدات إيطاليا على المرمى وصل عددها إلى 10 تسديدات جاءمنها هدفان وأنقذت العارضة والقائم وليمان ثمانية أهداف أخرى ،في الوقت الذي لم يتمكن فيه المنتخب الألماني رغم كل هذا الحماس من الوصول إلى مرمى بوفون سوى مرتين فقط بينما ذهبت بقية التسديدات خارج المرمى ·
عاصفة الهجوم
ماذا فعل ليبي في هذه المباراة حتى يفتح جســــــورا وشوارع وأنفاقا في الدفاع الألماني ؟
لعب المنتخب الإيطالي بطريقة 4-2-3-1 بينما لعب يورجن كلينسمان بطريقة 4-4-2 ووضع ليبي لوكاتوني في الهجوم ووراءه ثلاثة لاعبين وهم بيروتا وتوتي وكاموارانيزي ، وكل من اندريه بيرلو وجاتوزو في الارتكاز وكان توتي يقوم بدور محطة البداية لكل الهجمات الإيطالية يوزع الأدوار من لمسة واحدة وكان تركيز المنتخب الإيطالي من البداية للنهاية على الأطراف حيث يتقدم بيروتا وجروس من الجانب الأيمن وكاموارنيزي وزامبروتا من الجانب الأيسر ،وتكرر هذا السيناريو في كل الهجمات تقريبا ،ولم يمنح الألمان الفرصة لالتقاط أنفاسهم بالضغط المتواصل والتحول السريع من الدفاع للهجوم ·
والتركيز على الأطراف ساعد المنتخب الإيطالي على خلق ثغرات في العمق للمهاجم لوكاتوني الذي لاحت له أكثر من فرصة للإنفراد وكذلك اندريه بيرلو لاعب الوسط وكذلك توتي ،وأربك هذا الأسلوب كل حسابات كلينسمان لأنه لم يتمكن من تقديم المساندة لثنائي الهجوم ميروسلاف كلوزه وبودلويسكي من الأطراف ولم نضبط الظهيرين الألمانيين فيرديدرش أو فيلب لام في حالة هجومية واحدة طوال المباراة وكان لاعب الوسط الأيمن بيرند شنايدر هو الذي يتقدم في بعض الأحيان بينما أنشغل مايكل بالاك معتيم بورفيسكي وسبيستيان كيل بالدور الدفاعي لتأمين تلك المنطقة بعد حرمان تورستن فرينجز لاعب الارتكاز من المشاركة بسبب عقوبة الفيفا ،وبالتالي لم يجد كلوزه وبولدي من يمرر لهما الكرات العرضية وباتت كل محاولاتهما للاختراق من العمق تقليدية ومكشوفة بوضوح للدفاع الإيطالي بقيادة كانافارو '' قلب الأسد ''
وأخطر فرصة ألمانية طوال المباراة على المرمى كانت في بداية الشوط الثاني أبعدها بوفون بتألق وعبقرية وإبداع وفيما عدا ذلك مجرد محاولات لأن ألمانيا افتقدت أهم عناصر الهجوم '' صانع ألعاب '' وأطراف تمرر الكرات ·
ورجحت المهارات الفردية كفة المنتخب الإيطالي في معارك وسط الملعب وشاهدنا استعراضات من توتي وبيرلو وكامورانيزي وديل بيرو ولجأ الألمان للخشونة لإيقاف خطورة الطليان وارتكبوا 21 فاول طوال المباراة ·
واتسمت كل الفرص الإيطالية بالخطورة وأنقذ ليمان 6 تسديدات وتصدت العارضة لتسديدة زامبروتا في الدقيقة الثانية من الشوط الإضافي الأول وقبلها بدقيقة واحدة كان جالاردينيو يراوغ بالاك بمهارة رائعة داخل منطقة الست ياردات ويسدد من زاوية صعبة في القائم ·
أهداف من كل الخطوط
وكان المنتخب الإيطالي يملك الكثير من الحلول الفردية والجماعية والتكتيكية وكل لحظة تجد نفسك أمام موقف تشعر فيه بالمفاجأة والابتكار وبأسلوب بسيط وسلس وكل لاعب يعرف جيدا مكان زميله دون أن ينظر إليه أو يقف على الكرة للتفكير ،ولذلك كانت معظم تمريرات إيطاليا من لمسة واحدة ،وبمجرد أن تصل الكرة إلى توتي بدون تفكير يمرر إلى بيروتا أو كامورانيزي أو اكوينتنا ،فهناك تكتيك وخطة وهدف وإصرار ويعرف ماذا يفعل بالكرة وبدونها ،وفي المقابل كان المنتخب الألماني تقليديا وحماسيا بدون حلول فقط يعتمد على لاعبين وهما كلوزه وبولدي اللذان أحرزا 8 أهداف من 11 للمنتخب الألماني في البطولة ،وماذا يفعل هذا الثنائي وسط أقوي دفاع في المونديال ، فالفارق كبير في خبرات اللاعبين بين الفريقين والمهارات الفردية
وأيضا للعقلية الهجومية التي أختارها ليبي منذ البداية ولم يتنازل عنها في أى لحظة من لحظات المباراة حتى جاءت الأهداف في اخر 90 ثانية من الشوط الإضافي الرابع
عن طريق فابيو جروس وديل بيرو وهما من الاسماء الجديدة التي تسجل لأول مرة في البطولة حيث تغيرت العقلية على يد مارشيلو ليبي وأصبح كل أفراد الفريق لديهم القدرة على تسجيل الأهداف ،فالمنتخب الإيطالي في 6 مباريات حتى الآن أحرز 11 هدفا عن طريق عشرة لاعبين من كل الخطوط منها خمسة أهداف للهجوم وثلاثة للوسط وثلاثة للدفاع ·
وحجز مكانا في النهائي وأصبح على بعد 90 دقيقة فقط من الفوز بكأس العالم للمرة الأولى بعد غياب 24 عاما ،وبكل صراحة ستكون كرة القدم قاسية على جماهيرها إذا شاهدنا فريقا آخر غير '' الاتزوري '' يحمل كأس العالم مساء يوم 9 يوليو المقبل لأنه الفريق الوحيد الذي أمتع الجميع بعد سقوط البرازيل ·
وإذا كانت صحيفة بيلد الألمانية طالبت لاعبيها صباح يوم المباراة بأن يصنعوا من المنتخب الإيطالي '' بيتزا الوداع '' فإن مارشيلو ليبي هو الذي صنع من الألمان بيتزا إيطالية في أفران كلينسمان ابن الخباز ·

اقرأ أيضا

أبوظبي الوجهة الرائدة للسياحة الرياضية في العالم