الاتحاد

عربي ودولي

أقباط مصر كانوا من أهل القمة في العصر العثماني


القاهرة - حلمي النمنم:
يسارع البعض في الحديث عن المرحلة العثمانية في مصر باعتبارها شهدت الاضطهاد والعسف الطائفي ولكن يبدو أن هذا الرأي بحاجة الى مراجعة لأنه ينطوي على قدر كبير من التعميم الذي يفتقر الى الدقة· وهذه المراجعة يقوم بها الباحث المصري مجدي جرجس من خلال دراساته المتعددة ابتداء من رسالته للماجستير عن 'القضاء القبطي في مصر' ودراسته التي بين ايدينا الان عن 'النظام السياسي والحراك الاجتماعي للطائفة القبطية دراسة مقارنة بين العصر العثماني والقرن التاسع عشر' ونوقشت هذه الدراسة في حلقة بحثية حول 'التاريخ المقارن للشرق الاوسط' وصدرت دراسات الحلقة مؤخرا في كتاب خاص أعده الاميركي بيتر جران والمؤرخ المصري الدكتور رؤوف عباس·
كانت العلاقة بين الحكومة الاسلامية في اي بلد واي مرحلة واهل الذمة محكومة بما اصطلح على تسميته فقهيا 'عقد الذمة' والذي ينسب الى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبغض النظر عن مدى الالتزام بما جاء في هذا العقد تضييقا وتزمتا او تسامحا وتوسعا فقد بقي المرجعية الشرعية وقت الحاجة او في لحظات التأزم لكن عقد الذمة لم يتطرق الى التنظيم الداخلي للطائفة القبطية وطريقة تمثيلها امام الحكومة وكان تنظيم هذه الطائفة القبطية متروكا للظروف التي احاطت بشكل علاقاتها مع الحكومة·
وفي بداية العصر العثماني وحين كانت صناعة القرار المصري تتم في اسطنبول كانت المؤسسة الدينية على رأس الطائفة القبطية باعتبارها طائفة دينية وادى هذا الى سيطرة البطريرك والاساقفة على شؤون الطائفة حتى ان البطريرك كان مسؤولا امام الوالي عن وفاء الطائفة بما عليها من اموال الجزية وكان البابا مرقس السادس في منتصف القرن السابع عشر آخر البطاركة الذين تحملوا هذا العبء وفي ظل هذا الوضع توارى دور الفرد خاصة الاعيان من كبار الموظفين والمباشرين الاقباط ولم يؤخذ رأيهم في الامور الحساسة التي تتعلق بمصير الطائفة مثل المناقشات التي دارت حول وحدة الكنيسة القبطية مع كنيسة روما اذ ان البابا يوأنس الرابع عشر منع مناقشة هذا الامر خارج دائرة الاساقفة·
وتشير سجلات المحاكم الشرعية الى وجود اثرياء قبط في تلك المرحلة ولكن دون دور معين في شؤون الطائفة· وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر حصل والي مصر على سلطة اوسع وبدأت سطوة الدولة العثمانية في الضعف وأدى هذا الى ضعف المؤسسة ولم تعد هي العنصر الحاكم وشهدت المؤسسة العسكرية تمرد بعض العناصر وبرزت عدة صراعات داخلها وصارت هذه المؤسسة عنصرا شكليا وانعكس هذا على احوال الطائفة القبطية ولم يعد التعامل معها يتم عبر الممثل الشرعي او المؤسسة وهي هنا الكنيسة القبطية وراح الوالي يتعامل مع الاعيان واصحاب النفوذ في الطائفة ولما كان النفوذ مرتبطا الى حد بعيد بالقدرة المالية فان التعامل بدأ مع المباشرين الاقباط فهؤلاء كانوا الاكثر نفوذا في الطائفة فضلا عن انهم يتعاملون مع الحكومة ويعرفهم المجتمع كله وصاروا المتحدثين عن امور الطائفة امام الحكومة واخفق تماما دور الكنيسة والبطريرك واساقفته· وادى هذا التحول داخل الطائفة لصالح كبار المباشرين الى الاصطدام بينهم وبين الرئاسة التقليدية للطائفة والمتمثلة في البطريرك· ويورد كامل صالح نخلة في كتابه 'سيرة البطاركة' انه عند تولى البابا مرقس السادس عام 1646 ميلادية وقعت بينه وبين المعلم بشارة منافسة ادت الى اشتداد المقاطعة بينهما ووقوع عداء عظيم بينهما وانتهت حياة هذا البطريرك بمصادرة تركته وبيعها في مزاد علني وبحضور المعلم بشارة نفسه وكان هذا الموقف رسالة الى البطاركة بأن نفوذ المباشرين هو الاقوى وانهم المعتمدون والممثلون للطائفة وصارت الكلمة لهم وخضع لهم البطاركة وسلموهم مقاليد الامور وصاروا يتدخلون حتى في الشؤون الكنسية بل نجحوا في اختراق الكنيسة بأن عينوا اثنين من المباشرين برتبة اسقف داخل الهيئة الدينية رغم ان التراث القبطي يقضي بان يتم الاختيار من بين الرهبان·
صعود
وشهدت تلك الفترة صعودا اجتماعيا للطائفة ككل ففي التحولات داخل المجتمع كله حدث تحالف ثلاثي بين الامراء المماليك وعلماء الازهر وكبار المباشرين الاقباط وكان العلماء يضفون المشروعية على سلوك الامراء وكان المباشرون يضمنون لهم الاموال واستند المباشرون على الامراء والعلماء في اكتساب وجاهتهم الاجتماعية ليس داخل الطائفة فقط لكن بين فئات المجتمع المصري كله ولعب العنصر الثقافي المصري دورا مهما في هذه الجزئية وكانت النظرة الى الاخر داخل المجتمع ايجابية الى حد بعيد واختفت الحساسيات المبنية على اساس ديني او طائفي حتى ان احد المصادر الكنسية يتحدث عن وضع الاقباط في تلك الفترة قائلا 'عاشوا كل هذه المدة مع اخوانهم المسلمين على احسن حال مشاركين لهم في السراء والضراء' ولم يكن هناك اي عائق اجتماعي او سياسي يمنع البروز القبطي على مستوى المجتمع·
ولعل اقامة الاحتفالات الدينية كانت مناسبة للتعبير عن المكانة الاجتماعية التي بلغها القبط خلال تلك الفترة وكان هناك حفل تجليس البطريرك والذي تقام بمناسبة تعيين بطريرك جديد للكنيسة وهو حفل ديني خالص تتلى فيه قراءات متعددة وطويلة ولكن منذ منتصف القرن السابع عشر اتخذ هذا الاحتفال شكلا مبهجا وبالغ القبط في مظاهرة وتحول الى احتفال مصري عام وتقول المصادر الكنسية عن يوم تجليس البابا متئوس الرابع انه كان يوما مشهودا في البلاد المصرية، اما حفل تجليس البابا بطرس السادس عام 1718 فقد تولاه كبير المباشرين القبط المعلم لطف الله ابويوسف وشارك في ذلك الحفل الكثير من الافرنج والروم والارمن والعسكر· وهناك احتفال 'ليلة سبت النور' وهي الليلة السابقة على عيد القيامة ويبدو ان الاقباط بالغوا كثيرا في الاحتفال حتى صار مناسبة عامة لجميع المصريين مسلمين واقباط ذلك ان قصيدة وجدت على حائط قصر بجوار جامع يزبك الداودار تضم ابياتا من الشعر تحمل اعتراض كاتبها على تلك المبالغة قائلا: 'وما زالت الايام تظهر ناقصا ··· كذوبا وتخفي فاضلا طيب الذكر
كما شاع سبت النور في الناس جهده ··· وقد خفيت من فضلها ليلة القدر' والابيات تكشف عما يحمله الشاعر المجهول من مرارة لما يجري حوله خاصة في ذلك الاحتفال·
وتثبت مصادر تلك الفترة ان كبار المباشرين الاقباط قلدوا الاعيان المسلمين في تبنيهم لاقامة الاحتفالات سواء في منازلهم او في الموالد وحرصوا على التواجد في المناسبات الاجتماعية كالاحتفال السنوي الكبير بوفاء النيل والاحتفالات والموالد الاسلامية الكبرى مثل عيد الفطر وعيد الاضحى وليلة النصف من شعبان ورؤية هلال رمضان والمولد النبوي ومولد السيدة زينب ومولد سيدنا الحسين وغيرها وكان حضورهم تلك الموالد يؤكد تواجدهم وبروزهم على مستوى المجتمع ويؤكد ان الاحتفالات تجاوزت البعد الديني الخالص وصارت مصرية تحمل الطابع الوطني العام·
مظاهرة
ويكشف مخطوط بمكتبة البطريركية عن حادث له مغزاه وقع عام 1732 ميلادية فقد قرر والي مصر زيادة الجزية المقررة على الاقباط فنظم هؤلاء شبه مظاهرة اتجهوا بها ناحية القلعة حيث مقر الحكم وهجم العسكر عليهم ولكن يبدو ان الهجوم لم يكن عنيفا بدليل انه لم تقع اصابات بينهم بل ان القبط تمكنوا بالفعل من الوصول إلى الوالي وتفاوضوا معه بقيادة المعلم رزق الذي وعده الوالي خيرا واهم ما تبرزه تلك الواقعة جرأة القبط ورفضهم قرارا اعتبروه مجحفا بحقهم ويثبت شعور الاقباط بمكانتهم ويؤكد ان الاقلية داخل المجتمع كان لها وجودها وكانت الحكومة تسمح بذلك· وفي عهد علي بك الكبير حين حاول الاستقلال بمصر ازداد وضع الاقباط تميزا، وربما تكون شهادة الجبرتي هي الدالة في هذا السياق حيث قال ان النصارى ارتفع شأنهم في ايام علي بك برئاسة المعلم رزق والمعلم ابراهيم الجوهري وقد ارخ الجبرتي لهذين القبطين مما يعني ان مكانتهما كانت كبيرة حتى ان الجبرتي لم يستطع اغفالهما والمعنى العام ان الدين لم يكن عائقا عن التمثيل والبروز في الفئات الاجتماعية الصاعدة في ذلك العصر·
وفي تلك الظروف ازداد الصراع داخل الطائفة ولم يعد قاصرا على فئتي رجال الدين من جانب وكبار المباشرين من جانب آخر، بل تبعه ايضا صراع داخلي بين فئة كبار المباشرين بعد ان تملكوا زمام الأمور، وكان هذا الصراع مبعثة الوجاهة الاجتماعية التي حازوها وكان كل منهم يريد ان ينفرد بالساحة·
وجاء القرن التاسع عشر ليشهد مرحلتين تشبهان المرحلتين اللتين شهدتهما المرحلة العثمانية بالنسبة للطائفة القبطية، ففي فترة محمد علي عاد الدور من جديد الى الكيانات المؤسسية، ومن هنا بدأ محمد علي يتعامل مع الكنيسة والبطريرك باعتباره رأس الطائفة والغريب أن الكنيسة لم تكن مستعدة لذلك ولم ترحب به، وتخوف رجال الكنيسة من شعبية المباشرين لكن محمد علي كان مصمما واعتبر عوام الاقباط ما قام به محمد علي دليل غضب الله على المباشرين·· ولم يكن لدى محمد علي موقف مضاد من الاقباط، لكنه كان يعتمد على عناصر أخرى شامية أو من الأقباط الكاثوليك، وسرعان ما تداركت الكنيسة هذا الأمر، وأخذت تدفع برجالها من الاساقفة والكهنة للقيام بالدور الذي كان يلعبه كبار المباشرين·
وفي فترة محمد علي ازداد الصراع داخل الطائفة وهذه المرة بين رجال الدين وكانت هذه الصراعات بين أساقفة الأقاليم حول ترسيم حدود ولايات كل منهم وهذا الأمر مرتبط بالدرجة الأولى بمصادر الدخل دون سواه، وحدثت الصراعات على المستوى الأدنى أيضا بين الكهنة العاديين في القرى والنجوع، وكانت ايضا تتعلق بمصادر الدخل·
ومع تولي كيرلس الرابع مقاليد الكنيسة عام 1853 بدأ مرحلة من الاصلاح شملت هيئات الكنيسة وحياة القبط عامة، ودفع الكنيسة وشعبها الى عصر جديد مفعم بالنشاط والحركة والاقبال على التعليم، حيث أسس المدارس ذات الطابع الحديث وشجع الأهالي على ارسال اولادهم اليها على نفقة الكنيسة، فضلا عن أنه أوكل الأمور الادارية الى موظفين مدنيين، أي من خارج المؤسسة الدينية، على ان معظم مشاريعه اجهضت مع خلفه البابا ديمتريوس الثاني '1862-'1870 لكن بقيت آثارها فيما بعد، خاصة حين شهدت مصر مرحلة جديدة شملت اصلاحات كبيرة، حولت المصريين الى مواطنين متساوين في كافة الحقوق والواجبات، وصار معيار المواطنة هو الاساس وقد أفرز ذلك واقعا جديدا دفع بعناصر قبطية الى البروز مرة أخرى، وكانت تلك العناصر من خارج السلك الكهنوتي، وسعت هذه العناصر من جديد نحو الامساك بزمام الطائفة ومرة اخرى نشبت الصراعات الحادة بين رجال الدين والمدنيين، الأثرياء والوجهاء، الذين حملوا اسم العلمانيين·· وامتد الصراع ووصل الأمر الى كبار المسؤولين في الدولة، ويبدو ان المدنيين كان لهم تأثير ونفوذ كبيرين فقد استصدروا أمرا عاليا في عام 1874 من الخديو اسماعيل بانشاء مجلس ملي للطائفة يتولى أمورها، وهذا المجلس يضم عددا من المدنيين، ولكن البابا كيرليس الخامس عطل هذا المجلس الى ان صدر مرة اخرى، أمر عال، من الخديو توفيق في عام 1883 بتشكيل هذا المجلس، ورغم هذا استمر الصراع بين الجانبين، ربما الى اليوم!
والملاحظ أن الدارسين لأوضاع الأقباط في العصر العثماني يعتمدون المصادر والوثائق الاسلامية أو المراجع الأوروبية، ونادرة هي المراجع القبطية لأن المخطوطات الكنسية والوثائق القبطية، ليست متاحة للاطلاع عليها، ولم يتم تحقيقها وتوثيقها، فضلا عن فهرستها واعدادها للاطلاع أو النشر، فما زالت قيد السرية، وهذا يفسر قلة الأبحاث العلمية في هذا الجانب·

اقرأ أيضا

انتخاب أورسولا فون دير لاين رئيسة للمفوضية الأوروبية