الاتحاد

دنيا

عصابة براعم الطفولة

كنت من أفضل الطلاب خلال اليوم الدراسي، والطالب الأسوأ بعد دق جرس الحصة الأخيرة، فقد درست في مدارس دبي، وكنت أسكن في الشارقة، ولأن المدارس الحكومية لا توفّر حافلات للنقل بين الإمارتين، فكانت حافلتي هي سيارة أبي الذي كان يوصلنا أنا وسبعة من أبنائه التلاميذ.
لا أدري لم كان كل شيء يعمل ضدي، فأنا أصغر الجميع، وهذه ميزة في نظر الوالدين فقط، وليس أمام سطوة الإخوان، وأنا الوحيد الذي درس في الغالب بمفرده من دون أعوان من دمي ولحمي، ودرست ثماني سنوات في أربع مدارس تقع جميعها بالقرب من نادي الشباب الرياضي، وهي الأقرب إلى الشارقة، فكنت أول النازلين من الحافلة الأبوية صباحاً، وآخر الصاعدين إليها ظهراً.
لا شقاوة تُذكر في الصباح لأنني أكون حينها في حَرم المدرسة مشغول برشّ الماء أمام الصفوف لتحلّ علينا البركة، لكن العمل الجاد كان يبدأ مع رنين جرس انتهاء اليوم المدرسي، فيذهب الجميع إلى بيوتهم ويتأخر أبي في دكانه ليوفّر لقمة الخبز لنا، ثم يلمُّنا من مدارسنا بسيارته التويوتا كراون.
الصف الأول الابتدائي كان في مدرسة عمر بن الخطاب في موقعها القديم والتي سوّيت بالأرض وأصبحت الآن مواقف للسيارات بالقرب من مسجد “الكاز “ على مدخل شارع الرقة. وكان شقيق لي في المدرسة نفسها في الصف الثالث الابتدائي.
بقينا محترمين في ساعات الانتظار نلعب بمفردنا في الساحة يوماً ويومين وأسبوعاً وثلاثة وشهراً وشهرين، لكن كم سنلعب؟ ألن يأتي يوم تنتهي فيه الألعاب؟ بلى، أتى هذا اليوم حين اكتشفنا أنه يمكن الدخول إلى أهم غرفتين في المدرسة: المخزن، ومختبر العلوم.
أعتقد أننا تسببنا في أزمة دفاتر في وزارة التربية آنذاك، العام الدراسي 1981، فقد كنا نملأ يومياً حقائبنا بأكبر قدر ممكن من الدفاتر التي تحمل صورة مؤسس اتحاد دولة الإمارات المغفور له الشيخ زايد، طيّب الله ثراه.
كان أخي كريماً يوزّع الدفاتر على أقرانه، بينما أنا أكتب في كل صفحة كلمة واحدة بخط كبير حتى أصبح خطي من أجمل الخطوط بين إخواني وزملائي.
وتسببت حملاتنا على المختبر إلى اعتقاد المعلمين بأن الروح تدبّ في مجسمات الحيوانات والنباتات وتكبر ثم تفتح الباب وتنطلق إلى الغابة، بينما هي تعيش معنا في البيت ونوزّعها هدايا على أولاد الفريج.
انتقـل أخي الكـريم بعد انقضـاء هذا العام الأليم إلى مدرسة ابتدائية عليا، وترك الصغرى بيدي. بقيت محافظاً على عهد الفراغ سنة كاملة اكتشفت فيها غرفة أدوات الرياضة، فأخــذتْ حقيبتي تنتفخ بين الحين والآخر فأضطر إلى حمل الكتب في يدي حتى لا ينتبه أبي. فاكتشاف مثل هذه الأشياء معي كان سيعني امتلاء قلب أبي بالغضب، وفم أمي بالعض، خصوصــاً أن تصريف البضاعة لم يكن سهلاً أبداً في بيت فيه أم تضرب عيالها وتعضهم حتى حين يحصلون على جوائز، ففي إحدى المرات حصل أخ لي على جائزة من المدرسة بسبب تفوّقه، وحين عاد إلى البيت حصـل على كمية من الصـفعات والعضات من أمي.
في الصـف الثالث الابتدائي وجدتُ شريكين هما توأمان تشبه حالتهما حالتي، فوالدهما يأخذهما لكنه يتأخر في الحضور مثل والدي. لم أبخل عليهما بأي شيء من تقنيات السلب والنهب، وكان أحدهما محترفاً، بينما الآخر بليد ويعتقد أننا لا نزال صغاراً على الإغارة.
في آخر يوم دراسي قررت عصابة براعم الطفولة أن تضرب بيد من حديد، لكن أين؟ بعد البحث والتحري اكتشفنا المقصف المدرسي وهو عبارة عن غرفة خشبية لها باب مغلق بقفل، لكن دائماً ينسى المسروق أن الإغلاق الكامل مستحيل، فقد كانت هناك فتحة مخصصة للمكيّف مغطاة بلوح خشبي. دفعنا اللوح ونفذنا إلى الداخل وأدخلنا رؤوسنا في داخل الثلاجة.
أكلنا وشربنا ثم فتّشنا عن المزيد فوجدنا علبة مليئة بالدراهم المعدنية. أخذ العضو البليد يقفز في مكانه ويصرخ من الفرحة، ولم يهدأ إلا بعد أن صفعته على وجهه، وأعتقد أنها الصفعة الوحيدة التي وجّهتها لإنسان في حياتي. ثم خرجنا كما دخلنا ورأينا حارس المدرسة العجوز والذي كان نائماً طيلة السنوات الثلاث يبحث عنا، فاصفرّت وجوهنا وربما شريكنا البليد فعلها في نفسه، لكن الحارس قال لنا إن ذوينا ينتظرونا في الخارج، وانتهى العام الدراسي على خير ما يُرام.


أحمد أميري
me@ahmedamiri.ae

اقرأ أيضا