صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

«النووي السلمي الإماراتي».. نموذج عالمي للمشاريع الجديدة

أعمال إنشائية خلال مراحل تنفيذ محطة براكة (أرشيفية)

أعمال إنشائية خلال مراحل تنفيذ محطة براكة (أرشيفية)

بسام عبد السميع (أبوظبي)

أصبح مستقبل البرنامج النووي السلمي الإماراتي، أكثر وضوحاً ورسوخاً من أي وقت مضى، في قصة جديدة تحكي البناء والتميز الذي أصبح سمة ملاصقة ولازمة لنهضة الإمارات، فمنذ إطلاق البرنامج النووي الإماراتي، وصولاً إلى إنتاج أول واط من الكهرباء العام المقبل، ومساهمته المهمة والفعالة في دعم نمو وازدهار دولة الإمارات، ستترك أثراً واسع النطاق على مدار عقود مقبلة، تزامناً مع الجهود المتواصلة من الهيئة الاتحادية للرقابة النووية والبعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لترسيخ البرنامج النووي السلمي الإماراتي كنموذج عالمي.
وقبل نحو عشرة أعوام مضت، وضعت دولة الإمارات التصورات الأولية لإطلاق البرنامج النووي السلمي الإماراتي، بهدف تحقيق الرؤية المستقبليّة من أجل تعزيز مسيرة النمو والازدهار في الدولة، وذلك عبر إنتاج الكهرباء بالاعتماد على مصادر طاقة نووية آمنة وموثوقة ومستدامة وصديقة للبيئة، واستطاعت الإمارات إرساء معيار عالمي جديد كلياً على صعيد تطوير وتشغيل المحطات النوويّة السلميّة، لتصبح بذلك نموذجاً يُحتذى به على صعيد جميع المشاريع الجديدة في قطاع الطاقة النووية السلمية على مستوى العالم.
وتمضي مؤسسة الإمارات للطاقة النووية في قيادة مسيرة البناء والإشراف على أكبر مشروع للطاقة النووية السلمية «براكة»، يجرى تطويره في العالم في وقت واحد، حيث بلغت نسبة الإنجاز الكلية للمشروع 84%. واستناداً إلى نتائج الأبحاث والتحليلات المتعمّقة حول احتياجات الطاقة المستقبلية في دولة الإمارات والتعاون الوثيق مع الشركاء الدوليين والمنظمات والهيئات والجهات التنظيمية، فإن البرنامج النووي السلمي الإماراتي يهدف إلى توفير الكهرباء اللازمة لتلبية الاحتياجات المتزايدة لمختلف القطاعات في شتّى أنحاء الدولة، كما يسهم في تحقيق استراتيجية الدولة الخاصة بالطاقة، انسجاماً مع أهداف «استراتيجية الطاقة 2050»، الرامية إلى تنويع مصادر الطاقة، وتقليل البصمة الكربونية بمعدل 70% خلال الأعوام الثلاثين المقبلة، إضافة إلى دعم مسيرة النمو الاقتصادي للدولة، والارتقاء بمجالات العلوم النووية، وتوفير الوظائف المجدية للكفاءات الوطنية.
وفي أبريل 2008، أطلقت دولة الإمارات «سياسة تقييم وتطوير طاقة نووية سلمية» استناداً إلى أكثر المعايير كفاءة ودقة على صعيد السلامة والشفافية والأمن، وتعد هذه السياسة الركيزة الأساسيّة التي تقوم عليها جهود الدولة في تطوير البرنامج النووي والبنية التحتية النووية. وتشكلت البعثة الدائمة لدولة الإمارات لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2008؛ وهي جهة التنسيق والتواصل الرئيسيّة بين كلٍ من حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبعد مرور عام واحد، تأسست الهيئة الاتحادية للرقابة النووية في 2009، لتكون الجهة الرقابية المسؤولة عن تنظيم قطاع الطاقة النوويّة في دولة الإمارات، كما تتولى ضمان سلامة وأمن واستدامة الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في الدولة، وحماية المجتمع والبيئة من الآثار الضارة للإشعاع.
وفي عام 2009، تم إنشاء مؤسسة الإمارات للطاقة النووية لتكون المالك والمطور الرئيسي للبرنامج النووي السلمي الإماراتي، لتتولى مسؤولية المساهمة في تنويع مصادر الطاقة في الدولة، وتأهيل جيل جديد من رواد الطاقة النووية، ودعم تطوير قطاع الصناعة المحلي، إلى جانب دعم أمن الطاقة من خلال توفير طاقة نووية آمنة وموثوقة وصديقة للبيئة. وبعد الانتهاء من عملية بحث طويلة وشاملة بقيادة فريق مكون من أكثر من 75 خبيراً ومتخصصاً بهدف اختيار المقاول الرئيسي، وقع اختيار مؤسسة الإمارات للطاقة النووية على الشركة الكورية للطاقة الكهربائية «كيبكو»، لبناء وتصميم وتشغيل محطات الطاقة النووية الأربع، وفور تعيين «كيبكو»، بدأت مرحلة اختيار الموقع والتصميم، وخضعت جميع المراحل لموافقة الهيئة الاتحادية للرقابة النووية.
وبالفعل، منحت الهيئة الاتحادية للرقابة النووية رخصة البناء لمؤسسة الإمارات للطاقة النووية في يوليو 2012، وجرى تحديد موقع مشروع محطات الطاقة النووية السلمية في براكة في منطقة الظفرة بإمارة أبوظبي، بعد عملية تقييم شاملة من قبل الخبراء المحليين والدوليين، بناءً على الخصائص البيئية والتقنية والتجارية المثالية التي يتميز بها موقع براكة.
وبالتزامن مع بدء الأعمال الإنشائية، كرست مؤسسة الإمارات للطاقة النووية جهودها من أجل بناء القدرات البشرية في المجال النووي من خلال برنامج «رواد الطاقة»، الذي يهدف إلى تثقيف وتأهيل الجيل القادم من قادة الطاقة النووية في الدولة، وذلك بالتعاون مع الهيئة الاتحادية للرقابة النووية ومعهد بوليتكنيك أبوظبي وجامعة خليفة، لإتاحة فرص تعليمية متعددة من بينها الدبلوم العالي في التكنولوجيا النووية.
وتعمل المؤسسة وشركاؤها في قطاعي الطاقة والتعليم في إطار أهداف رؤية الإمارات 2021 و«مئوية الإمارات 2071»، الساعية إلى بناء مستقبل مستدام من خلال توفير فرص علمية وعملية للكوادر الوطنية المؤهلة والطموحة، ودعمهم من أجل المساهمة في تلبية الاحتياجات المتزايدة عبر توفير طاقة نظيفة ومستدامة بكفاءة عالية تعزز مسيرة النمو والازدهار في الدولة. وفي عام 2016، اتخذت المؤسسة خطوة نحو الأمام عبر توقيع اتفاقية ائتلاف مشترك طويلة الأمد مع الشركة الكورية للطاقة الكهربائية «كيبكو»، وتأسيس شركتين تابعتين وهما شركة «نواة» للطاقة وهي الشركة المسؤولة عن تشغيل وصيانة المحطات النووية الأربع في مشروع براكة للطاقة النووية السلمية، وشركة براكة الأولى وهي الشركة المعنيّة بإدارة الشؤون التجارية والمالية المرتبطة بالمشروع، لِتَرسَخ مكانة مؤسسة الإمارات للطاقة النووية كمؤسسة نووية رائدة تعمل على ضمان أعلى درجات الشفافية التشغيلية والاستدامة على المدى البعيد لقطاع الطاقة النووية السلمية في الدولة.
ومن جانبه، قال المهندس محمد إبراهيم الحمادي الرئيس التنفيذي لمؤسسة الإمارات للطاقة النووية: «جاء تطوير البرنامج النووي السلمي الإماراتي، وهو أحد أكبر المشاريع النووية الجاري تطويرها في العالم، ليدعم تنويع مصادر الطاقة في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث حقق البرنامج بالفعل مكانة قيمة في العديد من القطاعات الاستراتيجية، سواء في دولة الإمارات العربية المتحدة، أو على الصعيد الدولي».
ويأتي توفير طاقة آمنة وموثوقة وصديقة للبيئة، وتطوير قطاع صناعي محلي، إلى جانب ضمان استدامة البرنامج النووي السلمي الإماراتي، في مقدمة الأهداف الرئيسية للمؤسسة. وفي إطار توجيهات الهيئة الاتحادية للرقابة النووية تواصل المؤسسة جهودها للمضي قدماً، عبر تبني أعلى المعايير العالمية للسلامة والجودة والأمان.