الاتحاد

الاقتصادي

جماعات البيئة تشن «حرباً» ضد مشروعات «شل» في القطب الشمالي

مصفاة نفطية تابعة لشركة “شل” في فرنسا (أرشيفية)

مصفاة نفطية تابعة لشركة “شل” في فرنسا (أرشيفية)

تعتبر البحار القطبية شمال آلاسكا إحدى موارد النفط والغاز الواعدة الثلاثة الكبرى في الولايات المتحدة بجانب حقول النفط الصخري وحقول المياه العميقة في خليج المكسيك. وتعد البحار القطبية أكثر هذه الموارد غموضاً وبالتالي أكثرها صعوبة، بل أنها الأكثر إثارة للجدل.
ذلك أن مشاريع حفر آبار نفط في المنطقة القطبية (شبه البكر) بما تتميز به من بيئة وحياة برية فريدة، أغضبت العديد من خبراء البيئة ومناصري الحفاظ عليها. وحقيقة أن التنقيب أضحى أسهل نتيجة انحسار الجليد القطبي المعتقد أنه مترتب على ارتفاع درجات الحرارة عالمياً الناتج عن إحراق الوقود الاحفوري جعلت الأمر أكثر تعقيداً.
وقد تعرضت خطط “رويال داتش شل”، كبرى شركات النفط الأوروبية، المتطلعة إلى أن تكون ضمن طلائع تطوير المنطقة القطبية التابعة للولايات المتحدة لإحباطات متكررة منذ إطلاق أول مشروعاتها عام 2007 للتنقيب في بحري بوفورت وتشكشي قبالة سواحل آلاسكا. غير أنه رغم المعارضة والتأخيرات يرجح أن يتم عاجلاً أو آجلاً تطوير حقول هذه المنطقة القطبية.
وكانت وجهة النظر السياسية الأميركية قد دفعت إلى معارضة عمليات الحفر في المياه العميقة عقب كارثة “بي بي” في خليج المكسيك في أبريل 2010، غير أنها عادت مجدداً لتؤيد التنقيب في هذه المنطقة مدفوعة بنسبة بطالة عالية وارتفاع سعر البنزين الذي قارب 4 دولارات للجالون في الولايات المتحدة.
وكان من شأن انتصارات الحزب الجمهوري المؤيد عموماً لمشاريع النفط في الانتخابات النصفية أواخر نوفمبر الماضي إنعاش قوة الحملة التي قادتها شركات النفط للسماح لها بالحفر في مناطق مختلفة بالولايات المتحدة تشمل المنطقة القطبية. ولم تكن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما متحمسة في شأن التنقيب عن النفط في المنطقة القطبية، غير أن قوة معارضتها قد تضاءلت. ففي مارس 2010 كانت الإدارة الأميركية حريصة على عدم السماح بمزيد من التنقيب في المنطقة القطبية رغم أن الشركات التي كانت قد حصلت علي تراخيص في ظل إدارة الرئيس السابق جورج بوش ظل مسموحاً لها آنذاك بمباشرة عمليات الحفر.
وعقب حادثة تسريب “بي بي” فرض حظر على عمليات الحفر، ولكن أوباما بدا أكثر إيجابية حين تحدث عن تنظيم إجراءات تصاريح عمليات التنقيب في المنطقة القطبية. وقام الجمهوريون في مجلس النواب بالضغط لاستصدار تشريع لدخوله حيز التنفيذ. وبعد أن توقفت “شل” عن عمليات الحفر في صيف هذا العام بسبب عدم استطاعتها الحصول على تصاريح التلوث الهوائي اللازمة، تتطلع الشركة حالياً الى حفر خمس آبار خلال صيف عام 2012 بعد خمس سنوات من بداية تجاربها وإنفاق 2,2 مليار دولار علي عقود الامتياز.
ويعتبر إصرار “شل” وحجم استثمارها المالي وقدر ما بذلته من وقت وجهد أمراً له ما يبرره بالنظر الى حجم الفوائد المنتظرة. إذ يقدر ما يحتويه قطاعات بوفورت وتشوكشي الأميركية نحو 20 مليار برميل نفط و127 ألف مليار قدم مكعبة من الغاز، ما يشكل نحو 81% و47% من الاحتياطيات الأميركية المؤكدة على الترتيب.
في وسع الاكتشافات الهائلة البحرية تمديد عمر صناعة النفط في آلاسكا المهددة بتضاؤل إنتاج حقولها البرية القديمة التي اكتشفت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. وتضاءلت الكميات المتدفقة عبر شبكة خطوط أنابيب ترانس آلاسكا التي تنقل النفط من حقل الميول الشمالية عبر ولاية آلاسكا الى محطة على الساحل الجنوبي تدريجياً مع تضاؤل محتويات المكامن، ما يعني أن النفط أصبح أكثر برودة وأكثر لزوجة. وتقول شركات إنه قد يأتي وقت، ربما قريباً، لا يتدفق فيه النفط على الإطلاق ويصبح خط الأنابيب آنذاك عديم الفائدة. ومن شأن الإنتاج الإضافي من حقول قطبية بحرية جديدة أن يوفر نفطاً يكفي لمواصلة تشغيل المنظومة.
وفي مقابل فوائد المزيد من تطوير النفط في المنطقة، هناك بعض المخاطر المرتبطة بحدوث تسريب مشابه لما جرى في حادثة بي بي هناك مشكلة بعد المنطقة الجغرافي. إذ أن بي بي وخفر السواحل الأميركية خلال مساعي مواجهة تسريب ديبووتر هورايزن قاما بدفع عشرات الطائرات وآلاف من السفن وعشرات الآلاف من البشر، ولن يكون أي من ذلك متيسراً في آلاسكا المتطرفة شمالاً أن وقعت حادثة مماثلة.
كما أن سلوك نفط متسرب في المياه القطبية سيكون مختلفاً عن سلوكه في خليج المكسيك. ففي درجات الحرارة الأبرد تتباطأ عملية الامتصاص من قبل الميكروبات والتبخر والتي أزالت على ما يبدو نسبة كبيرة من تسرب “بي بي”. هذا بجانب أن الجليد قد يصعب من عملية الإزالة، فالتعامل مع النفط المحصور تحته قد يمثل صعوبة كبرى.
وقالت “شل” إنها تعالج جميع هذه المخاطر المحتملة وذكرت أن بعض مشاكل تسريب “بي بي” لا تنطبق على آلاسكا. فعلى سبيل المثال لن تكون الآبار سوى على عمق نحو 140 قدماً تحت سطح المياه، فيما كان حقل ماكوندو بخليج المكسيك على عمق 5000 قدم. وأوضح بيت سلايبي، نائب رئيس “شل” لشؤون آلاسكا، أن الشركة تعكف على الاستثمار في معالجة كافة المشاكل التي تعرضت لها كارثة بي بي مثل الحاجة إلى وجود معدات تلتقط تسريبات النفط من حقل منفجر في أعماق البحر. وأضاف سلايبي أن في مقدور شل نشر معدات احتواء في غضون ساعة واحدة، غير أنه من غير المرجح أن يتقبل مناصرو البيئة ما تعلنه شل من تطمينات.
في الوقت نفسه، تتعرض “كيرن إينرجي” البريطانية لحملات معارضة من قبل جماعة السلام الأخضر المعنية بالبيئة، حيث يعتلي المعارضون إحدى حفارات الشركة المستخدمة في حفر آبار قبالة سواحل جرينلند التي تعد إحدى مناطق التنقيب القطبية. وحين تجري عمليات الحفر في المنطقة القطبية الأميركية تتوقع شل أن تتعرض لحملات معارضة مشابهة، ورغم شراسة الاعتراضات المنتظرة، إلا أنها لن تغير حقيقة واحدة وهي أنه إن كان هناك نفط فإنه سوف يتم استخراجه إن عاجلاً أو آجلاً.

نقلاً عن فاينانشيال تايمز
ترجمة عماد الدين زكي

اقرأ أيضا

تراجع ملموس لأسعار الذهب