الاتحاد

ثقافة

عبدالله السبب: أنا أكتب القصة التي تنتابني فتمثلني وتشير إليَّ

عبدالله السبب

عبدالله السبب

هو الشاعر الذي يكتب القصة بلغته الشعرية، والقاص الذي يكتب شعراً ينطوي على قدر من السرد، ليطرح أسئلته الوجودية والحياتية بكل بساطة، ومن دون تبسيط، إذ يقدم عبدالله السبب عبر كتاباته تجربة خاصة في الإبداع الإماراتي، وهو ما يكرسه في مجموعته القصصية الجديدة التي حملت العنوان “جنازة حبّ وأشياء أخرى”، عنوان مركب قد يعني أن الجنازة للحب، وهناك أشياء أخرى، كما قد يعني أن ثمة جنازة وحباً وأشياء أخرى.
العنوان
“الاتحاد” التقت السبب وحاورته حول مجموعته القصصية الجديدة “جنازة حب وأشياء أخرى”، وكان السؤال في البدء عن العنوان، فقال متسائلاً “هل نتفق مثلاً، كُتّاباً كُنّا أَمْ قُرّاء، بأن التأويل مهمة القارئ؟ لعلي أجزم على ذلك عبر ما ذهبتَ إليه أنت شخصياً بصفتك قارئاً، بوجود معنيين أو تفسيرين للعنوان. وبالمقابل، أتفق معك بأن العنوان مركّب بقصدية مبيتة في لحظة إطلاق هذا المشروع القصصي، تحت هذا العنوان. والعنوان مركّب في ظاهره، فيما هو مفكك في أعماق القصص الموزعة على صفحات الكتاب، بحسب النص وشخصياته والحدث وأمكنته وأزمنته والعناصر الأخرى البينة منها أو المستترة، فكم من جنازة شيعت في الداخل، وكم من حب تم الالتفات إليه بشكل أو بآخر، وكم من أشياء أخرى تمت الإشارة إليها تلميحاً أو قصداً واضحاً”.
وعند سؤاله أن العنوان صدمة للقارئ، يجمع الجنازة والحب، فهل أراد الكاتب إحداث هذه الصدمة؟ في هذا السياق يقول السبب “القارئ بحاجة ماسة إلى مثل هذه الصدمات التي هي أشبه ما تكون باستطلاع ندخله في حلبته، أو قل في قوانينه وطقوسه الخاصة به، لنخرج في ما بعد بنتيجة توضح لنا التصنيف الفكري للقراء، فثمة قارئ لا يوليك أو منتجك الإبداعي أي اهتمام يذكر، لينصرف عنك إلى شؤونه الخاصة، وقارئ آخر يستوقفك عند تفاصيل عدة من النص، مما يعني أنه القارئ الذي يعنيك دون إهمال متقصد للقارئ الآخر. لذا، يأتي العنوان أشبه ما يكون بفخ لكل قارئ، وحينها على القارئ اختيار أحد أمرين، إما المسير معك في رحلة الكتاب لاستثمار تلك الصدمة الابتدائية واكتشاف ما ينبغي اكتشافه، أو الانسحاب عنك بهدوء دون خبر يذكر. أما أولئك المشاغبون الذين ينهالون عليك بالغمز واللمز، فإنك تدير ظهرك وتقول لهم سلاماً”.
القصة والشعر
ومع شاعر يكتب القصة، وقاص يكتب الشعر، جاء التساؤل عن أيهما أولاً، وكيفية تأثير أحدهما على الآخر؟ يجيب قائلاً “كلاهما معاً، فلا أذكر بأيهما بدأت أولاً، ومتى ما أتت الكتابة فهي تذهب في الطريق الذي يوصلها إلى الجنس الذي أتت لأجله. واللغة هي مقياس كل مشروع، فمتى ما كانت أكثر ميلاً للشعر، صار للمشروع مشروعية الشعر، أما إذا كانت اللغة أكثر تعاطفاً مع السرد، ارتدى المشروع حلة القصة أو الرواية أو كل ما يمس السرد”.
وتوقفنا عند المغامرة المتمثلة في ما نسميه كتابة القصة - اللاقصة، لنرى كيف يفسر ذلك، فيجيب “أنا لا أفسر شيئاً، أنا فقط أكتب القصة التي تنتابني، فتمثلني وتشير إلي. أنا أكتب الشعر بعناصر القصة، وأكتب القصة بلغة الشعر، وبمناخات إبداعية خاصة، ليؤدي ذلك إلى ولادة جنس أدبي جديد، لا أدعي الريادة فيه، ولا أتهم نفسي اللحاق بالركب من باب المحاكاة غير المسؤولة وغير الواعية لذلك. وهي مغامرة لكن ليس من باب التجريب الفارغ من معنى يدل على فن القص، بل هي ممارسة طبيعية جداً لهذا الفن السردي، واللغة المستخدمة أيضاً جاءت مبررة دون اصطناع”.
عوالم القصص
وعن عوالمه التي تتسم بقدر من السريالية والسوداوية، يقول “العوالم هنا ليست سريالية أو سوداوية، بل هي سهلة ممتنعة عن الإفصاح بتلك السهولة التي تفسد المعنى وتفسد جوهر اللغة المؤسسة على الغموض القابل للتأويل. فبشيء من الإمعان، ستلحظ أن المواضيع المستهدفة في القصص هي طبيعية بذاتها وبعناصرها، بمعنى أنها حقيقية بما هو دائر في الأفق الاجتماعي العربي والإنساني العام، إلا أن المعالجة جاءت بشكل غير تقليدي، مما قد يثير حفيظة البعض ممن لا يؤمنون البتة بما هو حداثي، أو لأنهم لا يتكبدون عناء البحث عن المعنى أو النبش فيه”.
علاقة حب ملتبسة
وللغوص في جانب من الموضوعات، نتوقف عند علاقة الحب الملتبسة “امرأة/ رجل، أنثى/ ذكر” وما طبيعة هذه العلاقة لدية، فيقول “ليس ثمة التباس في علاقة الحب بين المرأة والرجل، أو الأنثى والذكر، فهي علاقة محكومة بالفطرة وبالتلقائية الغريزية. هي علاقة محكومة بقوانين مغناطيسية (موجبها وسالبها، تجاذبها وتنافرها)، وهي قوانين صارمة أحياناً، ومرنة أحياناً أخرى. ومهما كان الموقع الاجتماعي للرجل والمرأة بأدوارهما الأسرية المختلفة، أو بوجودهما المجتمعي العام، فهي علاقة محكوم عليها بالأزلية التنافسية أو التكاتفية، فمرة تجدهما في حروب طاحنة غير مسبوقة، ومرة أخرى في وفاق تام. المهم في ذلك هو ديمومة الحياة القائمة على ملح الحياة ببياضه وببياض الثلج الذي يطفئ نار الغيرة المولودة مع المرأة الأنثى، كما لو أنها ظلها الذي لن تفقده إلا في بيتها الأخير، وعلى الطرف الآخر هو ملح يهدئ من بركان الغضب الرجل الذكر الذي يختلف المعنى لديه في الثوران بسبب أو دون سبب”.
إهداءات الكتاب
ولأن المجموعة شهدت عدداً من الإهداءات لأصدقاء يذكرهم الكاتب، نسأل عما يمثلون له فيقول “هم مفاتيح للحياة أو علامات فارقة للموت، وهم رموز ثقافية وإبداعية لها حضورها الحي في المشهد الثقافي الاجتماعي أو الأدبي. هم شهداء على أحياء، وعلى جانب من حياة تخصني في زمن ما وفي مكان ما. الإهداءات جاءت متوافقة تماماً مع الأشخاص المعنيين، ومواكبة كذلك للنصوص المستهدفة من الإهداء”.
ولأن القصص كتبت على مدى عشر سنوات، تساءلنا عما يجمعها؟ وما أهمية المكان، الإسكندرية، رأس الخيمة، في الكتابة ليقول “تجمعها لغة لم تتأثر بالمتغيرات المناخية، ولم تخضع لقانون السرد الكلاسيكي، ويجمعها عنوان مركّب من عدة كلمات لها مدلولاتها الخاصة وخواصها الفيزيائية والكيميائية ولها أزمنة ترتقي بالحدث وتحتفي بالمكان. لذا، جاء المكان والزمان متلازمين بما لا يدع مجالاً للشك أو للإهمال. ولذلك أيضاً، يأتي مكان ما، كالإسكنرية مثلاً ورأس الخيمة، كنوع من الإخلاص للقصة وللمكان الذي ارتبطت به من حيث أنه مسرح حي للكتابة، أو كمسرح لحدث القصة”.

اقرأ أيضا

انطلاق المهرجان القومي للمسرح المصري في القاهرة