الاتحاد

تقارير

إسرائيل... والحاجة إلى تعليم اللغة العربية

يتناقض المظهر العام لمدرس اللغة العربية، "عصام شحادة"- بملابسه غير الرسمية، حيث يرتدي حذاء وقميصاً رياضيين- مع ما يحاول القيام به: وهو تشجيع الطلبة اليهود الإسرائيليين على تعلم اللغة العربية التي تعد لدى البعض منهم "لغة العدو". فبعد دقائق قليلة تعرف فيها المدرس على الطلبة وأتاح لهم فرصة التعرف عليه من خلال بعض الأسئلة عن الأسرة وعدد الإخوة وغير ذلك انخرط "شحادة" في تعليم الطلبة أغنية عربية تحتفي بشجر الزيتون، وسرعان ما اندمج معه الطلبة وراحوا يرددون الكلمات، والحقيقة أن ما يقوم به المدرس يمثل إنجازاً مهماً في بلد ما زال يعاني فيه المتحدثون بالعربية من نظرة التشكيك.
ويشهد تعليم العربية تراجعاً ملحوظاً في ظل نقص الموارد البشرية المؤهلة في إسرائيل القادرة على تلقين العربية في المدارس اليهودية، هذا بالإضافة إلى عدم إقبال عام من لدن الطلبة في المدارس الثانوية على تعلم اللغة العربية لعدم إدراجها ضمن متطلبات القبول في الجامعات.
ومع أن العربية تعد لغة رسمية في إسرائيل إلى جانب العبرية، فإن معظم الإسرائيليين لا يستطيعون الكتابة، أو القراءة باللغة العربية، فيما عدد كبير منهم يجهلونها تماماً، وهو الوضع الذي دفع البعض إلى التحذير من دور الجهل بالعربية في منع التسامح والتعايش المشترك بين العرب واليهود داخل إسرائيل، لا سيما وأن الأقلية العربية كبيرة وتشكل قسطاً لا يستهان به داخل المجتمع.
لذا وقفت أكاديمية العلوم الإسرائيلية في تقريرها الصادر مؤخراً على أهم الإخفاقات التي تعترض تدريس العربية في الدولة العبرية، مشيرة إلى عدد من التوصيات مثل جعل العربية مطلباً ضرورياً للقبول في الجامعة، ولفت الانتباه أيضاً إلى أن عدد مدرسي العربية من الناطقين بها يبقى ضعيفاً للغاية، بحيث عادة ما تُسند هذه المهمة لمدرسين لا يتقنون اللغة العربية.
ومما جاء في التقرير أن "تدريس اللغة العربية يجري أساساً بالعبرية، بما في ذلك برامج التدريب، والنتيجة أن العديد من معلمي اللغة العربية من اليهود يجهلون التحدث، أو الكتابة باللغة العربية"، وعن هذا الموضوع يتابع "يارون فيلدمان" الذي يدرس العربية في معهد "تقنيون" أن وضع العربية في المدارس الإسرائيلية "لا يمكن القبول به"،محذراً من أن إسرائيل تربي جيلاً كاملاً من الشباب "منفصلاً تماماً عن الشرق الأوسط سواء من حيث اللغة، أو الثقافة"، ورغم امتناع وزارة التعليم عن الرد على الانتقادات، فإنها أكدت بأن تعليم اللغة العربية يشهد حالياً بعض المراجعات، مشيرة إلى أن هناك محاولات لجعل العربية من متطلبات القبول في الجامعة.
هذا ولا يُخفي الجيش الإسرائيلي قلقه أيضاً من تدهور تعليم العربية، معبراً عن خشيته من نقص العناصر المتمكنة التي تتحدث العربية للاعتماد عليها مستقبلاً في جمع المعلومات الاستخباراتية وتوظيفهم كضباط أمن، وهو ما أكده ضابط في الاستخبارات قائلاً "لقد رصد الجيش في السنوات الأخيرة مشكلة كبيرة تتعلق بانفتاح الطلبة على اللغة العربية، وحتى بالنسبة لمن يقول إنه يجيدها تبقى الكفاءة ضعيفة جداً".
لكن رغم المشاكل التي تعرفها اللغة العربية في إسرائيل يبقى الفصل الدراسي الذي يشرف عليه "عصام شحادة" نقطة مضيئة في تعلم العربية، وهو أيضاً يشرف على برنامج يسمى "يا سلام" يرمي إلى تعريض الطلاب اليهود للمزيد من العربية وذلك بالانغماس في بيئة ثقافية يتم فيها استخدام اللغة العربية، وقد تم إطلاق البرنامج في 15 مدرسة بشمال إسرائيل قبل سبع سنوات ليمتد اليوم إلى 200 مدرسة موزعة على جميع مناطق البلاد، بحيث يُخصص البرنامج ساعتين من تدريس العربية أسبوعياً لطلبة الصفين الخامس والسادس.
ويقول المسؤولون عن البرنامج إنه بتشجيع الطلبة على تعلم اللغة العربية نريد أن نفسح المجال لمزيد من التعايش وتقبل الآخر لينعكس ذلك على الأقلية العربية في إسرائيل التي ستتحسن ظروفها، لا سيما وأن الدولة الديمقراطية التي يفترض بإسرائيل تبنيها تتعهد بحقوق متساوية للسكان العرب.
وفي هذا السياق يؤكد "دادي كوميم"، أحد المسؤولين عن برنامج تعليم اللغة العربية أن "من الأهداف الأساسية للبرنامج هو الاعتراف بالآخر وقبوله، نحن نريد الانتقال من مقاربة تعليم العربية باعتبارها لغة عدوك المعتمدة حالياً إلى مقاربة تعلم لغة جارك المشترك معك في المواطنة".
ومن المقترحات التي يطرحها البرنامج لتحسين تعلم العربية في المدارس الإسرائيلية إشراك عدد أكبر من العرب في تعليم لغتهم بدل قصرها على المدرسين اليهود، هذا بالإضافة إلى إدخال العربية منذ السنوات المبكرة للطلبة مع التركيز على مهارات التحدث والكتابة، ويرى "مناحين ميلسون"، عميد كلية العلوم الإنسانية بالجامعة العبرية أن برنامج يا سلام "سيدرب المعلمين العرب على التدريس في المدارس الإسرائيلية، وهي العملية التي لم يسبق تجريبها بسبب التشكيك في المدرسين العرب".
وقد كان على المدرس "عصام شحادة" في البداية عندما التحق بمدرسة "ييف نوف" بالقدس أن يتغلب على نظرة التشكيك التي واجهه بها الطلبة، لكن سرعان ما تمكن المدرس من الاستحواذ على انتباههم، حيث تقول مديرة المدرسة "رونيت شيما": "في البداية لم يكن سهلاً على قسط من الطلبة تجاوز العائق النفسي والإقبال على التعلم، لكن عصام مدرس جيد وتدريجياً انخرط الطلبة في عملية التعلم، بل بدأوا يحبون العربية ويقبلون عليها بحماس".

بين لينفيلد
القدس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا