الاتحاد

تقارير

تركيا... وخيارات التعامل مع سوريا

عندما قامت القوات السورية بإسقاط طائرة استطلاع تركية الشهر الماضي، تعهدت تركيا باتخاذ "التدابير اللازمة" وأعلن رئيس وزرائها سوريا "خطراً قائماً وواضحاً".
فقامت تركيا بتعزيز حدودها الممتدة على طول 550 ميلاً مع سوريا، وأعلنت عن قواعد اشتباك جديدة على الحدود. كما بدأت وسائل الإعلام الإخبارية تنشر صور دبابات وأسلحة طويلة المدى وجنود يرسلون إلى الحدود.
الحادث أبرز العلاقة الآخذة في التدهور بين الجارين في وقت أخذ فيه النزاع الداخلي لسوريا يهدد بالامتداد عبر الحدود. غير أنه إذا كانت تركيا قد أوضحت جيداً أنها ترغب في رحيل الرئيس السوري بشار الأسد، فإن بعض المحللين يرون أن أنقرة مازالت بعيدة جداً عن ترجمة خطاباتها الغاضبة إلى أفعال.
وفي هذا السياق، يقول سينان أولجن، رئيس مركز العلوم الاقتصادية ودراسات السياسة الخارجية، وهو مركز أبجاث يوجد مقره في أسطنبول: "هناك خطر قليل جداً لوقوع تدخل مباشر أحادي الجانب"، مضيفاً "والخطر يتعلق أكثر بنزاع عبر الحدود أو حوادث فردية".
تركيا تسمح للمعارضة السورية بالعمل على أراضيها، غير أنه عندما سُئل حول ما إن كانت تركيا بصدد إقامة منطقة عازلة للجيش السوري الحر بحكم الواقع، رفض مسؤول تركي "الخوض في المسألة بتفصيل". كما رفض الجيش التركي أيضاً التعليق على تفاصيل قواعد الاشتباك الجديدة. وبعد أيام من الاتهامات على خلفية الطائرة التي أسقطت، قال الأسد للتلفزيون الرسمي الإيراني الأسبوع الماضي إن حلاً داخلياً فقط يمكن أن يحل النزاع، مضيفاً: "إن سياسات المسؤولين الأتراك تؤدي إلى قتل وإراقة دماء الشعب السوري". ويوم السبت الماضي، أمر الجيش التركي ست مقاتلات من طراز "إف. 16” بالإقلاع بعد أن اقتربت طائرات هيلوكبتر سورية من الحدود، وفق إعلان على موقع للجيش التركي على الإنترنت، ولكن أي انتهاك للمجال الجوي التركي لم يحدث.
سوريا ستعتبر ربما إقامة منطقة عازلة عملاً حربياً، والحكومة التركية بدت حذرة في انتقاء كلماتها. ومع ذلك، فقد اعترف مسؤولون أتراك خلال الأشهر الأخيرة بأنهم أعدوا مخططات لمثل هذه المنطقة، ولكنهم يقولون إنهم لا يرغبون في التحرك بدون دعم المجتمع الدولي. وفي هذا الإطار، يقول "أولجن" إن البلاد "واعية بالحدود والقيود التي يفرضها السياق الدولي على تحركات تركيا في سوريا. ولكن في حال واجهوا حادثاً آخر، يضيف أولجن، فإن الجنود الأتراك من المرجح أن يردوا على إطلاق النار أو يذهبوا إلى حد عبور الحدود لفترة قصيرة من أجل مهاجمة هدف معين. ويقول أولجن: "أقول إن ذلك سيكون من أجل الرد على اعتداء من سوريا"، مضيفاً "إن العامل الأساسي هو القضاء على التهديد المحدق بتركيا".
تركيا تستضيف نحو 33 ألف لاجئ سوري في مخيمات بمحاذاة الحدود، ولكنها تخشى أن يكون تدفق أكبر للاجئين مزعزعاً للاستقرار. وإلى جانب إسقاط الطائرة في الثاني والعشرين من يونيو، فقد سجل عدد من الحوادث الأخرى العابرة للحدود خلال الأشهر الستة الماضية، ومن ذلك حادث وقع في أبريل الماضي استهدفت فيه نيران عسكرية سورية مخيماً للاجئين وأصابت ثلاثة أشخاص.
غير أن البعض في تركيا قلق من إمكانية قيام سوريا بإعادة إشعال نزاع تركيا مع عناصر انفصالية داخل أقليتها الكردية. وفي هذا الإطار، قال مسؤول تركيا طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع، إن التقارير الاستخباراتية تشير إلى أن حكومة الأسد تسمح لـ"حزب العمال" الكردستاني، وهو منظمة قتالية تحارب الدولة التركية، بالعمل في شمال سوريا. ويذكر هنا أن حرب تركيا على حزب العمال الكردستاني حصدت أرواح 40 ألف شخص منذ 1984.
وقال المسؤول التركي إن على سوريا "ألا تتجرأ على دعم حزب العمال الكردستاني. فكل البلدان عليها ألا تدعم الإرهاب. وسوريا، بشكل خاص، عليها ألا تتجرأ على دعمه".
غير أنه إذا كانت الحكومة التركية تدعم المعارضة السورية، فإن الكثيرين هنا يعتبرون الأزمة السورية موضوعاً داخلياً، حيث وجد استطلاع للرأي أجري مؤخراً أن نحو 56 في المئة من المستجوَبين يعارضون تدخلاً في سوريا. وفي هذا السياق، ترى "صفاك بافي"، وهي برلمانية من حزب "الشعب الجمهوري" المعارض، أن سياسات تركيا، وهو بلد ذو أغلبة سُنية، نحو سوريا غير حكيمة إذ تقول: "بالنسبة لـي، هذا كلـه مجـرد عـداوة طائفيـة وعثمانيـة لا أساس لها ولا منطق".
غير أن الحكومة التركية كانت تتصرف "تضامناً" مع المعارضـة السوريـة، السنيـة في معظمها، حسب "أسلي آيدينتاسباس"، وهي كاتبة عمود مؤثرة بصحيفة "ميلييت"، و"لا شك أن تركيا ستستفيد من تغيير النظام في سوريا".
وتقول "آيدينتاسباس" إن الأتراك قد يكونوا متشككين في سياسات الحكومة تجاه سوريا، ولكن "حملة الرأي العام" لم تبدأ بعد، مضيفة أنه إذا كانت الحكومة ترغب في رحيل الأسد، فإن تكثيف الجهود لخلعه لا يتطلب بالضرورة إرسال جنود إلى الحدود، ومعتبرة أن تقديم مزيد من المساعدات للمعارضة السورية هو "نوع من التدخل الذي يمكن أن يتحمله الجمهور".
وأردفت "آيدينتاسباس" تقول إن رئيس الوزراء رجب طيب أردوجان "لديه تأثير كبير جداً على قاعدته... إنه حقاً قادر على إقناع الناخبين على نحو لا تقدر عليه إلا قلة قليلة".
ولكن في بلد يتميز بتركيبته الطائفية المعقدة الخاصة به، هناك تحذيرات من أن النزاع في سوريا يمكن أن يتسبب في توترات في تركيا. وفي هذا الإطار، يقول "سليمان يلديز"، 29 عاماً، وهو موظف في بنك في أسطنبول، وعضو في الطائفة العلوية نفسها التي تهيمن على النظام السوري، ولديه عائلة بمحاذاة الحدود مع سوريا، إنه "خائف" من الحكومة لأنها تتبع أجندة طائفية في سوريا يمكن أن تجلب العنف إلى تركيا. ويقول يلديز: "إن الحكومة تفكر فقط في مكانتها الدولية، ولكن عليهم أيضاً أن يفكروا في الشعب الذي يعيش في هذا المكان".

جاستن فيلا
أسطنبول

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا