الاتحاد

رمضان

انتشار هواية صيد الأسماك بين الفلسطينيين في قطاع غزة

أذرع سمراء تجذب بشدة صنارات غاصت في مياه استمدت لونها من زرقة السماء·· وأعين ذابلة ترقبها بحثاً عن لقمة العيش في ذلك اليوم·· عشرات من الصيادين الفلسطينيين كانوا يصطفون على طرف لسان بحري يمتد عدة أمتار في عرض بحر غزة، يجربون حظهم بالصيد، وفي الوقت نفسه كانوا يتبادلون الضحكات المحملة بالهم والعذاب·
'الاتحاد' التقت ببعض هؤلاء الذين كانوا يحملون قصبات صيد طويلة وبسيطة ومتشابهة، تفتقد إلى التطور الذي تحظى به صنارات الصيد الحديثة ذات المكائن الحديثة التي تقوم بلف الخيط وتمكّن الصياد من قذف الصنارة لمسافات بعيدة· ويشير صيادون إلى أنهم لم يأتوا إلى هذا المكان للتسلية، أو لقضاء إجازة كما يفعل البعض، بل دفعتهم الظروف الاقتصادية وحصار الاحتلال الإسرائيلي المفروض عليهم إلى امتهان هذا العمل، أملاً في الحصول من خلاله على بعض المال والطعام لعائلاتهم·
ويلاحظ أن نسبة الإقبال على صيد الأسماك آخذة بالازدياد يوماً بعد يوم من قبل المواطنين الفلسطينيين، خاصة أن الاقتصاد الفلسطيني يعيش في حالة تدهور وانهيار كبيرين، نتيجة الحصار المفروض من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي· وأوضحت الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن نسبة البطالة في غزة بلغت نحو 65%، فيما تعيش نصف الأسر الفلسطينية في القطاع تحت خط الفقر·
ياسر ظهير (36 عاماً) يوضح، بعد أن زوّد صنارته بالطعم المكون من عجينة صنعها بيده، قائلاً: 'لا أبيع ما أصطاده من السمك، بل أطعم به أبنائي وأسرتي، فأوضاعنا صعبة'· ويضيف 'كنت أعمل بشكل أساسي بمهنة حدادة المباني، إلا أن البطالة المستشرية في غزة بعد أن منعنا الاحتلال من الذهاب لأماكن عملنا دفعتني لهذا العمل'، ويوضح أنه يتمكن من صيد 'كمية من السمك تتراوح ما بين 2 إلى 5 كيلوجرامات يومياً·
ويعد سمك (البوري) من أكثر أنواع الأسماك صيداً، حيث يتمكن الصياد الماهر من صيد حوالي 4 كيلوجرامات منه يومياً، ويبلغ سعر الكيلوجرام الواحد منه حوالي 6 دولارات، بينما يتمكن بعض الصيادين من اصطياد أنواع أفضل من السمك مثل (السرّوس والدنيس) التي يبلغ سعر الكيلوجرام الواحد منها نحو 10 دولارات، ومن حالفه الحظ يتمكن من صيد سمك (اللوكس)، والذي يعتبر من أغلى أصناف السمك حيث يبلغ سعر الكيلوجرام الواحد نحو 17 دولاراً· ويقوم الصيادون ببيع ما يزيد عن حاجة عائلاتهم من أسماك لأصحاب المطاعم المنتشرة على طول الشاطئ في غزة أو في سوق المدينة للسمك·
أما أحمد المناصرة (18 عاماً) والذي تظهر على وجهه علامات الضجر الشديد، بعد أن عجز عن اصطياد أي سمكة، فيقول: 'لا زلت غير ماهر في صيد السمك، فهذا العمل بحاجة لخبرة·· وصبر'، موضحاً أنه اتجه لهذه المهنة بعد أن 'خاض تجربة مريرة في مهنتي الخياطة والقصارة (تشييد المباني)'· ويتابع·· بعد أن استأذن من مجلس جمعه مع صياد أكبر منه سناً كان يوجه له بعض نصائح الصيد، 'أسعى لأن تكون هذه مهنتي، وأن تعينني على كسب قوت يومي، ومساعدة أسرتي·· لقد اشتريت الصنارة بـ10 دولارات، واتجهت للصيد بعد أن رأيت أحد أصدقائي يمتهن هذا العمل، وأخبرني أنها مهنة تسد الضائقة التي نمر بها·· لكني حتى الآن لم أتمكن من الصيد الجيد كما يفعل زملائي'·
وعلى العكس تماماً من أحمد المناصرة، يبدو محمود الجوجو (24 عاماً) بارعاً في الصيد، وذا خبرة لا بأس بها، فعيناه عيناه تلاحقان خيط الصنارة باستمرا ويقول: 'سمك البوري ذكي جداً·· إنه يأكل الطعم ويهرب، لذلك يجب الانتباه لأي حركة من الطواف (جزء من الصنارة)، ويجب جذب الصنارة بشدة وبسرعة قصوى قبل أن تهرب السمكة'· ويرجع الجوجو ممارسته للصيد الى الأحوال الاقتصادية الصعبة التي يعيشها عمال غزة، موضحاً أنه كان يعمل في المنطقة الصناعية شمال القطاع (معبر بيت حانون- إيرز)، إلا أن الاحتلال سحب منه التصريح وبالتالي طرد من العمل· ويشير إلى أنه يعمل في الصيد منذ عامين، ويتمكن من صيد حوالي 4 كيلوجرامات يومياً، ورغم خبرته فإن هناك صيادين أبرع منه، ويتمكنون من صيد 10 كيلوجرامات من السمك يومياً·
من جانبه يبدو محمد البيك (50 عاماً) نشيطاً للغاية في حركاته الرشيقة والمتواصلة في تزويد صنارته بالطعم وسحبها، ويقول، بعد أن عدّل طاقيته الزرقاء: 'أحترف الصيد كهواية وليس كمصدر رزق، حيث إن البحر يمثل بالنسبة لي المتنفس الوحيد في قطاع غزة المحاصر'·
ويتفق ماهر أبو لبن (36 عاماً) مع كلام زميلة 'البيك' ويوضح: 'الصيد أصبح مهنة للبعض لسد الفراغ القاتل الذي يعيشه الشباب الفلسطيني بسبب الأوضاع الأمنية والاقتصادية القاسية، ولو كان هناك عمل وحرية حركة، لما وجدتنا هنا، لكننا نعيش في حالة فراغ كامل، فقد كنت أعمل في البناء، لكن الآن لا أعمل في أي شيء'·
ويرى صلاح عبد الشافي، وهو خبير اقتصادي من غزة أن 'الحاجة التي فرضتها الظروف الصعبة على المواطنين جعلت من صيد السمك مهنة ذات انتشار واسع تزداد يوماً بعد يوم' مضيفاً أن الحاجة أم الاختراع، وهذا مثال أيضا يدلل على صراع البقاء الذي يمارسه الإنسان الفلسطيني ضد المحتل الذي يحاول طرده، أو التضييق عليه في رزقه'· ووصف الخبير الفلسطيني هذا الانتشار لهذا النوع من العمل بـ'الظاهرة الإيجابية' التي يحاول من خلالها الفلسطيني القضاء على الفقر الذي ألم به، ويحاول أن يخفف من نسبة البطالة التي انتشرت بشكل كبير بين الشباب الفلسطيني·
ويضيف: 'نحن على مدار سنوات الانتفاضة خسرنا ضعف الدخل القومي·· وبشهادة الخبراء الدوليين، فإنه من النادر أن تتحمل أي دولة خسائر ضعف دخلها القومي ويستمر الناس في الحياة'·

اقرأ أيضا