الاتحاد

ثقافة

ثقافة الطفل العربي بين الطموح والواقع

كتاب الطفل مسؤولية تستحق العمل من أجلها (تصوير متوكل مبارك)

كتاب الطفل مسؤولية تستحق العمل من أجلها (تصوير متوكل مبارك)

تحقيق: إبراهيم الملا

تحتلّ دور النشر المختصة بأدب الأطفال حيّزاً مهمّاً، ومساحة ملحوظة بمعرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الثامنة والثلاثين، وتحتضن القاعات والأجنحة المخصصة لتنمية ثقافة الطفل بالمعرض أطيافاً متنوعة من أنماط الترويج لمنتوجات معرفية ذات صبغة تفاعلية وتشكيلات ثريّة، ويبدو تركيز دور النشر المحلية والعربية منصباً على مخاطبة الطفل من خلال الجمع بين الجاذبية البصرية لأغلفة الكتب والرسومات الزاهية والمشوقة فيها، وبين المضمون السردي المكثف، المتوافر على التبسيط اللغوي والطرح المتراوح بين الرمز والتخييل.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا وسط هذا الكم الكبير من كتب الأطفال، هو: هل استطاعت دور النشر المحلية والعربية مواكبة التطورات الحاصلة في وسائل النشر والتعليم الموجهة للأطفال؟ وهل نجحت في تحقيق أهدافها الثقافية وسط التحولات التكنولوجية المذهلة المحيطة بالطفل الإماراتي والعربي؟ وهي التحولات التي خلقت إشكالات متعددة حول علاقة الطفل بلغته العربية وبهويته وجذوره التراثية والتاريخية، ورغبته الموازية أيضاً في التواصل مع العلوم والتقنيات الحديثة المفتوحة على أفق أوسع وأكثر تخطيّاً للمحاور المكانية والهويّاتية الضيّقة.
نقلنا هذه الأسئلة وغيرها إلى مجموعة من الكتاب والمهتمين والمشرفين على دور النشر المختصة بتنمية ثقافة الطفل في معرض الشارقة للكتاب، للتعرف على آرائهم.
بداية، أشار محمود لبنية، مدير المبيعات بدار الهدهد للنشر والتوزيع والمختصة بنشر وطباعة كتب الأطفال، إلى أهمية تنويع وسائل النشر والتعليم المخصصة للأطفال، من أجل الخروج من مأزق الخطاب الأحادي والنمطي الغالب على توجهات التنمية الثقافية للطفل العربي، مضيفاً أن الخطط والاستراتيجيات التي اتبعتها دار الهدهد منذ تأسيسها في عام 2011 ومشاركاتها في المناسبات الثقافية المحلية والعربية والعالمية أهلتها من خلال تراكم الخبرات الفنية والإدارية، للفوز مؤخراً بجائزة أفضل دار نشر محلية بمعرض الشارقة للكتاب في دورته الحالية، وقال: «إن خطورة وحساسية الخطاب الموجّه للطفل دفعتنا للتركيز على الثقافة الإماراتية وتعزيزها فيما نقدمه من قصص نابعة من البيئة المحلية، وجعلتنا حريصين كذلك على جودة الطباعة، ورصانة المحتوى، ودقة وسلامة اللغة العربية بما تتضمنه من جماليات أسلوبية، ومرونة في الطرح بالنسبة للفئات العمرية المختلفة للأطفال».
ونوّه لبنية بأن الدار لجأت إلى ترجمة عدد من إصداراتها إلى اللغة الإنجليزية حتى يتعرف الأطفال من الجاليات المختلفة بالدولة إلى الثقافة الإماراتية بتفاصيلها المحلية، وبما تحمله هذه الثقافة من تقاطعات مع ثقافات أخرى ضمن أفق إنساني رحب، وأشار إلى أن هاجس الخوف من انحسار الاهتمام باللغة العربية عند الطفل الإماراتي خصوصاً، والطفل العربي عموماً هو هاجس مشروع، في ظلّ هيمنة اللغات الأجنبية على المناهج الدراسية، وقال إن الحل يكمن في خلق نوع من التوازن بين ما تقدمه المدارس الخاصة، وما تقدمه الوسائل الأخرى مثل المكتبات ودور النشر التي عليها العمل وبشكل واع على ترسيخ اللغة العربية والترويج لها، باعتبارها نسيجاً أصلياً لهوية الطفل، ومنطلقاً لثقافته المساهمة في تنمية سلوكياته ومهاراته الحياتية، قبل تعلمه للغات أخرى قد تُفيده في مسيرته المهنية لاحقاً.

طموحات وأزمات
بدورها، أوضحت الكاتبة الإماراتية حصة المزروعي المختصة بأدب الطفل، والمتعاونة مع دار نشر «أشجار» لكتب الناشئة، أن الأزمات التي تحول من دون الوصول للمستوى العالي من الطموح لتنمية ثقافة الطفل العربي، تتلخص في أسباب عدة، أهمها وجود الشرخ الكبير بين الواقع المحيط بالطفل وبين نوعية المطبوعات والوسائل التعليمية التي تقدمه له معظم دور النشر المحلية والعربية.
وشدّدت المزروعي، كونها ناشطة كذلك في تنظيم الفعاليات الخاصة بالتنمية الثقافية للأطفال، على ضرورة تحديد الإطار العمري للطفل وتوجيه الخطاب المعرفي الخاص بكل فئة من دون خلط ومزج بينها، وقالت إن المهتمين بثقافة الطفل في الغرب يمتلكون وعياً عالياً تجاه هذا التصنيف العمري، لأن عقلية الطفل بين الثالثة والخامسة من عمره مثلاً تختلف كثيراً عن عقلية الطفل القريب من مرحلة المراهقة، عكس ما نراه في أغلب دور النشر العربية التي تحدد عمر الطفل ضمن مساحة زمنية واسعة بين سن الثالثة وحتى الثامنة عشرة، ما يعرقل الخطط والاستراتيجيات المعنية بتطوير ثقافة الطفل في مجتمعاتنا.
وأضافت المزروعي أن المناهج الدراسية مترابطة في الهيئات التعليمية الغربية، ويكون الموضوع الواحد موزعاً على عدة مواد نظرية وتطبيقية حتى ترسخ المعلومة لدى الطفل، وحتى يتاح له التعرف على جوانبها التاريخية والجغرافية والعلمية المتداخلة فيما بينها والمكملة لبعضها في سياق شامل ومكثف، على عكس ما يحدث في مناهجنا التعليمية التي تعاني من التشتت ومن النظرة الأحادية أحياناً، ومن غياب التصور العام والهدف من إيراد معلومة معينة للطفل قد لا يستفيد منها ضمن السلسلة التعليمية التي يجتازها خلال المراحل الدراسية المتعاقبة.
ونوهت المزروعي بإشكالية أخرى تتعلق بأدب اليافعين، وهم فئة الأطفال الذين تجاوزوا سن العاشرة، حيث إن هذا الأدب في المنهج الإنجليزي مثلاً يتضمن بحراً من المعارف والعلوم، بينما هو أدب محصور وقاصر ومجتزأ في العالم العربي، ولا يتماشى مع وعي اليافعين ولا طرائق تفكيرهم، كما أن هذه الفئة - كما أشارت المزروعي - هي اللبنة المهمة والأساسية التي تقوم عليها المجتمعات المستقبلية، وبالتالي فإن التركيز على تنمية ثقافتها أمر ضروري ومطلوب بشدّة من أجل خلق أجيال قادرة على مواجهة أسئلة وتحديات المستقبل.
وذكرت المزروعي أن التربية الأسرية لها دور محوري في تنمية ثقافة القراءة لدى الأطفال، وهي تمثّل القاعدة الأساسية لإذكاء شغف القراءة وحب المعرفة لديهم، قبل دخولهم المدارس، وقبل زيارتهم لمعارض الكتب، وقالت إن دور الأب والأم مهم جداً في تشجيع أطفالهما على القراءة، وخلق حالة من التوازن والنسق الإيجابي في العلاقة بين الهوية المحلية واللغة العربية، وبين التعرف على الثقافات واللغات الأخرى والأخذ بأسباب العلم والتقنيات الحديثة.

تحديات راهنة
يرى ميشيل نصر، من شركة سمير للنشر اللبنانية المختصة بطباعة كتب الأطفال، أن التحدي الكبير الذي يواجه دور النشر حالياً هو الأزمة الاقتصادية التي ظهرت بوادرها في زيادة أسعار الورق وتكاليف الطباعة وأجور المؤلفين والرسامين المتخصصين في إنتاج كتب الأطفال، وأضاف نصر أن الحلّ يكمن في تحويل المحتوى الورقي لدى دور النشر المعنية بأدب الطفل، إلى محتوى رقمي وإلكتروني لتجنب تبعات الأزمة الاقتصادية القادمة، الأمر الذي أنجزته الشركة التي يديرها، مؤكداً على أهمية البحث عن حلول بديلة تتعلق بآليات النشر والتوزيع حتى لا يتراجع أو يقل منسوب القراءة لدى الأطفال العرب.
وعن الهاجس اللغوي المؤثر على هوية الطفل وطريقه تعبيره شفاهياً وكتابياً في ظل وجود مناهج تعليمية أجنبية ضاغطة على هذه الهوية، أشار نصر إلى أن الخيارات متاحة أمام الطفل حسب البيئة التعليمية المحيطة به، وأنهم في دار النشر يضعون أمام الطفل كتباً متنوعة بثلاث لغات رئيسة هي العربية والإنجليزية والفرنسية، وبالتالي يمكن لكل طفل هنا أن يبحث عما يلائم التوجه اللغوي المناسب له، وقال إن الغالب على مطبوعات الدار هو اللغة العربية وضمن تصنيفات متعددة تتيح للطفل التعرف على الشخصيات العالمية وعلى التاريخ والفلسفة والأدب العربي في قالب مشوق وجاذب بصرياً وموضوعياً.

الثقافة الموجهة
وتحدث نادر علي إبراهيم، مدير إنتاج بدار الإبداع المصرية، عن أهمية الالتفات لعنصر مهم، أثّر سلبياً في بنية الثقافة العربية، وبنية الثقافة الموجهة للطفل تحديداً، وهو غياب المؤشرات والإحصاءات التي تقيس بدقة مدى التطور المعرفي لدى الأطفال خلال مراحلهم السنيّة المتعاقبة، ومدى تأثير القراءة عليهم في المدى التصاعدي لأعمارهم، كما أن ضمور التفكير النقدي لدى هؤلاء الأطفال، كان له دور ملحوظ في انتشار الثقافة الاستهلاكية وشيوع العقلية المستلبة والاتكالية، وقال إن هذه الإشكالية الكبرى تتحمل تبعاتها المؤسسات التعليمية في أغلب الدول العربية، ويتحمل نصيب منها دور النشر أيضاً، فمع العشوائية في التخطيط، يصبح الطفل هو الضحية وتتحمل المجتمعات لاحقاً تبعات هذا القصور والتراجع في التنمية الثقافية والصناعية والعلمية، ومن هنا كما أشار إبراهيم فإن العملية التصحيحية تبدأ بتغيير العقلية القديمة، والاتجاه نحو التخصص ونحو «الواقع المُعزَّز» الذي يراعي التحولات التقنية والتفاعلية في أساليب القراءة، وإعطاء كل مرحلة عمرية للطفل ما تستحقه من اهتمام على مستوى المناهج الدراسية، ونوعية الكتب التي عليه قراءتها خارج هذه المناهج، تبعا لذائقته وخياراته الثقافية؛ لأن كل طفل يمتلك في داخله بذرة الموهبة، وعلى المسؤولين في قطاعات التعليم والثقافة تغذية هذه البذرة منذ المراحل التأسيسية المبكرة حتى يصبح لدينا رصيد بشري وافر من المبدعين والمبتكرين القادرين على حمل المسؤولية الاجتماعية بنجاح واقتدار.

اقرأ أيضا

شعرية الإيجاز.. وفتنة تنهشها الكوابيس