حسام محمد (القاهرة) كثرت في الآونة الأخيرة إعلانات المساعدة في دفع الدية، عرفت طريقها للصحف والمجلات ووصلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك بالطبع في ظل مغالاة البعض في قيمة الدية وهكذا أصبحنا نرى إعلانات تطلب من أصحاب القلوب الرحيمة المشاركة في إعتاق رقبة بعد أن طلب أهل القتيل مبالغ كبيرة فما هو رأي الشرع في تقدير الديات وهل يجوز المبالغة في الدية؟. الدية الشرعية يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء، إن الله سبحانه وتعالى شرع القصاص في القتل العمد لردع من تسول له نفسه إزهاق نفس بغير حق لقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، «سورة البقرة: الآية 179»، ولقد ندب الشارع حث الأولياء على الصلح والتنازل لوجه الله أو أخذ دية القتل العمد، وهي كما هو مقرر هي الدية المغلظة لكنها لا تزيد كثيراً عن دية قتل الخطأ، والدية أمر واجب ومشروع حيث يقول الله تعالى: (... وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه...)، «سورة النساء: الآية 92»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال من خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يؤدي وإما أن يقاد»، وأجمع الفقهاء على أن الدية من العقوبات المالية التي فرضتها الشريعة الإسلامية ردعاً للجناة وزجراً ونهراً لهم وعبرة لغيرهم ممن قد تسول لهم أنفسهم ارتكاب جريمة القتل فيقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، سورة البقرة: الآية 178»، وتؤول الدية بالطبع لورثة القتيل وهي في اللغة المال الذي يدفع للمجني عليه أو لورثته من بعده سواء كانت الجناية في النفس أو دونها وسواء كانت الجناية عمداً أو خطأ وقد سمي هذا المال في القرآن «دية» لقوله تعالى: (... وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا...)، «سورة النساء: الآية 92». ويضيف د. هاشم: جاءت عقوبة الدية لتفتح للإنسان المسلم باب التوبة من الجريمة النكراء التي تسبب فيها، وهي إزهاق روح حث الله ورسوله الكريم على الحفاظ عليها، ولكن لأن الإنسان بطبعه خطاء، فقد أوجدت الشريعة الإسلامية الدية، وهي انعكاس لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، فالإسلام فهم ووعي النفس البشرية وراعى عندما أوجد الدية أن الإنسان خطاء بطبيعته وجبل على الذلل ومهما فعل، فلن يصل لدرجة الكمال ولهذا فمن الطبيعي أن يخطئ، وقد تصل درجة خطئه أن يزهق روح إنسان آخر وهنا ينظر الإسلام إلى القاتل والقتيل بعين الرحمة والعطف ولهذا عندما شرع الدية كان يقصد مصلحة الطرفين فالقاتل قد يكون ارتكب جريمته في لحظة خطأ بشري طبيعي ودون تعمد والقتيل له ورثة كانوا في حاجة إلى وجوده بينهم لهذا شرع الإسلام الدية لينقذ روح إنسان آخر وفي نفس الوقت لا تكون النفس التي تم إزهاقها قد راحت هباء، ووازنت الشريعة بين هاتين المصلحتين فرفضت أن تهدر نفس في الإسلام دون عقوبة كما رفضت أن يقتص من قاتل لم يتعمد أو يقصد إزهاق روح. ظاهرة مرفوضة ويقول الدكتور محمد عبد الفضيل القوصي وزير الأوقاف المصري الأسبق عضو هيئة كبار العلماء: لقد زادت في الفترة الأخيرة ظاهرة مزايدة أهل القتيل، وهو أمر لا تقره الشريعة الإسلامية خاصة، وقد أصبحت المزايدة تصل لأرقام فلكية في ظل المبالغة الشديدة في تقدير قيمة الدية إلى حد يجعل أهل القاتل وعائلته يبيعون كل ما يملكون في كثير من الأحيان لدفع الدية وإنقاذ رقبته وفي أحيان أخرى يلجأ أهل القاتل إلى الاستدانة أو التسول، وهي الظاهرة التي انتشرت عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ووصلت إلى حد النشر في المجلات والصحف، خاصة وأن الديات أصبحت مبالغاً فيها إلى درجة أن بعض الناس يطلب في المقتول عشرات الملايين وكأنه أصبح سلعة. ويضيف: ليعلم الناس أن المبالغة في الدية مرفوضة شرعاً، فالله شرع القصاص في القتل العمد لردع من تسول له نفسه إزهاق نفس بغير حق، ولقد حيث الإسلام أولياء الدم على الصلح والتنازل لوجه الله أو أخذ الدية بدون مبالغة وقد فضلت الشريعة التنازل لوجه الله تعالى، ولكن في كل الأحوال يحق لأهل القتيل الحصول على الدية شرط أن تكون معقولة. تعزيز الوعي ويقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق: الإسلام مثلما أحل لأهل القتيل الحصول على الدية أو القصاص من قاتل ابنهم حثهم على العفو عند المقدرة، حيث يقول الله في كتابه العزيز: (... فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ...)، «سورة البقرة: الآية 178»، ومن هذا المنطلق فإن الله تعالى جعل لصاحب الدم الحرية في قبول الدية أو القصاص، كذلك جعل له سلطاناً لحفظ الدماء قال تعالى: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ...)، «سورة الإسراء: الآية 33»، وبلا شك، فإن أهل القتيل يعانون مصيبة، فقد قتيلهم ويعيشون حالة من الحزن لمصابهم، خاصة أن معظم مجتمعاتنا العربية قبلية ترى في تعرض أحد أفرادها للقتل أمراً مشيناً لهذا حرصت الشريعة الإسلامية على ترك الخيار مفتوحاً أمام ولي الدم منعا للتعصب وحقنا لدماء قد تسيل إذا لم يشرع القصاص العادل، لكن على الجانب الآخر، فإن الله تعالى حث المسلمين على التراحم وطالبهم بالرحمة وقبول الدية أو الصفح والعفو الجميل. يضيف الشيخ عاشور: هكذا حث الإسلام الناس على التراحم فيما بينهم، فلا مانع أبداً من أن يعفو ولي الدم ويقبل الدية، أما أن يبالغ ويضع شروطاً ومطالبات تعجيزية وبعضها تصل إلى حد الشطط، حيث نسمع من يطالب بالملايين والتي يعجز عن جمعها أفراد الأسرة وهو ما يدخل في الجشع والطمع، والإعلام غاب عن ذلك المشهد، فلا بد أن تعود وسائل الإعلام للعب دورها وتوعية الناس بأهمية العفو عند المقدرة كشيمة من شيم المسلمين ولا بد أن تقوم المساجد بدورها في هذا الإطار لتعزيز الوعي في المجتمع وتوضيح أن الأصل في قبول الدية هو العفو والصفح الجميل لوجه الله سبحانه وتعالى، فيجب أن يكون العفو فيها خالصاً لوجه الله، وإذا كان لا بد من أخذ الأموال فمن خلال الدية المقررة شرعاً أو الزيادة عليها بشكل غير مُبالغ فيه، خاصة أن إلزام القاتل بهذا المبلغ يُعد نوعاً من أنواع التغليظ في العقوبة، لكن في كل الأحوال، فإن من عفا وأصلح، فأجره على الله باختصار، فإن التخلص من تلك الآفة يكمن في العودة إلى تعاليم الشريعة الإسلامية المطهرة وتذكير أصحاب الدم بالأجر الكبير الذي سينالونه في الآخرة لقاء عفوهم عن القاتل. المغالاة حول المغالاة في طلب الدية يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر وعضو هيئة كبار العلماء: لقد حددت الشريعة الإسلامية مقدار الدية الشرعية وهو مئة من الإبل كما كان الحال في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك قوَّم عمر رضي الله عنه الدية فجعلها على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورِق “الفضة” اثني عشر ألف درهم، وتكون واجبة في القتل الخطأ وشبه العمد وفي العمد، فالدية حق لأولياء الدم، والكفارة حق لله تعالى والمغالاة في ثمن الدية أمر مرفوض فطلب الديّة مقبول شرعاً ولكن المغالاة فيه حرام وفرض مبالغ كبيرة كتعويض لعائلة المقتول أمر لا يتناسب وتعاليم الإسلام السمحة وإن كان العلماء قد وافقوا على رفع قيمة الدية في حالات معينة مثل كون القاتل له سوابق أنه ارتكب جريمته وامتهن جسد القتيل أو أن القاتل قرن جريمته بجرائم أخرى كالسرقة وما شابه.