أحمد مراد (القاهرة) أوضح علماء في الأزهر أن سر خلود الإسلام هو الاختلاف المحمود الذي دعا إليه الدين الحنيف، مشيرين إلى أن الداء الأكبر الذي تعاني منه الأمة هو غياب آداب الاختلاف وضوابطه. وشدد العلماء على ضرورة التخلق بآداب وأخلاق الاختلاف، وحسن إدارته، وتربية النشء على قبوله، والإقرار بأنه حق إسلامي، بل وواجب إنساني أيضاً، وعلينا أن نتعلَّم كيف نختلف، لأن ذلك ليس أقل شأناً من أن نتعلم كيف نتفق، وكيف نصل إلى مرحلة الاعتراف بالآخر، وأن له كل الحق أن يكون له رأي. نعمة وليست نقمة أوضح د. محيي الدين عفيفي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، أن الاختلاف ليس ظاهرة مرضية يجب القضاء عليها، بل إن وجوده يؤكد حيوية المجتمع والحراك الفكري فيه، والاختلاف لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتاجاً للعقل وتفاوت قدراته واختلاف نظرته للحياة، والاختلاف المقبول لا بد أن يتم في إطار الوحدة، لأنه مع الاختلاف توجد المشتركات التي تعطي مساحة للتعاون والبناء المشترك، والقرآن الكريم حينما وجه خطابه إلى الإنسان راعى الخصوصية الفكرية والطبيعية الجدلية له (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا)، «سورة الكهف: الآية 54»، والخطاب القرآني لم يقدَّم مجرداً عن البراهين والحجج، ولذا ينبغي أن يكون الاختلاف عن دليل وبينة. وقال د. عفيفي: اجتمع الأنصار والمهاجرون بعد وفاة رسول الله، ورجعت كل قبيلة إلى أصلها تنادي إلى عرقها وأصلها، وعلت الأصوات وكثر الضجيج، كلٌّ يقول حجته وما قدم للإسلام، لكن مَن الذي حكم في هذا الاختلاف حين ظهر عمر بقوله لأبي بكر (رضي الله عنه): «أبسط يدك لأبايعك. رضيك رسول الله لديننا أفلا نرضاك لدنيانا؟!» فقام القوم جميعا وبايعوا أبا بكر، لأن عمر أقام الدليل، فرسول الله أناب أبا بكر في الصلاة، حتى إن أبا بكر تأخر عن الإمامة مرة، وقدم عمر لأنه قوي الصوت، فخرج رسول الله يجر ثوبه وهو مريض، وقدم أبا بكر وصلَّى خلفه قاعداً، الدليل إذن هو الذي يحكم الخلاف وهذا هو أول أدب في فكر الإسلام. وأشار إلى أن أئمة الإسلام عندما اختلفوا ما زعم أحدهم أنه أصاب الحق، بل قال كل منهم: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، وبقي الخلاف وبقي الود، وبقي التواضع في أني أبذل جهدي للوصول إلى الصواب. وأضاف: لا بد من الفهم الواعي لحقيقة الاختلاف وضرورته، وحق كل إنسان أو كل فئة للتعبير عن آرائها بما لا يؤثر على حرية الآخرين، أو يؤدي إلى إشاعة الاضطراب والفوضى الفكرية في المجتمع، والحقيقة أن غياب ثقافة الاختلاف يؤدي إلى شخصنة الأمور ولا يقبل البعض الاختلاف في الرأي، وإنما يعتبره خلافاً شخصياً حتى إنه يعد عدم الأخذ برأيه هزيمة شخصية، ويسعى للانتصار بشكل أو بآخر، ومن هنا لا بد من ترسيخ ثقافة الاختلاف في التربية وتنشئة الأبناء ويتطلب ذلك الوعي المناسب لدى الأسر مما يلقي بالتبعة على أجهزة الإعلام والفضائيات، والتنبيه إلى أن الاختلاف لا يعني الخلاف، وأنني حينما أختلف معك لا صلة لذلك بشخصك، وإنما نختلف على الفكرة أو الموضوع أو القضية، ونحتاج إلى الحوار الذي لا يصادر على الآراء، بل يحترم التعددية ويعتمد على الأدلة والبراهين، فليس لأحد أن يصادر على حق أحد في التعبير، وقد ضرب الأئمة الكبار في الفقه الإسلامي أروع الأمثلة في ذلك سواء داخل المذهب الواحد أو بين المذاهب دون أن يقوم أحدهم بتكفير الآخرين. وأكد د. عفيفي أن ما يموج به عالمنا العربي والإسلامي الآن يحتاج إلى نشر ثقافة الاختلاف، وإدراك أنه لا يعني التكفير، ففي ظل الإسلام وبوحي من أدبه العالي يجب على المسلم أن يتجه إلى الآخرين بقلب مفتوح، مهما كانت ديانتهم، فاختلاف الدين لا يفسد للود قضية، ولا مانع أن يمد المسلم يده بالبر والعدل إلى من خالفه في العقيدة، ليتم بهذا البر لون من التعايش. وقال: ومن آداب الاختلاف في الإسلام أن يكون طلباً للمصلحة والفهم الصحيح وأن لا يكون تعصباً ولا ميلاً، ولا استعلاء ولا غروراً، وأن يكون عن دليل، لأن التعصب للرأي دون دليلٍ صحيحٍ أو للغرور أو للتعالي، أمر مذموم. وأوضح د. علي جمعة، مفتي مصر السابق، أن سر عظمة الإسلام هو الاختلاف المحمود الذي دعا إليه الدين الحنيف وتحلى به علماء الأمة منذ نشأة الحضارة الإسلامية، مشيراً إلى أن الداء الأكبر الذي تعاني منه الأمة هو غياب آداب الاختلاف وضوابطه التي تعصم مَن تصدَّر في دين الله مِن الغلو والقدْح في الآخرين إن كان الحق هو المطلوب وليس الانتصار لتعصب أعمى أو هوى بغيض، قال تعالى: (... وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ)، «سورة القصص: الآية 50»، وقد وصف ابن تيمية من يفرق بين جماعة المسلمين ويكفِّر ويفسِّق مخالفَه في مسائل الآراء والاجتهادات بأنه من أهل التفرق. وقال د. جمعة: لقد كانت سنة الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الإسلام في الحوار بينهم استعمال العبارات اللطيفة والكلمات العذبة لمعرفتهم أن ذلك يليِّن القلوب القاسية ويقرّب الخصم المعاند، كما يقول سبحانه: (... ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، «سورة فصلت: الآية 34»، كما أمر القرآن بالقول الحسن بل الأحسن الذي يسد مداخل الشيطان الذي يغري بالعداوة والبغضاء والجفوة عن طريق الكلمة الخشنة والرد السيئ فقال تعالى: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا)، «سورة الإسراء: الآية 53». وأضاف: لم يكن الهوى مطية أحد من الصحابة أو تابعيهم أو علماء الأمة العظام في خلافاتهم، والخلافات التي أفرزت تلك الآداب لم يكن الدافع إليها غير تحري الحق، وكانت أخوة الإسلام بينهم أصلاً من الأصول المهمة التي لا قيام للإسلام دونها، وهي فوق الخلاف أو الوفاق. آداب وأخلاق شدد د. عطية فياض، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، على ضرورة التخلق بآداب وأخلاق الاختلاف، وحسن إدارته، وتربية النشء على قبوله، والإقرار بأنه حق إسلامي، بل حق وواجب إنساني، وعلينا أن نتعلم كيف نختلف، لأن ذلك ليس أقل شأناً من أن نتعلم كيف نتفق، وكيف نصل إلى مرحلة الاعتراف بالآخر، وأن له كل الحق أن يكون له رأي كما أن لنا رأياً، وعلينا أن نعي أيضاً أن أدب الخلاف يعتبر من أرقى الآداب الإنسانية وأعلى مراتب الأخلاق، وأن الانغلاق والتعصب مراهقة وطفولة بشرية، وإذا أحسنّا إدارة الخلاف، وتحلَّينا بأدبه، تحول إلى خلاف تنوُّع وتكامُل وتعاون ونمو، وأصبح علامة صحة، وإثراء وإغناء للمسيرة، وإفادة من جميع العقول، أما إذا فشلنا في إدارة الخلاف، تحول إلى تضادّ وتبعثُر وتفرُّق، وأصبح خطراً ماحقاً. ورصد د. عطية بعض آداب الاختلاف التي حث عليها الإسلام من خلال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومنها الحوار بالحسنى واللين وانتقاء أطيب الكلام وتقدير كل صاحب قول للآخر، والحرص على الوصول للحق والصواب وليس المجادلة والتشبث بالمواقف.