الاتحاد

الرياضي

زيدان الفنان عزف أروع الألحان ووداعاً البرازيل

فرانكفورت : أكرم يوسف

في الساعة العاشرة و53 دقيقة بتوقيت ألمانيا من مساء أمس الأول فارق منتخب البرازيل نهائيات كأس العالم الثامنة عشرة لكرة القدم وسط حزن ودموع عشاق السامبا في كل مكان في مشهد مؤثر بعد أن أطلق اللاعب الفرنسي تيري هنري رصاصة الرحمة في الدقيقة 57 ليسقط جسد بطل العرض الأول على أرض استاد فرانكفورت وباءت كل محاولات التنفس الصناعي التي قام بها كارلوس البرتو بيريرا في إنقاذ الفريق وإعادته للحياة مرة أخرى، لأنه فقد توازنه ودخل في حالة غيبوبة تامة منذ الساعة التاسعة وحتى أطلق الحكم الأسباني لويس مدينيا صافرة نهاية المباراة أمام فرنسا ليعلن بذلك حالة الخروج الرسمي من الدور ربع النهائي·
سادت حالة من الحزن وتمزقت قلوب الجماهير من الألم بعد تلك الصدمة التي هزت المونديال لرحيل ''البطل'' بتلك الطريقة المأساوية، ومازال 182 مليون برازيلي في دهشة يرفضون تصديق ما حدث منذ تلقيهم خبر ''الخروج'' في الساعة السادسة من مساء أمس الأول بتوقيت ريو دي جانيرو وحتى الآن لأن الفريق غادر البرازيل إلى ألمانيا بكامل صحته البدنية والفنية والنفسية، ولم يكن يعاني حتى من نزلة برد والعالم كله كان يحسد جماهير البرازيل على فريقها لما يتمتع به من قوة ورشاقة وحيوية وموهبة، ولذلك كانوا ينتظرون العودة باللقب السادس مساء يوم 9 يوليو المقبل، ولكن شاءت الأقدار أن يحدث السقوط مساء أمس الأول من يوليو·
السقوط البرازيلي في المونديال لم يكن بسبب هبوط حاد في اللياقة البدنية، أو توقف في نبضات الإبداع ولكن بسبب سوء تنظيم ، وتضخم في الثقة، وكسل في الحركة ، وفقدان تركيز، وانهيار في الأجهزة الدفاعية ، وغيبوبة في الهجومية وأعراض شيخوخة على بعض النجوم ·
وفي الحقيقة كل هذه الأعراض ظهرت على المنتخب البرازيلي منذ أول مباراة أمام كرواتيا ثم رافقته بعد ذلك أمام أستراليا واليابان وغانا ولكن في كل مرة كان يكتب له النجاة ويستمر على قيد الحياة لأنه يخوض معارك سهلة ينجو منها بأقل مجهود لقلة خبرة وموهبة خصومه ولكن في أول موقعة حقيقية أمام فرنسا لم يتحمل البقاء طويلا وظل يترنح بعد أول عشر دقائق من بداية المباراة لا يعرف ماذا يفعل وأصيب كل النجوم الكبار بحالة دوار جعلتهم غير قادرين حتى على الحركة وليس اللعب والتمرير والتسديد فلا يوجد رونالدينيو ولا كاكا ولا كافو ولا جوانينيو ولا روبرتو كارلوس ولا رونالدو، وعندما نشاهد الهدف الذي أحرزه تيري هنري مرة أخرى سنجد أن خمسة لاعبين من فرنسا ذهبوا على الكرة مقابل ثلاثة فقط من البرازيل رغم انها من كرة ثابتة خارج منطقة الجزاء ومن المفترض في الكرات الثابتة أن يعود كل أفراد الفريق باستثناء لاعب أو اثنين لمراقبة الخصوم داخل منطقة الجزاء ولكن هذا لم يحدث حتى مصيدة التسلل فشلوا في تنظيمها بشكل جيد فانقض هنري على الكرة ليصوب الطلقة القاتلة في صدر ''البطل''·
ردة الفعل
وفي الوقت الذي توقع فيه الجميع ردة فعل عنيفة في الملعب، ليدافع المنتخب البرازيلي عن كبريائه وكرامته الكروية ويقاتل النجوم عن سمعتهم وقميص بلادهم لم يحدث شيء !
نعم لا ردة فعل ولا ثورة في الملعب ولا عاصفة هجومية ، وكأن البرازيل لم تهتز شباكها، وكأن الـ33 دقيقة المتبقية غير كافية للتعادل وكأن المنتخب الفرنسي هو بطل العالم 2002 وبطل القارات 2005 وليس البرازيل·
رونالدينيو مازال يبحث عن نفسه ويصر على تعطيل اللعب بالمراوغة ، ورونالدو ينتظر في منطقة الجزاء لا تصل إليه الكرات ، وكاكا وجوانينيو لم يشعر أحد بوجودهما إلا عندما استبدلهما كارلوس البرتو بيريرا في الشوط الثاني ، وكافو وروبرتو كارلوس يقتربان معا من السبعين عاما، وثنائي الدفاع مكشوف طوال الوقت أمام الغزوات الفرنسية دون مساندة من الوسط أو الأطراف·
وكان هناك ستة لاعبين بدون فائدة في تلك المباراة والبقية لا تعرف ماذا تفعل ولذلك لا تندهش عندما تعرف أن حارس فرنسا فابيان بارتيز لم يختبر في تلك المباراة إلا مرة واحدة لأن المحاولات السبعة للبرازيل كلها كانت خارج المرمى ، وكان الحكم الأسباني متعاطفا مع البرازيل ولم يطرد المدافع خوان عندما عرقل باترييك فييرا وهو منفرد خارج منطقة الجزاء واكتفي بإنذاره·
من المسؤول ؟
لم يدخل المنتخب الفرنسي المباراة ليكون ضحية جديدة لمنتخب البرازيل لأن فرنسا تختلف عن استراليا واليابان وكرواتيا وغانا ، فريق لديه نجوم وأسماء وخبرات طويلة ، وكان متوقعا أن يقدم مباراة كبيرة بعد فوزه على اسبانيا بالثلاثة في الدور الثاني ، ولكن لم يكن متوقعا أبدا أن تفوز فرنسا على البرازيل وتتلاعب بها بالصورة التي شاهدناها أمس الأول، فالمنتخب الفرنسي الأكبر عمرا في المونديال كان يستعد للمغادرة والعودة إلى باريس على اقرب طائرة بعد تعادله مع سويسرا وكوريا في الدور الأول والجماهير الفرنسية فقدت ثقتها في المدرب وزيدان وهنري وبارتيز وميكاليلي وويلتورد·
مفاجأة بيريرا
ورغم الفوز على اسبانيا إلا أن البرازيل تختلف عن اسبانيا لأنها تلعب على اللقب ومن الصعب أن يتنازل ''النجوم الكبار'' عن فرصة المنافسة على الكأس السادسة والثأر من الخسارة بالثلاثة في نهائي ،1998 وإذا لم تفز البرازيل على فرنسا في هذه الحالة فمن الصعب عليها أن تفوز في وقت آخر لأن نصف نجوم المنتخب الفرنسي يستعدون للاعتزال والنصــــف الآخر بعيد عن مستواه ·
ولكن منتخب البرازيل فاجأ نفسه منذ بداية المباراة بطريقة 4-3-2-1 التي لعب بها كارلوس البرتو بيريرا وكان يبدو خائفا وحذرا أكثر مما ينبغي ووضع رونالدو فقط في خط الهجوم وخلفه كلا من رونالدينيو وكاكا، ويتقدم أحيانا زي روبرتو ، وذلك في محاولة للسيطرة على وسط الملعب لأن المنتخب الفرنسي يلعب بطريقة 4-4-1-1 وبالتالي تجد معظم الوقت خمسة لاعبين في وسط الملعب وترك تيري هنري بمفرده في الهجوم وراءه مباشرة زين الدين زيدان وتلك الطريقة التي فاز بها على اسبانيا ولم يغيرها أمس الأول ولكن الذي تغير هو أداء البرازيل حيث أراد بيريرا أن يلعب بأسلوب فرنسا وليس بأسلوب البرازيل عندما وضع مهاجما وهدافا خطيرا مثل ادريانو في مقاعد البدلاء ولعب برأس حربة وحيد وهو رونالدو الذي يتسم أداؤه بالبطء ويحتاج إلى لاعب آخر بجواره لخلق المساحات وتبادل المراكز لإيجاد ثغرات للاختراق وتخفيف الضغط عليه ، ولكن أن يترك رونالدو بمفرده وسط حصار من ويليام جالاس وتورام وميكاليلي وفييرا من الصعب أن يفعل أكثر مما فعله خاصة بعد انقطاع كل خطوط الاتصال بينه وبين الوسط والأطراف ، لأن رامون دومنيك مدرب فرنسا تعامل مع المباراة بذكاء وواقعية ووضع يده على مكان الالم في المنتخب البرازيلي وضغط عليها بقوة وخرج بنتيجة رائعة في النهاية حيث ضغط بقوة على ظهيري الجنب كافو وروبرتو كارلوس لأنه يدرك جيدا مدى خطورتهما الهجومية إذا وجدا مساحة للتقدم ، ويعرف أيضا مدى ضعف دورهما الدفاعي ولذلك لم يلتقط كافو أنفاسه منذ بداية المباراة وحتى خروجه في الدقيقة 75 لأن مالودا لاعب الوسط الأيسر طوال الوقت يشكل ضغطا عليه بمساندة من زيدان وابيدال الظهير الأيسر ، وأحيانا كان كافو يواجه ثلاثة لاعبين نتيجة لعدم قيام كاكا بالمساندة الدفاعية ، ولم يكن كاكا وحده الذي غاب عن الدور الدفاعي والهجومي بل كل لاعبي الوسط ، ونجح مالودا في المرور وتمرير 10 كرات عرضية من تلك المنطقة بنسبة نجاح 33% وهذا يعكس حجم الضغط الذي تعرض له كافو خاصة مع تقدم عمره إلى 36 عاما فلم يجد لا الوقت والمساحة ولا الجهد للقيام بالدور الهجومي·
ونفس الشيء حدث مع روبرتو كارلوس في الجانب الأيسر ولكن بنسبة أقل لأن ريبري لاعب وسط فرنسا الأيمن لم يكن بنفس قوة وحيوية مالودا إلا أن تيري هنري لم يغب عن تلك المنطقة وأحيانا سانيول الظهير الأيمن ·
غياب الوسط
إذن ألغى رامون دومنيك مدرب فرنسا دور الظهيرين في الشق الهجومي ، ونجح بعد ذلك في إبعاد رونالدينيو وكاكا وزي روبرتو عن التقدم لمساندة الهجوم ، وشاهدنا كاكا غائبا تماما يفقد الكرة كثيرا وتمريراته مقطوعة ، ورونالدينيو سدد مرة واحدة طوال المباراة وفقد الكرة مرتين أثناء محاولة للمراوغة من ثلاث مرات تعرض فيها للالتحام من لاعب فرنسي ، ومرر الكرة 33 مرة بنسبة نجاح 70% و6 عرضيات بنسبة نجاح 33% وكراته الطويلة تفتقد الدقة ومرر عشر كرات بنسبة 50% ·
وعندما تتعطل الأطراف ويغيب الوسط فمن الطبيعي أن تنعدم الخطورة على مرمى فرنسا ومحاولات التسديد السبع للبرازيل منها أربع من خارج المنطقة ، لعدم قدرة الفريق على خلق فرص داخل المنطقة للمهاجم الوحيد رونالدو ، والخطأ الذي وقع فيه كارلوس البرتو بيريرا أنه بنى حساباته الهجومية على سيناريوهات المباريات السابقة وتصور أن رونالدو سينفرد من وسط الملعب كل خمس دقائق وانطلاقات كافو وروبرتو كارلوس وكاكا ورونالدينيو ستربك ديوك فرنسا، ولكن مع وجود كتيبة مقاتلين من نوعية ميكاليلي وفييرا وزيدان وتورام وجالاس وسانيول لم تجد المهارات الفردية المساحة للتحرك ، ولم تندفع فرنسا للهجوم مثل غانا أو تلعب بعشوائية مثل اليابان ولكنها احترمت جيدا قدرات المنتخب البرازيلي وشلت حركته تماما ، وشاهدنا لاعبا مثل فييرا يحصل على الكرة في كل التحاماته مع نجوم البرازيل بنسبة 100%·
الدفاع يتقدم
وبراعة وسط فرنسا في عزل رونالدو منحت الحرية أكبر ليتقدم أكثر من الدفاع والوسط للهجوم لانهم يلعبون بدون ضغوط وهناك ثغرة كبيرة ما بين وسط البرازيل والدفاع وشاهدنا ويلي سانيول الظهير الأيمن يتقدم ، وابيدال الظهير الأيسر يتقدم وفييرا كاد أن يسجل من انفراد وتعرقل وتشعر أن هناك التزاما في الأدوار وتنظيما في الأداء أكثر من البرازيل التي لعبت بخيار هجومي واحد وعندما فشل غابت الحلول الفردية والجماعية، وكان هناك بطء شديد من كارلوس البرتو بيريرا في التعامل مع مستجدات المباراة ، وانتظر أكثر من مما يجب لإجراء تغييرات كان يجب أن يقوم بها مع بداية الشوط الثاني لأن كل المؤشرات على أرض الواقع كانت ترجح كفة فرنسا ولديه أكثر من خيار على مقاعد البدلاء إلا انه انتظر حتى جاء الهدف وأشرك ادريانو بدلا من جوانينيو في الدقيقة 62 ثم سحب كافو واشرك زيزينهو ودفع بروبينيو، ولكن لم ينجح اى منهم في تغيير النتيجة لأن كتيبة زيدان أحكمت قبضتها على المباراة حتى النهاية ، بل كادت أن تتضاعف النتيجة إلى ثلاثة أهداف إلا أن القدر كان رحيما بعشاق السامبا الذين لا يصدقون ما حدث حتى الآن·
الفريق الذي دخل البطولة بقامة عالية ونجوم سحروا العالم بمهاراتهم وخرج منها بسكتة قلبية ولم يصعد حتى للمباراة النهائية عاد إلى ريو دي جانيرو ولا يحمل معه إلا لقبا عالميا جديدا باسم رونالدو الذي أحرز 15 هدفا في تاريخ كل بطولات العالم ، وكأن البرازيل شاركت في مونديال ألمانيا لتحطم رقم جيرد موللر·
أداء متواضع
وبعد المباراة تذكرت ما قاله لي ليوناردو نجم البرازيل في 1998 المحلل بقناة بي بي سي ، عندما سألته بعد مباراة غانا هل ستفوز البرازيل بكأس العالم فأجاب بدبلوماسية ''نعم أحد المرشحين ، ولكن لا يجب أن نصدر أحكامنا على البرازيل وفقا للتاريخ والماضي والبطولات ولكن عندما نقيم البرازيل لابد أن يكون وفقا لأدائها في البطولة الحالية''·
وبالفعل لم يكن أداء البرازيل مقنعا للجميع منذ البداية وقبل مباراة استراليا بالتحديد في عدد يوم 18 يونيو الماضي كتبت تحقيقا تحت عنوان : ''كابوس 82 يطارد سحرة ''2006 وقلت بالنص: ''والتحدي الحقيقي للبرازيل سيكون في الدور الثاني عندما يصطدم بالأقوياء
وعادة البرازيل لا تفوز بالبطولة عندما تكون المرشح الأول كما حدث عام 1950 على ملعبها وخسرت وعام 1974 وخسرت وعام 1982 وخسرت وعام 1986 وخسرت وعام 1998 وخسرت ، بينما فاجأت الجميع عندما تجاهلتها الترشيحات وفازت عام 1994 وعام 2002 عندما كانت الأرجنتين المرشح الأول بلا منازع ·
وأستطيع أن أقولها بمرارة شديدة من الآن إذا استمر أداء السامبا بنفس المستوى: ''البرازيل لن تفوز بكأس العالم''·
ومع أول اختبار حقيقي أمام ''عواجيز فرنسا'' سقطت البرازيل وودعت المونديال من الدور ربع النهائي ، وبكل صراحة هذا الجيل الذي يضم كل هذه الأسماء اللامعة غادر دون ان يترك بصمة واحدة ، فالبرازيل حتى في أسوأ حالاتها عندما لا تحقق نتائج تترك عروضا تتذكرها الجماهير كما فعل جيل 82 ، أو على الأقل تصعد للمباراة النهائية كما حدث في 98 أو تفوز بالبطولة بركلات الترجيح كما حدث عام ·1994
فما حققه الجيل الحالي الأكثر موهبة هو أسوأ نتيجة للبرازيل في المونديال منذ عام ·1994
ورغم حالة الحزن في معظم بلدان العالم إلا أن الجماهير الألمانية كانت الأكثر سعادة بخروج المرشح الأول لأن الطريق إلى اللقب بات مفتوحا على مصراعيه ·

اقرأ أيضا

«تنفيذي الرياضي الوطني» يستعرض استعدادات «الخامسة»