الاتحاد

الإمارات

الإمارات والسعودية.. جذور قبلية وأنساب ومصير مشترك

أحمد عبدالعزيز (أبوظبي)

ترتبط دولة الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية بعلاقات وثيقة، تجسدها علاقات الإخاء بين الشعبين الشقيقين وحسن الجوار، إضافة إلى الروابط التاريخية والتجارية بين البلدين، والتي تحظى بدعم لا محدود من القيادة في البلدين، مستندة إلى معطيات جغرافية وطبيعية وبشرية.
وثمة شواهد تاريخية على عمق العلاقات بين الشعبين الإماراتي والسعودي أبرزها حرص شعب الإمارات على الاحتفال باليوم الوطني للمملكة، في الثالث والعشرين من شهر سبتمبر كل عام، حيث تتجلى مظاهر الاحتفال في كل أرجاء الإمارات.
والتشابه بين الشعبين يضرب بجذوره في التاريخ، ويتمثل في الترابط الاجتماعي والتكوين المجتمعي والتشابه في الموروثات التراثية والثقافية، وتجسده الآثار التي تم اكتشافها بالعديد من المواقع في البلدين.

شبه الجزيرة العربية
وتناول الدكتور عبدالعزيز صالح، في كتابه «تاريخ شبه الجزيرة العربية»، تعدد الآراء قديماً وحديثاً حول الموطن الأصلي للإنسان في شبه الجزيرة العربية، وهي آراء رغم كثرة ترديدها في مؤلفات التاريخ القديم، إلا أنه لم تكد أن تؤدي إلى نتائج يقينية سوى في أمرين: أولهما، أن ضخامة الكتلة الصحراوية لشبه الجزيرة ساعدت على نقاء العنصر الإنساني واللغوي بين أهلها، ومناطقها الوسطى خاصة، إلى حد كبير، والقول بالنسبية هنا ضرورة علمية لازمة، حيث لا وجود لسلالة بشرية لم تختلط بغيرها قط، بينما دلت الشواهد التاريخية على أن اختلاط السلالات والأمم بعضها ببعض قد يؤدي أحياناً إلى تجديد حيويتها وثراء حضارتها، وذلك شريطة ألا تطغى العناصر الدخيلة على العناصر الأصيلة فيها.
أما الأمر الثاني، فهو ترجيح انتماء سكان شبه الجزيرة العربية في لبناتهم، أو جوهرهم إلى سلالة بشرية متجانسة ذات خصائص رئيسة متشابهة تعرف عادة باسم السلالة السامية أو «الساميين»، وهو اسم اصطلاحي نشره الباحث النمساوي أوجست لوفيدج شلوسر، في أواخر القرن الثامن عشر، وتحديداً في عام 1781م، واستعاره مما ذكرته أنساب التوراة عن ولد لسيدنا نوح عليه السلام يدعى شام أو سام في مقابل ولد آخر يدعى حام، وولد ثالث هو يافث. وتواتر استخدام اسم الساميين ذات الأصل المشترك التي استخدمها سكان شبه الجزيرة العربية وأطرافها، وجيرانهم ممن اتصلوا بهم بصلة الدم في الهلال الخصيب أو صلة الجوار، والاستيطان والتعامل مع الساحل الأفريقي لجنوب البحر الأحمر، وعلى الساحل الشمالي لأفريقيا.
ومع وحدة الأصل البعيد تشعبت اللغات السامية القديمة إلى شعبتين كبيرتين كانت لكل منهما فروعها العديدة، وذلك من قبل أن توحد لغة القرآن الفصحى بينهما، وكانت شعبة سامية غريبة شاعت بقواعدها ولهجاتها في غرب شبه الجزيرة العربية ووسطها وجنوبها وشمالها، وفي أغلب بلاد الشام ومصر، ثم بعد ذلك في جزء من شمال إفريقيا وشمال السودان، بل وامتدت قديماً من اليمن إلى أكسوم في الحبشة وجزء من الساحل الأفريقي القريب منها، ثم شعبة سامية شرقية شاعت بخصائصها في المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية، وما اتصل بها من نواحي الخليج العربي وجزره وبلاد النهرين أو العراق القديم.


الحدود الإقليمية
وحين نتناول ظروف شبه الجزيرة العربية منذ قديم الأزل، فلا ينبغي أن نتصور لها حدوداً مغلقة على أهلها أو أمام أهلها، فالحدود الإقليمية لم تكن معروفة بعد، وكانت الجماعات تنتشر هنا وهناك حيثما استطاعت وفي كل اتجاه، بحثاً عن الأراضي النباتية والمعشبة ومصادر الماء على نطاق الشرق الأدنى باتساعه الكبير. ومن المحتمل أن الموقع المتوسط لشبه الجزيرة العربية يسر لبعض سكان أطرافها أن يشاركوا في نقل المتاجر المناسبة لعهودهم بين أقطار الهلال الخصيب حين بدأت عصورها التاريخية منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وازدادت معها إمكانياتها ومطالبها، وعملوا كذلك في صلب العصور التاريخية على نقل ما يمكن الاتجار به من منتجات بلادهم نفسها، لا سيما منتجات البخور واللبان والصمغ والمر من الجنوب العربي، ويبدو أن الدور التجاري لم يتم على نطاق واسع إلا بعد استئناس الجمل سفينة الصحراء واستخدامه في النقل والأسفار.

الكشوف الأثرية
وارتبطت أغلب الكشوف الأثرية في سواحل الخليج العربي وجزره مؤخراً بجهود بعثة دانماركية لآثار ما قبل التاريخ، وما تبعها من بعثات أخرى في خمسينيات القرن الماضي، حيث ركزت البعثة أغلب أعمالها في أبوظبي، وتحديداً في جزيرة أم النار، والتي قيل إنها اكتسبت اسمها من كثرة ما وجد بها من أحجار كانت تستخدم لإيقاد النار، ثم اتسع البحث إلى منطقة العين وقرية الهيلي.
وظهرت شواهد أربع مراحل للعمران في محال قديمة ذات مساكن منوعة. كما وجدت أعداد كثيرة من المقابر المستديرة الفردية والأسرية، وأرجع أقدمها إلى فترات من الألف الثالث قبل الميلاد، وبني أكبرها بالحجر وصورت على مداخلها مناظر إبل وماشية وحيات.
واحتفظت بعض المقابر ببعض ما زود الموتى به من أوان وخناجر وأدوات للزينة، ويحتمل أن أهل جزيرة أم النار القدامى أخذوا في بعض عصورهم بتضحية الأتباع حين دفن سادتهم.
وفي الساحل الشرقي للسعودية، توزعت الأكوام الأثرية الصغيرة على طول الساحل الشرقي للمملكة في مثل تاج والقطيف وتاروت والعقير والظهران وجبيل، وكان لكل هذه المواضع نشاطها الاقتصادي كمراكز بحرية وبرية لتجارة المرور، فضلاً على تجارتها المحلية، ما دلت عليه كتابات الرحالة والمؤرخين الكلاسيكيين، وبعض المصادر العربية القديمة.
وعثر فيما عثر عليه على أعداد من التماثيل الطينية الصغيرة لإناث وحيوانات وقامت البعثة الدانماركية، بتجميع أعداد كبيرة من كسر الفخار الخشن والرقيق والأواني الفخارية، ومباخر مربعة - ويبدو أنها كانت من آثار عمران لبلدة عاصرت الحضارة السليوكية أو الهيلينستية كما عثر على نقش بكتابة عربية جنوبية قديمة في ثاج. وفي شبه جزيرة تاروت على امتداد القطيف تعددت رجم المقابر ذات الشكل المخروطي ووجدت البعثة الدانمركية آثار عمران متقطع متفاوت قد يبدوأ معاصراً لحضارة العبيد في أقدم طبقاته، ويمتد به الزمن حتى عهد حضارة باربار في البحرين، ويضم مخلفات من الأدوات الحجرية الصغيرة لدهور ما قبل التاريخ ومخلفات من كسر الفخار.


آثار المنطقة وأولت دولة الإمارات العربية اهتماماً بالكشف في أنحائها عن المزيد من الآثار، ووجدت على بعض أحجار المقابر رسوم هيئات بشرية وحيوانية ومناظر صيد. وتضمنت الآثار المنقولة التي عثر عليها من أوان وكسر الفخار أعداداً مزخرفة بأشكال حيوانية وتخطيطية على الطريقة المحلية أحياناً. وبما يقلد بعض زخارف الفخار الخارجية، في مثل بامبور وكلي أحياناً أخرى.
وانصب كثير من الاهتمام في نجد بالمملكة العربية السعودية على منطقة الفاو، وكانت مستوطنة قديمة على الطريق التجاري بين نجران وبين أطراف العراق عبر وادي الدواسر. وكشف فيها آثار عمرانها القديم وما تخلف عنه من الأواني الحجرية والفخارية فضلاً عن نقوش نصب المقابر ومخربشات الصخور مما اختلط فيه الأسلوب العربي الجنوبي بالأسلوب العربي الشمالي ويحتمل ربطه إلى حد ما بنشاط مملكة كندة قبل ظهور الإسلام.
ويرى مفكرون أنه مما لا يدع مجالاً للشك أن المكانة التجارية للخليج العربي تمثلت في حضارة «ماجان» جنوب شرق شبه الجزيرة العربية، وتشغلها اليوم دولة الإمارات العربية المتحدة ذات الموقع الجغرافي والاستراتيجي المطل على الخليج العربي وخليج عمان، بما يجعلها في البؤرة المركزية لمعظم الحضارات القديمة في العالم ممثلة بحضارة ما بين النهرين وحضارة «دلمون» التي تشمل البحرين والمنطقة الشرقية للمملكة العربية السعودية، ووادي «الأندوس» والحضارة «الساسانية»، ولذلك تشكل لحضارة «ماجان» دوراً ريادياً في التجارة العالمية آنذاك.

الأصول العربية
ويكمن التقارب بين الشعبين الإماراتي والسعودي، في العديد من العوامل التي بيّنها بحث أعدته الدكتورة مريم سالم بيشك، العميد المشاركة بكلية الدراسات الإنسانية والاجتماعية في جامعة الإمارات، وألقت عدة محاضرات عن البناء اللغوي لتاريخ لهجة قبائل «الشحوح»، وتحدثت عن الأصول العربية لهذه القبائل التي تنحدر - من وجهة نظرها - من قبيلة «بني حمير»، ثم نزحت من الجزيرة العربية واستوطنت المنطقة الواقعة ما بين إمارة رأس الخيمة ودبا وسلطنة عمان، وتفرقت بين مستوطنين لرؤوس الجبال ومستوطنين ظهوريين استقروا في البقعة لساحلية من تلك المناطق.
وتعرض في ملخص بحثها انحدار قبائل تعيش في أرض الإمارات، وترجع أصولها إلى الجزيرة العربية معتمدة فيه على كونها إحدى بنات الإمارات وثيقة الصلة بالشحوح، كونها تنتمي إلى أسرة تنحدر من جهة الأم إلى إحدى بطون قبيلة «الشحوح»، إلى جانب اعتمادها على الكتب والدراسات السابقة التي طالت الموضوع بالبحث.

اقرأ أيضاً.. الإمارات والسعودية.. خير "المملكة" و"وطن السعادة" يعم ربوع العالم

اقرأ أيضا

هزاع المنصوري: أتطلع لرؤيتكم جميعاًً في ندوة «الإنسان في الفضاء»