الاتحاد

الاقتصادي

المهاجرون الأفارقة يوقظون ذكريات الإجحاف



مدريد - (د ب أ): بين الحين والآخر تنقل كاميرات التليفزيون الاسباني لقطات للمهاجرين غير الشرعيين الذين يتوافدون على جزر الكناري بالقوارب قادمين من السواحل الشمالية للقارة السمراء· ويحدق هؤلاء المهاجرون الأفارقة صغار السن بأعين خاوية من أي تعبير في الكاميرات التي تلتقط صورهم سواء وهم يحتشدون في قوارب الصيد الخشبية أو وهم ينزلون على الشاطئ بمساعدة من عمال الصليب الاحمر· ويبدو هؤلاء في تلك اللحظة كما لو كانوا يرفضون الإفصاح عن سر ذلك العالم الآخر الذين جاءوا منه·
وتضفي تلك الرحلة البحرية المحفوفة بالمخاطر التي خاضها هؤلاء المهاجرون في طريقهم إلى جزر الكناري مسحة درامية على لحظة وصولهم إلى هذه الجزر ولعل ذلك ما يجعل هناك فارقا كبيرا بينهم وبين غيرهم من المهاجرين القادمين من بلدان شرق أوروبا أو أميركا اللاتينية على سبيل المثال· ويقال إن أولئك المهاجرين تركوا بلدانهم فرارا من الفقر المدقع والجوع الشديد الذي يعانون منه هناك·
وبطبيعة الحال كلهم سود البشرة وهو أمر يتجنب الساسة والإعلاميون الأسبان الإشارة إليه بهذا الاسم حيث يطلقون على هؤلاء المهاجرين بدلا من ذلك اسم القادمين من بلدان جنوب الصحراء· وعلى الرغم من حقيقة أن دول وسط وغرب أفريقيا لا تسهم سوى بنصيب محدود في المهاجرين القادمين إلى إسبانيا من خارج البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذين يزيد عددهم عن مليوني شخص ينظر إلى هذه الدول باعتبارها المشكلة الرئيسية التي تواجه الحكومة الإسبانية في ما يتعلق بمسألة الهجرة· ويقيم في أسبانيا بصورة مشروعة نحو مئة ألف شخص من مواطني دول وسط وغرب أفريقيا مقارنة بنصف مليون من المغاربة و370 ألفا من الاكوادوريين·
وذكرت تقارير أن قرابة 500 روماني وبلغاري يعبرون سلاسل جبال البرانس يوميا إلى داخل الأراضي الإسبانية حيث يسعى العديد من هؤلاء للبقاء في إسبانيا غير أن أنظار وسائل الاعلام لا تلتفت لهؤلاء المهاجرين· وتتعرض مراكز الاستقبال المحلية الموجودة في جزر الكناري إلى ضغط كبير في الوقت الراهن في ضوء وصول نحو 10 آلاف أفريقي خلال العام الجاري فقط إلى هذه الجزر لكن المفارقة تكمن في أنه بينما يتزايد عدد المهاجرين الذين يتوافدون على إسبانيا عبر الإبحار إلى جزر الكناري فإن أعداد من يدخلون البلاد من خلال طرق أخرى مثل جيبي سبتة ومليلية ومضيق جبل طارق سجلت تراجعا· ونادرا ما كان هناك ربط بين المهاجرين القادمين من بلدان وسط وغرب أفريقيا بأي أنشطة إجرامية في إسبانيا· كما أن المخاوف التي تنتاب سكان جزر الكناري من أن هؤلاء المهاجرين مصابون بأمراض معدية يمكن أن تتفشي في الجزيرة بسببهم ثبت حتى الآن أنه لا أساس لها من الصحة·
ولذا يطرح سؤال مهم نفسه: لماذا ينظر إلى الأفارقة باعتبارهم مشكلة كبرى تدفع الاتحاد الأوروبي إلى إرسال سفن وطائرات للمشاركة في دوريات تجوب الساحل الغربي لأفريقيا؟ السبب الظاهر في هذا الشأن يتمثل في التخوف من أن وتيرة تدفق المهاجرين لن تهدأ وأنها ستتزايد بشكل يخرج عن نطاق السيطرة·
ويقدر عدد الأشخاص القابعين في السنغال وموريتانيا وغيرها من الدول المجاورة بانتظار خوض غمار رحلة عبر البحر المتوسط يصل طولها إلى 1200 كيلومتر حتى جزر الكناري بما لا يقل عن 80 ألف شخص غير أن هناك أسبابا أخرى لا تجري مناقشتها بشكل علني·
وفي هذا الشأن يقول المؤرخ أنتومي تواسيجي الذي يعمل مستشارا ثقافيا لحساب مؤسسة بان افريكانسيت للجاليات السوداء في إسبانيا والذي يدرس الصور النمطية التي يكونها الغرب للافارقة إن مشاهدة جموع من السود وهي ترسو على ساحل جزر الكناري السياحية تعيد إلى الأذهان ذكريات الإجحاف الذي حاق بالأفارقة طيلة قرون وقرون·
إن هذا الاجحاف تفاقم بشكل خاص منذ القرن الـ 17 عندما أصبح الأفارقة يشكلون الجزء الأكبر ممن يعانون من الرق·
ويشير إلى أنه خلال فترة الحكم العربي-الأفريقي لإسبانيا والذي استمر حتى أواخر القرن الـ15 كان الأفارقة مرتبطين بالثقافة الإسلامية الرفيعة وكذلك بمراكز السلطة والثروة لكن مع ازدهار تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي بدأ الحط من مكانة الأفارقة لتبرير استغلالهم في هذا الشأن·
ويقول تواسيجي في هذا الشأن: ''قدمنا نحن الأفارقة على أننا مخلوقات بهيمية لا تلائم سوى العمل الشاق''· أما في القرن الـ 18 فقد نظر مفكرو حركة التنوير إلى الأفارقة باعتبارهم غير متحضرين ''همجيون نبلاء'' بينما صورهم المستعمرون على أنهم خارجون عن القانون والأخلاق لتبرير حكم الرجل الأبيض لهم· وأضافت حروب الاستقلال التي دارت رحاها في أفريقيا طابعا أكثر عنفا على هذه الصورة·
ويعتقد تواسيجي أن مثل هذا الإجحاف مازال مستمرا حتى هذه اللحظة ولو بشكل غير واع وذلك لتخفيف الشعور بالإثم الذي يراود الأوروبيين إزاء الهوة الكبيرة التي تفصل ما بين العالم المتقدم الذي ينعم بالثراء والبلدان الفقيرة على سطح الكرة الأرضية·

اقرأ أيضا

انخفاض أسعار الفائدة يزيد جاذبية الاستثمار العقاري