تقارير

الاتحاد

مكافحة الإرهاب... وتكتيكات الهروب

جيفري آيه. ميرون
زميل رئيسي بمعهد "كاتو"




في بداية الأسبوع الماضي، أثنى"أسامة بن لادن" على عملية عيد الميلاد، التي حاول فيها شاب نيجيري المولد يعيش في لندن، تفجير طائرة كانت متجهة لديترويت، من خلال إشعال متفجرات كانت مخبأة تحت ملابسه الداخلية.
وتبني"بن لادن" لتلك العملية المجهضة، والهجمات الأخيرة التي وقعت في بغداد، تزيد من مخاوف اندلاع جولة جديدة من الهجمات ضد الولايات المتحدة، وهو ما دفع سياسيين، ومتخصصين في الشؤون الأمنية، وخبراء، إلى المطالبة بتعزيز الإجراءات الأمنية في المطارات الأميركية وعلى الطائرات ذاتها.
وهذه الإجراءات لن تنجح إلا إذا ما تمت أولاً الإجابة على السؤال التالي: لماذا تقع هذه الهجمات في الأساس؟
فالإجراءات الأمنية الجديدة، قد تساعد في الحيلولة دون وقوع عدد قليل من الهجمات -على الأقل - إلى أن يتعلم الإرهابيون كيف يلتفون على تلك الإجراءات. لكن تلك الإجراءات لن يكون لها سوى تأثير محدود، لأنها -شأنها في ذلك شأن العديد من التكتيكات - لا تعالج الأسباب التي تجعل الطلب على الإرهاب الموجه للولايات المتحدة كبيراً.
فإذا لم يتم تقليص الرغبة في ممارسة نشاط ما، فإن المحاولات الرامية لزيادة تكلفة ممارسة هذا النشاط(من خلال فرض عقاب قاس مثلاً) لن تجدي نفعاً.
لمعرفة ذلك يمكن لنا النظر في الأدلة التي تم جمعها من واقع السياسات المطبقة حالياً في مجال مكافحة المخدرات، والبغاء، والهجرة غير الشرعية. ففي كل حالة، تحاول السياسة حظر، أو الحد من النشاط، على أمل رفع التكلفة المترتبة على توفيره.
والنتيجة أن المخدرات والبغاء منتشران على نطاق واسع في الولايات المتحدة التي أصبحت أيضاً موطناً لما يقرب من 9 ملايين مهاجر غير شرعي. صحيح أن القوانين الحالية قد تساهم في تقليص تلك الأنشطة إلى حد ما، ولكن الناتج الصافي سيكون محدوداً.
لماذا؟ لأن الرغبة تطغى عادة على القانون، ولأنه من السهل جداً الالتفاف على القانون. فمهربو المخدرات سيجدون دائماً طرقاً جديدة للهروب من رقابة رجال مكافحة المخدرات، ولأن العاملين في مجال تسهيل الجنس لديهم العديد من الوسائل للتهرب من القوانين التي تحظر هذه التجارة حتى أشدها صرامة، ولأن المهاجرين سيبتكرون على الدوام طرقاً جديدة لدخول البلاد بشكل غير شرعي.
ولكن ما الذي يعنيه ذلك، أو ما علاقة ذلك بسياسات مكافحة الإرهاب؟ العلاقة هي أن الظروف نفسها التي تقوض السياسات المتعلقة بجانب الطلب في مجال المخدرات والبغاء والهجرة غير الشرعية تنطبق هنا: فهناك عدد كبير للغاية من الأهداف المحتمل ضربها من قبل الإرهابيين،كما أن الإرهابيين سيعملون دوماً على اختراع طرق وتكتيكات جديدة للتخفي والهروب، مما يجعل من الصعب على الحكومة الأميركية معالجة هذه المسألة بشكل فعال.
وعلى الرغم من حقيقة أنه ليس كل فرد في أميركا يوافق على أن المخدرات والهجرة غير الشرعية مسائل يجب معالجتها، إلا أن جميع الأميركيين تقريباً يريدون أن يقلصوا من عدد الأفراد أو المنظمات التي تريد استخدام الأعمال الإرهابية ضد الولايات المتحدة (جانب الطلب).لكن ما الذي يمكن للولايات المتحدة أن تفعله لتقليص جانب الطلب هذا؟
- أن تعمل على سحب القوات الأميركية من العراق، وأفغانستان، وغيرها من دول الشرق الأوسط مع إيقاف المساعدات الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل ومصر وباكستان وباقي المنطقة.
-تقنين زراعة نبات الخشخاش بحيث يستطيع المزارعون الأفغان زراعة محاصيلهم بنجاح على أساس أن هذا سيساهم كثيراً في تخفيف التوتر.
- إنهاء تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، يعتبر شرطاً ضرورياً للتخفيف من العنف الموجه للولايات المتحدة، لأن السخط الإسلامي ينتج مباشرة عن هذا التدخل. وحقيقة أن جميع الهجمات الإرهابية، التي وقعت ضد الولايات المتحدة منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر، قد استهدفت القوات الأميركية الموجودة في الشرق الأوسط، بدلًا من الأهداف الموجودة داخل الأراضي الأميركية ذاتها، يوحي بأن الهدف الأساسي لتلك الهجمات هو إجبار القوات الأميركية على المغادرة.
مع ذلك يجب أن يكون مفهوماً في هذا السياق أن إنهاء التدخل الأميركي في الشرق الأوسط، لن يعني تلقائياً إنهاء مشاعر الكره للولايات المتحدة، لأن جانباً كبيراً من هذه المشاعر يرجع إلى أن بعض الشعوب- إسلامية أو غير إسلامية -تكره الولايات المتحدة لأنها غنية وقوية.
ولكن لا خلاف على أنه طالما بقيت القوات الأميركية في البلدان الإسلامية، فإن الأوضاع في تلك البلدان ستظل متوترة ويسودها العنف. ومع أن غياب الولايات المتحدة سيمثل ألماً قصير المدى، ستترتب عليه مكاسب طويلة المدى، إلا أن بعض المراقبين قد ينظرون إلى مغادرة أميركا على أنها أمر سلبي، لأنه يعني أنها ستترك مهامها هناك قبل أن تكتمل. ولكن الكثيرين سيرون أن الاستمرار في تلك المهام - مهما كان غرضها الأصلي - لن يجدي نفعاً، وسيصفقون بالتالي للخيار الخاص بالمغادرة وتقليل الخسائر.
ولكن أيا من هذا، لا يعني أن جميع الإجراءات المضادة للإرهاب غير حكيمة. فليس هناك شك في أن تأمين أبواب مقصورات القيادة في الطائرات، وزيادة عدد المراقبين الجويين، والسماح للوكالات الأمنية باستجواب المشتبه بارتكابهم للإرهاب قبل تسلميهم للعدالة الجنائية، هي إجراءات يمكن أن تؤدي إلى نسبة معقولة من التحسن في مجال ردع الإرهاب، وتخفيف مظاهر السخط، وما يترتب عليه من أكلاف.
يجب على الولايات المتحدة أن تدافع عن نفسها ضد الإرهاب، ولكنها يجب أن تقوم ذلك باستخدام تكتيكات قابلة للنجاح. أما حينما يكون جانباً من جانبي السياسة الأميركية هو تأجيج نيران الكراهية ضد الولايات المتحدة، فإن الجانب الآخر سيجد نفسه حتماً منخرطاً في معركة لا يمكن كسبها عندما يحاول حماية هذا البلد.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا