الاتحاد

من مشاكل التعليم


إن التركيز الدقيق يؤدي إلى اكتساب منهج عقلاني علمي يضع جميع الأمور في نصابها وبكل سهولة وسلاسة ودون أي عناء، بل ويساعد الذاكرة والمخيلة على الابتكار والابداع بتلقائية تكاد تسميها ''الإلهام'' وهذا يحصل في جميع مجالات الابداع: الفكر، الأدب، الشعر، الموسيقى، الفلسفة، وحتى في ابتكار الخطط التكتيكية في الألعاب الذهنية وفي ألعاب الكرة الجماعية ··· ونلاحظ هذه الملكات عند عدد من التلاميذ والطلبة والأساتذة والمفكرين وبعض الفنانين الذين لا يجدون أية مشكلة في التعامل مع أي موضوع وأي نشاط لكونهم نشأوا عن طريق هذا المنهج···
أما مجال اكتساب روح الدقة والتمييز والملاحظة الدقيقة والضبط فيكون في المراحل الأولى من التعليم وفي جميع الأنشطة المدرسية من لغة وعلوم ورياضيات أو حساب وهندسة ورياضة وتشكيل وموسيقى ··· وفي كل ما يتعلق بالتربية الجمالية· وفي غياب هذه الملكة - أي الحس والملاحظة الدقيقة - يحصل العكس ··· وما العكس إلا ما نشاهده بكل أسف عند كثير من التلاميذ أو الطلبة أو حتى عند بعض ''المدرسين'' الذين - مع الأسف - يعجزون عن التواصل سواء مع النظريات المدروسة في مراكز التكوين والمقررات أو مع من يحاولون تصحيحهم وتجد كل ما يقدمونه من دروس أو شروح أو عروض تخلو من الدقة والجمالية في الأسلوب وحتى من الفكر فضلاً عن ضعف المحتوى والابتعاد عن المقصود من الموضوع المطروح نفسه، وأن التفكير عندهم يبقى سطحياً· وهذا ما يعاني منه أغلبية الطلبة الجامعيين الآن في قضية غياب المنهجية···
فالمنهجية أساسها التعلم في الصغر أو لنقول في فترة مبكرة من الحياة والا طغت على التلميذ - الذي هو مستقبل المجتمع - العشوائية وعدم الضبط وتفكك الأفكار لأن تلك العلاقات والجزئيات لم تراع منذ البداية وأعطيت المعلومات الأولية بطريقة سطحية ودون تحليل ولا تبرير حتى ولو بإشارة بسيطة: مثلاً أن ما نقوم به في تدريس الرياضيات والحساب من برهنة وقيام الأدلة لتعودي العقل منذ البداية على المرور من تلك المراحل بسرعة فيستطيع بالتالي تركيب الفكرة أو الأفكار داخل منظومة موضوع معين ··· بل ليتمكن من بعد أن يبدع في أي نوع من الانتاج ··· وتسهل عليه سبل التعليم - تعلم أي شيء في أقرب وقت لأن هذه المؤهلات تشجعه على الاستمرار في الاجتهاد - وعندها يشعر بالمسؤولية ازاء نفسه وتجدر الإشارة إلى أنه يجب أن نلاحظ شيئاً مهما يحصل من اتباع هذا المنهج:
- إنه منهج تعليمي يصل بنا إلى نتيجة تربوية أهم من المعلومات المغلوطة ومن ملء الأذهان بالخزعبلات وبهذا المنهج وحده ولا بغيره نستطيع أن نصل بالطفل أو الشاب إلى هذا المستوى من الشعور الذي هو من أهم أهداف التربية بصفة أساسية لأنه بفضله سيستطيع الطالب التحدي لكل ما كان يبدو له، وما يبدو الآن لكثير من أولئك التلاميذ والطلبة الذين لا يجدون حلاً لتدني مستواهم رغم حسن نيتهم وقوة إرادتهم وعزيمتهم ومحاولاتهم إلا أنهم يصابون في الأخير باليأس، وما أكثر هؤلاء الضحايا في مجتمعاتنا، قدرات وذكاء وطاقات هائلة ضحية لسوء المناهج وغياب الضمير عند عدد كبير من المسؤولين والمدرسين بدعوى أن التعليم به خلل من الأساس أو أن الميزانية المعتمدة لا تكفي ولا يحاولون تصحيح ما يمكن تصحيحه، ولا ينقذون ما يمكن إنقاذه من تلقائيتهم أو بوازع أخلاقي مع أن هذا لا يتطلب المادة بل الفكر والكفاءة - أو إن فاقد الشيء لا يعطيه وهذه المشكلة وللأسف ترجع إلى انعدام الضمير والأخلاق وغياب المعرفة لأن من يملك العلم والأخلاق لا يمكنه أن يبخل ولو بذرة مما يكسبه، ولأن العلم والمعرفة والأخلاق تحرك الإنسان وتحفزه وتحمسه ولو كان مريضاً·فالمشكلة التي أثيرها هنا - وهي نسبة - تدل دلالة قاطعة على أن فريقاً من هؤلاء الضحايا من التلاميذ والطلبة ليسوا بأغبياء ولكن ينقصهم شيء من العناية لأنهم ضحايا لغياب الضمير أو لنقص في كفاءة المسؤولين، فأين دور مراكز التكوين بل وأين التكوين الذي هو في مراكز التكوين؟ أو ما هي مراكز ''التكوين'' بالمعنى الدارج - (··· كونوا واسكتا أحسن لكم'')· وهذا هو سر الفرق بيننا وبين العالم الغربي والدول التي فاقتنا أو سبقتنا في ميادين العلوم والتكنولوجيا بفضل التربية والتعليم السليم الذي يوجه الطفل في طور مبكر من حياته، لأنه اكتسب المنهج والأدوات ونمى الملكات الطبيعية التي تسهل عليه التعلم ليصل إلى ما وصل إليه من قدرات في الابداع والابتكار الذي نلاحظه عندهم ومنذ زمن بعيد·
متى سيستيقظ المسؤولون عن التعليم لتوحيد المناهج وبنائها عملياً على هذه المبادئ والأسس الضرورية؟ فهي موجودة كنظريات في الكتب لكنها غير موجودة أي لا تطبق في العمل داخل القسم مع التلاميذ· وأين دور المراقبة التربوية بل وأين المقررات التي بنيت على هذه النظرية التي تراعى فيها هذه الأسس البيداغوجية الضرورية؟
لماذا لا يستعان بخبرة أولئك المدرسين الذين يعملون بهذه المبادئ في الميدان ليكونوا النموذج والقدوة لتطبيق تلك النظريات التي تحفظ عن ظهر قلب من طرف المتخرجين من مراكز التكوين ولا يستطيع أحد منهم تطبيقها والوصول إلى أهدافها؟؟ وإلى متى ستظل الأمور هكذا رهينة الأنانية والمحسوبية والمصلحة الخاصة على حساب مصير أجيال بل أمة تعاني من فقدان القدرة على إثبات ذاتها، ثم تظل هذه الحالة (إن الخلف في ميدان التربية لا يمكنه أن يكون الا صورة للسلف أو أقل منه كفاءة) هي السائدة عندنا··
سنبقى نعيش في حلقة مفرغة وفي دوامة لا يمكن الخروج منها الا بإعادة النظر في هذه المناهج وفي تكوين الأطر بعيداً عن الشكليات الزائفة والمغالطة التي تدس السم في العسل والتي نستوردها كنظريات لا تمت بصلة لا إلى واقعنا وثقافتنا وهويتنا ولا إلى الحقيقة العلمية ولا حتى لواقع الغرب الذي يصدرها إلينا (ولنقارن مستوى العطاء عند تلميذ من المدارس الخاصة التي تعمل وفق برامج ومناهج فرنسية أو أجنبية مع مستوى أبنائنا الذين يدرسون ما شاء الله في مدارسنا· فالفرق جد مخيف ينذر بكارثة لا محالة·
لا يمكن الخروج من هذا النفق المظلم ومن هذه الحلقة المفرغة إلا بإعادة النظر في هذه القضايا وذلك بإشراك من لهم الخبرة الميدانية، والذين يمكنهم ايجاد الحلول وبكل سهولة، وليس بالاقتصار على أشخاص معينين وعلى منطقة معينة كما يحدث دائماً في محاولة كل تغيير (الذي ليس له من التغيير الا الشكل والألوان على حساب سذاجة مدرسين صامتين، وعلى حساب مستقبل أجيال هذه الأمة) وبعيداً عن تكرار نفس المقررات ونفس الروتين وبعيداً عن هذه المشاكل التقنية التي تتكرر فضلاً عما يتزايد من المشاكل التي يعرفها التعليم على مستوى الحصص في التجهيز والبناء والأدوات التربوية وما يزيد في الطين بلة هو ظاهرة ''الدروس الخصوصية'' التي أصبح يعاني منها التلاميذ الضعاف وأولياؤهم الفقراء والتي تستوجب حلاً مستعجلاً· لأن أغلبية من يقومون بها لا يعملون في القسم والضحايا بالتالي هم الفقراء، وهذه ظاهرة خطيرة تتنافى والأعراف التربوية والدينية وتهدد أخلاقيات المهنة ككل وإذا كان هذا يحدث في التعليم الذي هو القدوة والأساس في بناء الأمة وتقدمها، فماذا عسانا أن نقول في ميادين أخرى ليست التربية والأخلاق؟

محمد طه

اقرأ أيضا