الرياض (وكالات) أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، عاهل المملكة العربية السعودية، أن خيار الحل السياسي للأزمات الدولية هو الأمثل لتحقيق تطلعات الشعوب نحو السلام، وبما يفسح المجال لتحقيق التنمية، لافتاً في الخطاب السنوي، الذي ألقاه أمس في افتتاح أعمال العام الأول من الدورة السابعة لمجلس الشورى، إلى استمرار بلاده بالأخذ بنهج التعاون مع المجتمع الدولي لتحقيق السلام العالمي وتعزيز التفاعل مع الشعوب لترسيخ قيم التسامح والتعايش المشترك. وأعرب خادم الحرمين عن أمله في نجاح مساعي الأمم المتحدة في الوصول إلى حل سياسي باليمن، وفقاً لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216، والمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني اليمني، وقال: «نحن في المملكة نرى أن أمن اليمن الجار العزيز من أمن المملكة، ولن نقبل بأي تدخل في شؤونه الداخلية أو ما يؤثر على الشرعية فيه، أو يجعله مقراً أو ممراً لأي دول أو جهات تستهدف أمن المملكة والمنطقة والنيل من استقراره». وأعرب في الوقت نفسه عن تنديده واستنكاره لمحاولة مليشيات الحوثي وصالح الانقلابية استهداف الأماكن المقدسة، الذي لاقى شجباً واستنكاراً عالميين، لما في هذه الخطوات الإجرامية من استفزاز لمشاعر المسلمين في أنحاء العالم كافة. وشدد خادم الحرمين على الوسطية والتسامح ومحاربة الغلو والتطرف والتفريط في الدين، وقال: «إن المملكة ماضية في مواجهة ظاهرة الإرهاب بكل قوة وحزم، وتتطلع إلى تكاتف جهود دول العالم لمحاربته والقضاء عليه باعتباره آفة عالمية، فلقد سعى الإرهابيون إلى زعزعة الأمن والاستقرار في معقل من أهم معاقل الإسلام وفي أطهر البقاع وجوار مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي هذا الصدد فإن تطبيق شرع الله، والتعاون بين الشعب والحكومة، ويقظة الأجهزة الأمنية وشجاعة منسوبيها، كل ذلك بعد توفيق الله تعالى، سوف يحول دون تحقيق هؤلاء المجرمين مقاصدهم وأهدافهم، ونحن عازمون وبكل حزم على التصدي للإرهاب وأخطاره، ولن نتساهل في تطبيق الأنظمة على كل من تسول له نفسه العبث بأمن ومقدرات بلادنا الغالية». وأضاف: «انطلاقاً من أحكام اتفاقية منظمة التعاون الإسلامي لمكافحة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، والقضاء على أهدافه ومسبباته، وأداء لواجب حماية الأمة من شرور الجماعات والتنظيمات الإرهابية المسلحة، أياً كان مذهبها وتسميتها، التي تعيث في الأرض قتلاً وفساداً، وتهدف إلى ترويع الآمنين، فقد تم تشكيل تحالف عسكري إسلامي لمحاربة الإرهاب بمبادرة من المملكة، وذلك لتوحيد وتنسيق ودعم الجهود الإسلامية في مكافحة الإرهاب». وقال خادم الحرمين: «إن الظروف التي نمر بها حالياً ليست أصعب مما سبق، وسنتجاوزها إلى مستقبل أفضل وغدٍ مشرق، ونحن على ثقة بأبناء هذا الوطن، ولن نسمح لكائن من كان من التنظيمات الإرهابية أو من يقف وراءها أن يستغل أبناء شعبنا لتحقيق أهداف مشبوهة في بلادنا أو في العالمين العربي والإسلامي، ورغم ما تمر به منطقتنا العربية من مآسٍ وقتل وتهجير، إلا أنني متفائل بغد أفضل». وأكد خادم الحرمين أن من أولويات سياسة المملكة ومبادئها السعي لإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية، وفق مبادرة السلام العربية، وقرارات الشرعية الدولية، ومطالبتها الدائمة للمجتمع الدولي بالتدخل العاجل لوقف الاعتداءات والممارسات الإسرائيلية العدوانية والمتكررة ضد الشعب الفلسطيني، وستواصل المملكة جهودها دعماً لهذه القضية من أجل إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وإعادة الحقوق للشعب الفلسطيني الشقيق. وتضمن خطاب خادم الحرمين توضيحاً لاستراتيجية المملكة في الأوضاع السياسية والدولية الحالية وسياساتها الاقتصادية، مؤكداً حفاظ المملكة على الأسس التي قامت عليها من الأمن والاستقرار وتحقيق الرفاه لشعبها، والتزامها بالسعي مع منظومة الأمم المتحدة في تحقيق السلام العالمي. وأكد مد يد العون والمساعدة الإنسانية للدول العربية والإسلامية والصديقة للإسهام في التخفيف من معاناتها، جراء الكوارث الطبيعية والصراعات، لافتاً إلى تقديم المملكة ولا زالت المساعدات تباعاً للأشقاء في اليمن، وإلى النازحين السوريين والأشقاء المتضررين من وطأة الحروب. وقال: «إن الجميع يدرك أن الدولة السعودية الأولى قامت منذ ما يقارب 300 عام، وتلتها الدولة السعودية الثانية، ثم قامت الدولة السعودية الثالثة منذ قرابة 100عام على يد الملك المؤسس عبدالعزيز، ومرت عليها ظروف صعبة وتهديدات كثيرة تخرج منها دائماً أكثر صلابة وأقوى إرادة بتوفيق الله وعونه، ثم بعزم رجالها وإرادتهم الصلبة، ولعل الظروف التي أحاطت بالمملكة وشقيقاتها دول الخليج في العقود القريبة الماضية خير مثال على ذلك، فقد استمرت فيها الحياة والنمو الاقتصادي على طبيعته». وأضاف: «قامت المملكة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وسخرت إمكاناتها لحماية أمن الدولة والمجتمع، وخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، وتقديم أفضل الخدمات للمواطن، واليوم تسير بلادكم بخطى راسخة نحو التكيف مع المستجدات والتعامل مع التحديات بإرادة صلبة، لنحافظ على ما تحقق من إنجازات وعلى مكانة المملكة بين الأمم ودورها الفاعل إقليمياً ودولياً». وقال خادم الحرمين: «إن سياستنا الداخلية تقوم على ركائز أساسية تتمثل في حفظ الأمن وتحقيق الاستقرار والرخاء في بلادنا وتنويع مصادر الداخل، ورفع إنتاجية المجتمع لتحقيق التنمية، بما يلبي احتياجات الحاضر ويحفظ حق الأجيال القادمة، وكما تعلمون فإن العالم يمر بتقلبات اقتصادية شديدة عانت منها معظم دول العالم، وأدت إلى ضعف بالنمو وانخفاض في أسعار النفط». وأضاف: «سعت الدولة إلى التعامل مع هذه المتغيرات بما لا يؤثر على ما تتطلع إلى تحقيقه من أهداف، وذلك من خلال اتخاذ إجراءات متنوعة لإعادة هيكلة الاقتصاد قد يكون بعضها مؤلماً مرحلياً، إلا أنها تهدف إلى حماية اقتصاد بلادكم من مشاكل أسوأ فيما لو تأخرنا في ذلك». وقال: «مر على المملكة خلال العقود الثلاثة الماضية ظروف مماثلة اضطرت فيها الدولة لتقليص نفقاتها ولكنها خرجت منها باقتصاد قوي ونمو متزايد ومستمر، والإصلاحات الاقتصادية اليوم انطلقنا فيها من استشراف المستقبل والاستعداد له في وقت مبكر قبل حدوث الأزمات، وخلال السنتين الماضيتين واجهنا تلك الظروف بإجراءات اقتصادية وإصلاحات هيكلية أعدنا فيها توزيع الموارد بالشكل العادل الذي يتيح فرصة نمو الاقتصاد وتوليد الوظائف، وتأتي رؤية المملكة 2030 في هذا السياق بهدف رفع أداء مؤسسات الدولة لغد أفضل ولتحقيق العيش الكريم لأبنائنا وبناتنا ونحن متفائلون بذلك». ووجه الملك سلمان حديثه إلى الشعب السعودي، قائلاً: «إن بلادكم تسير بخطى راسخة، نحو التكيف مع المستجدات، والتعامل مع التحديات بإرادة صلبة لنحافظ على ما تحقق من إنجازات، وعلى مكانة المملكة بين الأمم، ودورها الفاعل إقليمياً ودولياً». وطالب جميع أعضاء المجلس بأن يضعوا مصالح الوطن والمواطنين نصب أعينهم دائماً، وإبداء المرئيات حيال ما تتضمنه تقارير الحكومة المعروضة على المجلس، والتشاور مع المسؤولين، وقال: «على المسؤولين في الجهات كافة أيضاً التعاون مع المجلس، وتزويده بما يحتاج من معلومات». ورحب رئيس مجلس الشورى عبدالله آل الشيخ بخادم الحرمين، في افتتاح أولى سنوات دورة المجلس السابعة، واستعرض ما أنجزه المجلس في السنة الماضية من مشروعات الأنظمة واللوائح والاتفاقيات والتقارير والخطط وفقاً لاختصاصاته التنظيمية والرقابية، وثمن أهمية التعاون والتكامل بين سلطات الدولة وتعزيزاً لأدوار مجلس الشورى. وكان رئيس مجلس الشورى وأعضاء المجلس أدوا القسم أمام خادم الحرمين في قصر اليمامة بالرياض. وقال خادم الحرمين في كلمة وجهها إلى الحضور: «أنتم لا تعملون لمصالح فئوية أو حزبية أو شخصية، إنما لمصلحة الوطن، وهذا ما تتميزون به، وأوصيكم بتقوى الله في السر والعلن والحرص على مصالح الوطن والمواطنين».