الاتحاد

دنيا

قبل موعد السفر

أيامك رتيبة مملة بطيئة متثاقلة، تكاد تكون كلها متشابهة، ركود عميق وسكون مؤلم لدرجة تجعلك تشعر بالرغبة في الصراخ..
فجأة تسيطر عليك فكرة الهروب نحو المطار، فتنبثق من بين هذا الركود العميق رحلة مفاجئة كعادتك دائما، تبعث الحياة من جديد في أيامك الرتيبة المملة، ليست هذه المرة الأولى التي أجد نفسي فيها مسافراً في اليوم التالي، ولذلك صرت أصاب بعارض اسميه حمى السفر والترحال.
ما إن تصاب بذلك العارض حتى تشعر بأن الدماء تسري في عروقك وشرايينك، وكأن الحياة قد عادت إليك. شعور يشبه نوعا من النشوة التي تصيبك بفعل إفراز كميات من الادرينالين بفعل حماسك المفرط للتحرر من كل شيء، والتغلب على رتابة حياتك، والانتصار على الروتين اليومي، والأهم من كل ذلك أنك ستتخلص مؤقتاً من صداع وظيفتك المزمن.
إنه شعور يحلق بك في عالم الدهشة، تندهش من كل شيء يصادفك وأنت تكتشف أماكن مختلفة وترى وجوهاً جديدة وتجرب أشياء غريبة وعجيبة. قد لا تهمك كثيراً الوجهة، فروح المسافر التي تتقمصك تكفي لتمنحك الطاقة والحماس اللذين تشعر معهما بأنك مقدم على مغامرة جديدة، حتى ولو كانت لوجهة زرتها عشرات المرات.
ويبقى ركوب الطائرة والتحليق فوق السحاب الذي يرسم أشكالا عجيبة غريبة تجعلك تتخيل حكايات وأساطير وحيوانات خرافية. أجواء المطارات وصالات الترانزيت وزحام المسافرين وموظفو الجوازات وكل مفردات وطقوس السفر الذي أدمنته حتى كرهت الاستقرار في مكان واحد. ترى هل هي رحلة للبحث عن الذات أم أنها تجربة حياة.. الحياة التي تعتقد أنها رحلة نتوقف في محطاتها في طريقنا إلى محطات أخرى جديدة، لكنك دائما تحب العودة إلى الوطن . تمر عليك الأربع والعشرون ساعة التي تسبق موعد السفر في تسارع، فتقوم بكل شيء وأنت مستعجل، وتشعر بأن كل أعمال الدنيا تطاردك لتقوم بها فيما تبقى لك من وقت قبل موعد الطائرة.
لم كل ذلك؟ هل هو بسبب اعتيادك على تأجيل كل شيء للوقت الضائع أم أنه جزء من طقوس السفر أن تكون مستعجلا، وأن تصل إلى صالة المطار في النداء الأخير.
وهكذا وجدتني فجر ذلك اليوم على متن طائرة تتجه إلى حيث تشرق الشمس، إلى حيث كل شيء عجيب غريب، تجد الناس هنا في هذه البلاد يحتفون بزهرة الأوركيد ويحتفون بالألوان، ويقدسون الحياة لدرجة أنهم لا يأكلون أي شيء له روح، ويحتفون بأشياء أخرى قد لا تفكر بها أو تضع لها أهمية. إنه مجرد السفر من أجل متعة الترحال، متعة وفضائل جعلت كثيرين يتركون لنا أثراً نقتفيه.


سعيد سالم rahal ae@gmail.com

اقرأ أيضا