الاتحاد

دنيا

رحلة في ذاكرة الثقافة الشعبية


دبي ـ محمد الحلواجي:
يذهب الباحث الشاب عبدا لعزيز عبد الرحمن المسلم في تعاطيه مع عالمه الأثير المتمثل بالتراث الشعبي الإماراتي بروحية تحاول التأسيس لعمل نوعي يختلف شكلا ومضمونا عن جهود من سبقوه في هذا الحقل مستفيدا من تراكم تجربة الرواد الأوائل في عمليات تدوين التراث الشعبي وما رافقها من قطف لنجاحات هنا واختلالات وأوجه قصور هناك·· الأمر الذي دفع المسلم إلى بلورة رؤية خاصة·· بمحاولته الطموحة لتقديم مدخل عام للجمع الميداني للتراث الشعبي الإماراتي·· بالإضافة إلى جهوده في كتابة المأثور الشعبي الذي صدر له فيه عدد من المؤلفات كان آخرها إصداره الجديد (مرامس) الذي صدر مؤخرا ليكون الثالث في سلسلة الذاكرة الشعبية·
والكتاب الجديد عبارة عن ذكريات وطرائف وأدبيات من هوامش الذاكرة الشعبية التراث الثقافي في دولة الإمارات، جاءت في أربعة وثلاثين بابا،قدم لها المسلم في التصدير لها المؤلف قائلا : إن الذاكرة الشعبية التي طالما تغنينا بها،لم نحافظ عليها لأننا تجاهلنا أهميتها، واعتبرناها هامشا من الهوامش التي لا ضير من فقدانها· لذا أخذت على عاتقي أن أحفظ هذه الهوامش التي تقبع في مكان بعيد في الذاكرة، وأن أوثق ما يمكن توثيقه حتى أحفظ لهذه الأمة شيئا من ثروتها المهدرة، ورغم مرور عقد كامل من الزمن وأنا أكتب في باب الذاكرة الشعبية، إلا أنني لازلت في بداية الطريق، فأنا أدون ذاكرة شعب، وذاكرة الشعوب لا يدونها شخص، واحد بل فريق بأكمله·
حكايات الجدّات
في باب (سوالف جدتي) يبين المسلم سبب اختياره اسم (مرامس) عنوانا لكتابه فيذكر أن البيوت كانت في الماضي خلية مترابطة من الناس الذين يجمعهم الود والمصلحة المشتركة، لذا فإن أعضاء الأسرة الذين يتأهلون للانفصال لتكوين أسرة جديدة، ينفصلون إلى الداخل من خلال استحداث مسكن صغير داخل مسكن العائلة الكبير، وإن لم يكن كبيرا بما فيه الكفاية فإنهم يعمدون إلى إدخال مساحة جديدة من الأراضي المجاورة لأرضهم لاستحداث هذا البناء الجديد· أما المحور في هذه المستعمرة الأسرية فهي (الجدة) من خلال التوجيه المباشر بصيغة الأمر أو النصيحة أو التوجيه غير المباشر عن طريق سرد الحكايا والأمثال والحكم وغناء بعض الأهازيج·
وهناك جدات لهن جلسات معروفة حول ( الكوار) وهو موقد صغير متنقل يستخدم لتحضير القهوة وبعض أنواع الخبز أحيانا، وقد يجتمع حول الجدة إضافة إلى أبنائها وأحفادها بعض أبناء الأقارب أو الجيران للاستماع والاستمتاع بمستودع الأدب الشعبي ومنبعه، فلم تكن هناك مجالس خاصة، فالتجمعات تتم بشكل عفوي وتقليدي، إلا أن بعض الجدات اللائي تفردن بغزارة المخزون الأدبي وتميز في رجاحة العقل والمنطق، وكن شهيرات، وجدت لهن مجالس خاصة سميت (مرامس) يقصدها الأقرباء والأغراب للاستفادة ولأخذ النصيحة والتوجيه·
أشهر دلال القهوة الإماراتية
وفي باب (القهوة) يسرد المسلم حكايات جميلة موضحا أنه لا غنى للإماراتي عن القهوة، فقد تفنن في إعدادها وتقديمها وتنوعت لديه أوانيها ونكهاتها، فلن نجد بيتا في الامارات ليس فيه قهوة، فهي عنوان الكرم ورمز الضيافة وسلوى للناس في الحل والترحال· وللقهوة معان عديدة فهي(شراب القهوة) وهي (المقهى) والجمع في شراب القهوة·· قهوة أيضا، أما المقهى فجمعه (قهاوي) وللقهوة حضور في الوجدان الشعبي لدى أهل الإمارات أكثر من أي شيء آخر فقد جاء ذكرها في أمثالهم وأشعارهم وهي أحد مواضيع سمرهم، كما أن القهوة أساس كرم الضيافة ،فقد كانت البيوت لا تخلو من مواقد القهوة وهي نوعان (الصريدان) و(الكوار) أما آنية القهوة أو إبريقها فهي (الدلة) وجمعها (دلال) ومن التقاليد الإماراتية أن يكون للقهوة ثلاث (دلال) بأحجام مختلفة كبيرة ومتوسطة وصغيرة، الكبرى تسمى (خمره) والوسطى (تلجيمه) والصغرى (مزله) ومن أشهر الدلال التي تصنع في الامارات الدلة (القريشية) وهي المنقوشة على وجه الدرهم في عملة الإمارات، ولها عرف يسمى (شناف) وأقراط تسمى(كواشي) وقد كانت غالية الثمن وسببا للتباهي بين الناس، وقد استخدمت في الامارات إلى جانب الدلة القريشية الدلة (الحساوية)·
ويذكر المسلم واقعة طريفة فقد شحت القهوة في الأسواق بعد الحربين العالميتين وساد شيء من القحط في الخليج وشاع الفقر وعانت الناس من شظف العيش وعز الطعام وغلى ثمنه ومن بين ذلك ثمن القهوة، ولكن الناس لم تكن لتمتنع عن عزيز فبدأوا يبحثون عن بدائل لها وأول هذه البدائل كان (قشور البن) ثم (الشعير) و(الطعام) وهو نوى التمر إلى أن اكتشفوا نبتة صحراوية تسمى (حبي) شبيهة بالبن فكانت أقرب وأوفر وارخص بديل للقهوة، وقد ساد استخدامها أكثر عند البدو،أما الحضر فقد استعاضوا عنها بقشور البن·وقد تنوعت مطيبات القهوة حسب الرغبة وكان أهمها الزعفران والهال والقرنفل والزنجبيل وماء الورد· ومن أسماء البنات في الامارات (بنّه) وهو في الأصل اسم حبة البن (البنّة) ومعناها الرائحة الطيبة·
سحر العيد
و يأتي المسلم للكلام عن مناسبة هامة في حياة الناس في الماضي وهي مناسبة العيد فيذكر أن العيد الصغير هو عيد الفطر وقد يسميه البعض عيد رمضان الذي يأتي بأجواء جميلة وأيام وليالي مرحة بعد حزن طويل، لينشر أضواءه على قلوب المسلمين التي أعيتها الهزائم والآلام والمحن، وقد تكالبت عليهم الأمم·وهذا ما يذكرنا بقول الشاعر الحزين الذي وافاه العيد وهو في عرض البحر لا يرى غير الامتداد الواسع في ذلك اللون الفيروزي المشع، وقلبه يتفطر من الحنين، ولسان حاله يقول إن العيد إذا لم يكن مع الأحبة فهو ليس بعيد ( العيد لا يانا ولا مر·· حاشا ولا بالعين شفناه·· العيد طاف بساحل البر·· وين الجدم زاهي بحناه)·
وحين يأتي المسلم لتناول عيد الحج يقول: كانت جميع أمنياتي مرهونة بالعيد(العود) الكبير، وهوعيد الأضحى المبارك، فقد دأب والدي على تغليظ الوعود لي وأنا صغير طوال السنة لتنفذ في تلك المناسبة، ولو أن العيد(العود) بعيد بعض الشيء على صبر طفل صغير، ولكنه كان يأتي على الأقل في النهاية· كنا نكتفي ونحن صغار في تلك الأيام الجميلة بوعود وهدايا وألعاب بسيطة رخيصة، فمفتاح دكان قديم ذو فتحة أمامية تصلح لوضع شيء من البارود للفرقعة، أو ماسورة مياه قديمة تثبت على قاعدة خشبية لتصبح مدفع صغير،كانت تفي بالغرض، فهاتان اللعبتان من أجمل وأهم الألعاب الاحتفالية بالأعياد·
بساطة الأمس؟
ويمضي المسلم في سرد أنواع عديدة أخرى من الألعاب الشعبية البسيطة السائدة في الماضي فيقول بلغة موحية وساخرة: كنا إذا ما تمادينا في التبذير فإننا نطلب (ليف وعيان) وهي الألياف السلكية التي تستخدم في المطابخ لغسل القدور والأطباق المعدنية والنحاسية، فالحصول على تلك الألياف يعد شيئا من الترف، فنحن نقوم بربطها على خشبة ونشعل فيها النيران وندورها بحركة دائرية سريعة فيتطاير الشرر ليصنع أشكالا مختلفة في الفضاء إضافة إلى القطع الملتهبة التي تسقط هنا وهناك· فالفرح في الماضي لم يكن مكلفا، ولم يكن يحتاج إلى الكثير كما هو الحال اليوم، فالقليل يفي بالغرض ويدوم صداه إلى أزمان وأزمان، فها أنا وأقراني من أبناء جيلي والأجيال التي سبقتنا من جيل الآباء والأجداد نذكر أفراحنا السالفة ونفرح بتذكرها مرة أخرى، فهي رصيد متجدد، واليوم رغم هذا الخير الغامر والثروات وأنماط الرفاهية المختلفة إلا أننا لا نفرح· ولو كان الفرح يشترى لاشتريناه، لكن الهموم والضغوط العملية والاجتماعية التي أفرزتها الحياة الجديدة وهموم أمتنا العربية والإسلامية، وذلك العالم الذي يتكالب علينا فيجعل الفرح حلما بعيد المنال· فكم سمعت من الرواة وكبار السن الذين أختلط بهم جل وقتي، يقولون: خذوا خير زمانكم وأعيدوا لنا راحة البال!!
جاء الكتاب الذي حمله غلافه الأول والأخير صورا فوتوغرافية لمحمد الحلواجي في مئة وسبعين صفحة من القطع الوسط، واشتمل على أربعة وثلاثين بابا تراثيا مرفقا بالصور والرسوم التوضيحية·

اقرأ أيضا