الاتحاد

دنيا

بنات وسط البلد رومانسية التفاصيل اليومية

إبراهيم الملا:

لا أحد ينكر أن الأفلام المصرية التي نفذها مخرجون منحازون لرؤاهم الخاصة أمثال عاطف الطيب وتوفيق صالح وخيري بشارة ورضوان الكاشف ومحمد خان وداود عبدالسيد وغيرهم من المخرجين ذوي الاقتراحات الإنسانية الفنية، قد خلقت نوعا من التوازن المفتقد في المنجز المشوش للفيلم المصري في العقدين الأخيرين· تخلص هؤلاء المخرجون من ضغوط المنتجين، وقاوموا بشراسة كل التنازلات الفنية المحتملة التي كرّسها وروّج لها فيلم المقاولات المستند على الكوميديا العابرة والإثارة الحسية·
ولكن حتى هذه المقاومة النبيلة لم تنج من الهجمة المركزة والمبيت لها من قبل أباطرة السوق، والتي ساهمت بقوة في خلخلة التوازن السابق، وزحزحة الفيلم الفني عن الصالات الجماهيرية، ورغم الاحتفاءات والأصداء المهمة التي حازتها هذه الأفلام في المهرجانات السينمائية، إلا أن تغييب الفيلم الفني عن التواصل مع الداخل والانتشار وسط الأجواء والمناخات التي خرج منها، ساهم وبشكل كبير في خلق حالة من الإحباط الشخصي لدى هؤلاء المخرجين، هذا الإحباط عززته أيضا المقاييس التجارية الثابتة والمهيمنة لفيلم المقاولات والغرائز والكوميديا الهابطة·

واقعية جارحة وأليفة

محمد خان هو حالة خاصة في هذا السياق، فهو يخرج من كبوة التوزيع والإنتاج ويصر في كل مرة على تكرار التجربة ـ فيلمه ما قبل الأخير ''كليفتي'' والمصور بتقنية الكاميرا الرقمية خير دليل على ذلك ـ يتحالف خان مع السينما الواقعية وسينما المؤلف ويغامر في هذا الاتجاه بقوة رغم كل الاحباطات والخسائر المحتملة· هذا الوضع قد لا يستمر طويلا مع مخرجين آخرين، ولكن محمد خان ما زال يصرخ وحيدا في برية السينما القاحلة، ويقوده إيمانه الكبير بهذا الفن للمناورة والتكيف والمرونة التي لا تصل لدرجة الخضوع والانكسار أمام شرط المنتج وجشعه·
في فيلمه الأخير ''بنات وسط البلد'' والذي عرض في صالات الإمارات، ينطلق محمد خان استنادا على أغنية قديمة كتبها الراحل صلاح جاهين كي يؤسس عالما خاصا وحميميا يجمع بين الفتاتين ''جومانا'' تقوم بدورها التونسية هند صبري، و ''ياسمين'' تقوم بدورها المصرية منة شلبي، حيث تقوم الفتاتان بإعالة أسرتيهما من الراتب الضئيل الذي يتقاضينه من مهن بسيطة وعابرة· يشتغل الفيلم بواقعية جارحة وأليفة على اقتحام المناطق المهملة والهامشية على مستويين، أولهما مستوى ''المكان'' الذي يرصد أجواء الحارة المصرية بأصواتها وغبارها وتفاصيلها وقصصها الخلفية المنبعثة من حالات الفقر وبساطته المعتادة، أما المستوى الثاني فهو ''جوّاني'' يتعلق بولوج العالم الداخلي للشخصيات وما يعتمل فيها من رغبات وأحلام متراكمة وبأقل كلفة روحية ممكنة، لأنها أحلام قائمة على القناعة والرضا والبحث عن حياة متوسطة، أفضل وأكثر بعدا عن عتمة الفاقة والعوز، وأكثر رغبة في الهروب من الخرائب الذاتية والرومانسيات المحطمة·
تتناوب ديكورات الفيلم بين الغرف الداكنة في المنازل، وبين الأماكن المحصورة في القطار الذي يمثل معبرا رمزيا للخلاص والانتقال من حياة معتمة تطارد الشخصيات إلى حياة أخرى أرحب وأكثر انفتاحا على شمس المدينة وعلى مفاجآتها المتقلبة، وهناك أيضا الديكورات الطبيعية والواقعية في الحارات الشعبية وفي زحام ''المترو'' وضجيج القاهرة، بحيث يكاد المشاهد أن يتحسس هذه التفاصيل ويتفاعل معها كما لو كانت قريبة من سمعه وبصره وأنفاسه·

أسرار صغيرة

تتعرف ''ياسمين'' التي تعمل ''كوافيرة'' في أحد أحياء المدينة على ''الشيف'' الذي يقوم بدوره الممثل خالد أبوالنجا، وتتعرف ''جومانا'' التي تعمل بائعة في محل للملابس على الموظف الذي يعمل بمحل لبيع خدمات الهواتف، يقوم بدوره الممثل محمد نجاتي الذي رأيناه بدور مميز في فيلم الراحل رضوان الكاشف ''عرق البلح''، تعمل هذه العلاقات البريئة والعابرة بين الشخصيات الأربع على إغناء لغة الحوارات في الفيلم وإضفاء الحركة المشهدية على بنية الفيلم وعلى العواطف الداخلية للشخصيات·
يلتقي مصير الفتاتين على الصحبة اللذيذة التي تجمع بينهما، وعلى الصداقة الممتدة التي تتواصل وتكبر من خلال الشقاوة الطفولية، والأسرار الصغيرة المشتركة والظروف المنهكة ولحظات الفرح المسروقة· وفي كل فيلم تؤديه منة شلبي مع مخرجي الواقعية الجديدة في مصر تشعر بهذا التطور في أدائها وإصرارها على اقتحام عالم الأدوار المركبة والصعبة التي تحتاج لجهد أدائي مركز وتفان وإخلاص في ترجمة الشخصية المكتوبة على الورق إلى شخصية فارضة لوجودها المتماسك على الشاشة· رأينا منة شلبي في أدوار مميزة أخرى كما في فيلمي ''أحلى الأوقات'' للمخرجة هالة خليل و''الساحر'' الفيلم الثاني والأخير للراحل رضوان الكاشف، الأمر نفسه ينطبق على التونسية هند صبري التي تكيفت سريعا مع أجواء السينما المصرية المختلفة في تكنيكها عن السينما التونسية التي مثلت من خلالها هند صبري أحد أميز أدوارها من خلال فيلم ''صمت القصور'' للمخرجة مفيدة تلاتلي·
عموما فإن فيلم ''بنات وسط البلد'' رغم أنه لم يتفوق على فيلمين آخرين لمحمد خان وهما ''زوجة رجل مهم'' و''أحلام هند وكاميليا'' والذين لا يمكن لهما أن يتبخرا من ذاكرة السينما العربية، إلا أنه استطاع أن ينجو بنفسه من السقطات الكبيرة للسينما المصرية في الخمس سنوات الأخيرة· نجا هذا الفيلم أيضا لأنه تمتع بروحية متآخية مع الوجع، ولأنه مفعم بشفافية أنثوية صريحة ذكرتنا في بعض ملامحها بسينما الإسباني الشهير بيدرو ألمودفار الذي يخصص مساحات مقدسة واستثنائية لعوالم الأنوثة في معظم أفلامه· الموسيقى التصويرية التي صاحبت الفيلم كانت وفية نوعا ما لأجواء الحزن المتواري داخل الشخصيات، وأضفت التنويعات اللحنية التي ألفها الموسيقي تامر كروان نوعا من التحالف البصري السمعي الذي يعيد للمتفرج تلك الأحاسيس المطمورة والمضطهدة وسط حياة تقع خارج قاعة السينما، حياة لا يمكن وصفها سوى بالشائكة والمتوحشة والمفتقدة للفراغات الذهنية الموهوبة للصمت والتأمل والبهجة·

اقرأ أيضا