الاتحاد

الاقتصادي

الوحدة النقدية الخليجية بانتظار الإرادة السياسية

أمل المهيري:

الاتجاه نحو إقامة تكامل نقدي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية جاء متوافقاً مع الاتجاهات الدولية الراهنة نحو إقامة مناطق نقدية موحدة، وبخاصة بعد انهيار نظام ''بريتون وودز'' في مطلع السبعينيات من القرن المنصرم؛ وذلك في محاولة لتكوين كتلة نقدية موحدة تسعى إلى تقليل أثر التقلبات الاقتصادية الخارجية على اقتصاداتها المحلية، والحصول على شروط أفضل في نطاق مبادلاتها الدولية، وتحقيق تنمية اقتصادية مشتركة فيما بينها·
ويوضح المؤلف هيل عجمي جميل في كتابة ''إمكانات التكامل النقدي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية'' الصادر عن مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أن التكامل النقدي يعد من أهم الأدوات الفاعلة لتحقيق التكامل الاقتصادي، ويقصد به - في مفهومه الشامل - خلق وحدة نقدية بين دول معينة من خلال تداول عملة مشتركة، وإنشاء سلطة نقدية ومالية موحدة، وإنجاز درجة عالية من حركة عوامل الإنتاج والسلع، بما فيها حركة العمل ورأس المال؛ بهدف توثيق الترابط الاقتصادي العضوي بين تلك الدول·
السياسات المالية والنقدية
ترتبط السياسات المالية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بالإيرادات النفطية بصورة وثيقة، ففي مرحلة تزايد الإيرادات النفطية وتجاوزها حجم الإنفاق خلال الفترة 1973-1983 لجأت هذه الدول إلى زيادة الإنفاق وحققت الميزانيات الحكومية فوائض مالية وزيادة في الاحتياطيات الأجنبية، بينما لجأت الحكومات في مرحلة الانحسار في الإيرادات النفطية إلى تقليص حجم الإنفاق· لذا عانت ميزانيات دول المجلس عجزاً منذ أواسط الثمانينيات، فعلى سبيل المثال بلغ العجز لمجموعة الدول الست 4,4 مليار دولار تقريباً في عام ·2001 ولاحظ الباحث أن نسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي الإجمالي في ثلاث دول خليجية (هي دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان) تزيد في عام 2001 على النسبة التي حددها الاتحاد الأوروبي كشرط لانضمام دوله إلى الوحدة النقدية الأوروبية، وهي 3% من الناتج المحلي الإجمالي؛ لأن هذه النسبة تعد مهمة في ضبط حدود الإنفاق والمحافظة على استقرار الأسعار والابتعاد عن التشوهات بين الدول التي تسعى إلى تحقيق التقارب فيما بينها·
أما السياسات النقدية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فتتسم عموماً بضعف أدواتها النقدية الكمية، وتستند هذه السياسات أساساً إلى هيكل نقدي ومالي غير مكتمل يتصف بضيق الأسواق النقدية والمالية وعدم تطورها· وقد استخدمت البنوك المركزية في دول مجلس التعاون أدوات نقدية كمية ونوعية مختلفة لتنظيم السيولة المحلية، وللتأثير في حركة رؤوس الأموال الوطنية، وخاصة في حركتها نحو الخارج· ومن أهم الأدوات الكمية المستخدمة من قبل تلك البنوك الاحتياطي القانوني و أسعار الفائدة المتغيرة· وفي سبيل إعطاء دور أكبر لعوامل السوق عمدت السلطات النقدية في دول المجلس في عام 2001 إلى الاعتماد على الأدوات غير المباشرة، وشملت هذه الأدوات التي تم استخدامها سعر إعادة الخصم واتفاقيات إعادة الشراء للأوراق المالية ومبادلة العملات الأجنبية وعمليات السوق المفتوحة التي تمثل أذونات الخزينة والسندات الحكومية وشهادات الإيداع الصادرة عن البنوك المركزية·
ولتنفيذ الأسلوب الجديد للسياسة النقدية عمدت السلطات النقدية إلى تطوير عمليات السوق المفتوحة التي تمثل أدوات الدين الحكومية من أذونات وسندات الخزينة المركزية، ولتفعيل معايير الرقابة والإشراف على المصارف التجارية عمدت تلك السلطات إلى رفع نسبة كفاية رأس المال المرجحة بالمخاطر بمعدل يتجاوز النسبة المحددة بموجب اتفاقية بازل البالغة 8%· كما عززت السلطات النقدية مفهوم الرقابة الشاملة على تعاملات المصرف الواحد وجميع فروعه، بالإضافة إلى إصدارها تعليمات حول كيفية تصنيف الديون وتحديد المخصصات المطلوبة لها لدى المصارف التجارية·
أنظمة الصرف في دول مجلس التعاون·
الرقابة على الصرف
لا توجد في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية رقابة على الصرف الأجنبي، ويتمتع المقيمون وغير المقيمين بالحرية في بيع وشراء العملات الأجنبية وفي فتح حسابات بالعملات المحلية أو الأجنبية، كما لا توجد رقابة على التحويلات الرأسمالية بأية عملة سواء للمقيمين أو لغير المقيمين· وتأخذ هذه الدول بهيكل موحد لسعر الصرف بالنسبة إلى الواردات والصادرات والمعاملات غير المنظورة والرأسمالية، وتوجد سوق صرف للنقد الأجنبي فيها، ونظام عرض أسعار صرف آجلة في جميعها باستثناء سلطنة عمان· كما تلتزم هذه الدول بأحكام المادتين الثامنة عشرة والرابعة عشرة من اتفاقية صندوق النقد الدولي المتعلقتين بتحرير المدفوعات على المعاملات الجارية· أما الذهب فيسمح بشرائه وبيعه وامتلاكه بأي كمية، سواء في الداخل أو في الخارج·
إن الهدف الأساسي لسياسة الصرف الأجنبي في دول مجلس التعاون يكمن في تحقيق أعلى درجة من الاستقرار في أسعار الصرف بين عملاتها وعملات شركائها التجاريين الرئيسيين، وذلك للتخفيف من أثر تقلبات هذه الأسعار على التكاليف والأسعار المحلية، واستبعاد الآثار الضارة المصاحبة لتعويم العملات الأجنبية الرئيسية، والوقاية من التضخم ومن التأثيرات الضارة لأسعار الفائدة الدولية في حركة رؤوس الأموال المحلية·
التكامل النقدي
لقد اعتمدت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية صيغة تثبيت أسعار الصرف بين العملات الوطنية كخطوة مرحلية للوصول إلى الوحدة النقدية· وتتطلب هذه الصيغة ضرورة التنسيق بين السياسات النقدية والمالية الوطنية؛ إذ لابد من التنسيق في عرض النقد والائتمان وسعر الفائدة وسياسة النفقات والضرائب والدخول وسياسة الأجور، كي لا تحصل انحرافات كبيرة بين اقتصاديات المجلس على صعيد تلك المؤشرات، لأن حصول مثل هذه الانحرافات يتطلب اتباع سياسة نقدية واقتصادية متباينة قد تضع نهاية لهذا التثبيت؛ فاختلاف سعر الفائدة بين الدول المذكورة - على سبيل المثال - قد يؤدي إلى حركة مربكة لرؤوس الأموال بين الوحدات الاقتصادية المختلفة، وبالتالي حدوث تباين في التكاليف التي تتحملها هذه الوحدات، مما لا يفي بأحد شروط التكامل النقدي الرامية إلى تحقيق تقارب في التكاليف داخل المنطقة النقدية الموحدة·
وحيث إن إصدار العملة المشتركة يمثل الحد الأعلى للتكامل النقدي بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، فقد ناقش الباحث عدداً من المسائل المتصلة بهذه العملة وكيفية تقييمها؛ إذ يترتب على إنشاء هذه العملة الموحدة إقامة سلطة نقدية خليجية مشتركة تؤول إليها احتياطيات المجموعة والعملات الأجنبية التي تحصل عليها كافة، ويديرها ممثلون عن الدول المذكورة· وتقوم هذه السلطة بإصدار العملة المشتركة والمحافظة على قيمتها وتعيين غطائها مستندة بذلك إلى الاحتياطيات المجمعة لديها·
ولا يترتب على إنشاء السلطة النقدية المشتركة إلغاء دور البنوك المركزية الوطنية، بل تبقى هذه البنوك فروعاً عاملة في السلطة المذكورة، وتقوم بتنفيذ السياسة النقدية والائتمانية العامة التي ترسمها تلك السلطة·
العوائق السياسية
إن إمكانات الوحدة النقدية بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كبيرة وشروطها متوافرة بدرجة محسوسة، وليس هناك في اعتقاد الباحث عقبات اقتصادية أو نقدية أو مالية كبيرة في طريقها، سوى العوائق السياسية· كما أن هذا التكامل النقدي لهذه المجموعة يمكن أن يعد خطوة أولية وبنّاءة، وليس عائقاً، في سبيل تحقيق تكامل نقدي على نطاق عربي أوسع، ومن ثم فإن تشجيعه والدعوة إليه ليس في صالح دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية فقط، وإنما من أجل تحقيق إنجاز أكبر وهدف أشمل، وهو الوحدة النقدية العربية على طريق التكامل الاقتصادي العربي الناجز على المدى الطويل·

اقرأ أيضا

باريس وواشنطن تتراجعان عن تبادل فرض رسوم جمركية