صحيفة الاتحاد

تقارير

الجيش الألماني.. خارج الخدمة؟!

قبل ثلاث سنوات، تصدر الجيش الألماني العناوين الرئيسة عندما استخدم عصي المكانس الطويلة بدلاً من البنادق الرشاشة خلال تدريبات مشتركة مع «الناتو» بسبب نقص المعدات. وكان يُنظر إلى عدم وجود أسلحة حقيقية في أكبر دول الاتحاد الأوروبي باعتباره دلالة على مدى نقص التمويل الذي يعاني منه جيشها منذ فترة طويلة.
وبعد قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم بعد ذلك، ازدادت الأوضاع سوءاً. والآن، توصل المفوض البرلماني لشؤون القوات المسلحة في ألمانيا إلى استنتاج مفاده أن الجيش الألماني تقريباً «غير قابل للانتشار من أجل الدفاع الجماعي» في الوقت الراهن. كما أشار المفوض المستقل «هانز بيتر بارتلز» في مقابلة معه مؤخراً إلى أن ألمانيا غير مستعدة في حال اندلاع نزاع كبير حتى وإن كانت المشاركة في العمليات الأصغر في الخارج لا تزال ممكنة.
وفي شهر أكتوبر الماضي، أفادت تقارير بأنه لا توجد ولا غواصة عسكرية ألمانية واحدة تعمل -في الوقت الذي تثير فيه العمليات التي تقوم بها الغواصات الروسية في بحر البلطيق مخاوف جديدة.
كما قد تتوقف أيضاً بندقية الهجوم الألمانية الأكثر شيوعاً عن العمل بشكل صحيح في الطقس الحار، أو إذا ارتفعت حرارتها جراء كثرة الاستخدام. ويستخدم طيارو جيش الدفاع الألماني للتدريب المروحيات التي يملكها نادي السيارات الخاصة، لأن الكثير من طائرات الهليكوبتر الخاصة بهم بحاجة إلى إصلاح. وعلاوة على ذلك، فنصف الدبابات تقريباً غير صالحة للاستخدام منذ شهر نوفمبر الماضي، وبهذا فليس لدى البلاد سوى 95 دبابة عاملة، لا غير.
وفي المقابل، يعتقد أن لدى روسيا أكثر من 20 ألفاً، على رغم أنه من غير المعروف كم منها يعمل حالياً.
وفي هذا السياق قال بارتلز، وهو من الحزب الديمقراطي الاشتراكي، إن «المعيار الذي يمكن استخدامه لقياس نجاح أي وزير دفاع، هو جاهزية الجيش للعمل». وأردف «وهذه الجاهزية لم تتحسن على مدى السنوات الأربع الماضية بل ازداد الحال سوءاً».
وكان بارتلز يشير إلى أداء وزيرة الدفاع الألمانية «أورسولا فون دير لاين»، وهي مسيحية ديمقراطية. وعلى رغم أن «فون دير لاين» قد وافقت على إحداث زيادات في الإنفاق العسكري خلال فترة ولايتها، إلا أن تداعيات عقود من نقص التمويل أصبحت الآن واضحة تماماً مع تزايد الإصلاحات التي تشتد الحاجة إليها في الوقت نفسه.
ولا تزال ألمانيا أيضاً في مرحلة الانتقال من نموذج يعتمد على التجنيد الإلزامي إلى جيش أكثر مهنية يعتمد بشكل حصري على المتطوعين. وقد تم إلغاء التجنيد الإلزامي في ألمانيا قبل سبع سنوات فقط، في الوقت الذي كانت فيه دول الاتحاد الأوروبي الأخرى تنظر في إعادة تفعيله. بيد أن الجيش لم يتمكن حتى الآن من ملء صفوفه بالكامل من المتطوعين، ويخشى المنتقدون أن يعيق النقص في المعدات أي مسعى لضم مزيد منهم.
وفي أمة مثقلة بتاريخها، وكانت من بين أكثر الدول التي أرهقتها الحروب، لا يزال الجيش ينُظر إليه بمزيد من التشكك بشكل محسوس. وقد ملأت بريطانيا وفرنسا الفراغ القاري باعتبار أن عندهما أقوى القوات العسكرية في أوروبا، هذا على رغم أن خفض التكاليف قد أدى إلى زيادة عمليات التسريح في كلا البلدين، أيضاً.
ولكن في دول أخرى، هناك وعي متزايد بأن عقوداً من خفض التكاليف والاعتماد على الجيش الأميركي قد أضرت بآليات الدفاع الأوروبية. وعلى سبيل المثال، فقد غيرت السويد مؤخراً نهجها وأعادت نشر جنود في قواعد ذات أهمية استراتيجية.
يذكر أن خفض الإنفاق العسكري في أوروبا قد أثار مخاوف في البيت الأبيض منذ فترة طويلة، حيث غرد الرئيس ترامب على تويتر في شهر مارس الماضي متهماً ألمانيا بأنها تدين للولايات المتحدة «بمبالغ كبيرة من المال» نظير الدفاع عنها من طرف قوات «الناتو». وفي ذلك الوقت، رفضت برلين زعمه وتساءلت عن فهمه لتمويل «الناتو». وقد طالبت ألمانيا منذ فترة طويلة بضرورة إدراج استثمارات أخرى، مثل مساعدات التنمية، في حسابات الإنفاق الدفاعي لأنها قد تساعد على جعل العالم أكثر أماناً، أيضاً.
وقالت وزيرة الدفاع الألمانية الشهر الماضي «إن ما نريده هو تقسيم عادل للعبء، إننا بحاجة إلى فهم حديث لأبعاد الأمن»، بيد أن منتقديها يخشون من أن مثل هذه الحسابات قد تخفي أيضاً إلى أي مدى صار الجيش الألماني حالياً، خارج الخدمة.


*محلل سياسي مقيم في برلين
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»