الاتحاد

عربي ودولي

"رولا دشتي" فجر بلا مفاجآت


السعد عمر المنهالي:

يبدو أن حواء قد حكمت على بنات جنسها ان يسعوا كثيرا قبل أن يلتقوا بآدم، ولذا بالفعل كانت الهوة ساحقة بين ''نون'' النسوة و ''واو'' الفحولة كما أكدت نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدتها الكويت في التاسع والعشرين من يونيو ،2006 إن التقاءهم في مجلس الأمة سيظل حلما طويلا لأربع سنوات مقبلة، بعد أن لم يحالف الحظ أي 28 مرشحة للفوز في دائرتها الانتخابية لتمثلها في مجلس الأمة الكويتي، فقد اختار الكويتيون مرشحيهم الخمسين لمجلس الأمة لعام 2006 من 374 مرشحا رجلا، مقررين أن يفاجئوا العالم بأنهم لن يحلموا له مفاجأة بعد أن شخصت آلات وسائل الإعلام العالمية منذ ما يزيد عن أربعين يوما منتظرة هذا اليوم·
أكدت الساعات الأولى لصباح الثلاثين من يونيو بما حمله من عدد مصوتين لمرشحات الدوائر الانتخابية الكويتية الخمس وعشرين، أن الكويتية لم تختلف جذرا عن مثيلاتها البحرينية والقطرية، وإن اختلفت معطيات كل حالة على حدة، غير أن التفوق النسبي الذي حققته المرشحة الدكتورة ''رولا الدشتي'' بحصولها على المركز الخامس في دائرتها العاشرة بعد أن صوت لها 12,23 بالمائة من المقترعين في دائرتها العاشرة، تجعلها أكثر المرشحات تفوقا بحصولها أعلى نسبة تصويت بواقع 1539 صوتا·
لم تكن للدكتورة ''رولا عبدالله علي حاجية دشتي'' التي أعلنت حملتها الانتخابية بعد يوم واحد فقط من إعلان حقوق المرأة السياسية في السابع عشر من مايو عام 2005 عن بدأ حملتها الانتخابية بقولها ''قد حققنا ما نريد·· إنه قرار تاريخي··· هدفنا الانتخابات البرلمانية عام ···2007 سأبدأ حملتي من اليوم''، على علم بأن حملتها كانت تحتاج بالفعل أن تبدأ منذ ذلك اليوم، خاصة وأن البرلمان الذي منحها هذا الحق حل بعد عام واحد فقط ليعجل بانتخابات تشريعية جديدة!
في الاقتصاد تخصصت مرشحة مجلس الأمة الكويتي عن الدائرة العاشرة ''رولا دشتي'' دالله دشتي'' فقد حصلت على شهادة الدكتوراة في الديناميكية الاقتصادية للسكان من جامعة ''جونز هوبكنز'' بولاية ''بالتيمور'' في الولايات المتحدة الأميركية· وتنتمي ''رولا'' المولودة عام 1967 لأحد عائلات الكويت الشيعية، ولأن والدتها من أصل لبناني فقد تلقت ''رولا'' تعليمها المبكر في المدارس الأميركية البريطانية في العاصمة اللبنانية بيروت، ولهذا التنوع الثقافي في أصولها بجانب تعليمها العالي في الغرب فقد تميزت بشخصية نسائية فاعلة في المجتمع الكويتي وذات حضور خاص سيما بين الشباب·
نضال امرأة
شغلت الدكتورة ''رولا'' منذ تخرجها بالعمل الأكاديمي منذ حصولها على شهادتها العليا بتدريس الاقتصاد في جامعة الكويت كأستاذ مساعد، كما نصبت مديرة لقسم الدراسات الاقتصادية في معهد الكويت للدراسات الاقتصادية للبحث العلمي أحد أهم المراكز البحثية في الوطن العربي، وخبير اقتصادي أول في بنك الكويت الوطني ومن خلال دورها البحثي عملت كمستشارة للبنك الدولي في عمله لتنمية الموارد البشرية في بعض دول العالم الثالث كاليمن، وتحديد النسل في تونس، وذلك لاهتمامها بالقضايا السكانية في الشرق الأوسط، استطاعت ان تجلب لها حضورا دوليا متميزا·
وخلال الغزو العراقي للكويت نشطت كمتطوعة في لجان رعاية اسر الأسرى الكويتيين، وكان لها لمسة خاصة في الاستمرار في إثارة قضيتهم على الصعيد الدولي، ولم يتوقف نشاط الدكتورة ''رولا'' في حدود العمل التطوعي المساعد، كانت بجانب ذلك تشارك بفاعلية في منظمات المجتمع المدني وجمعيات النفع العام بما يمكن أن تسمح به ظروف المجتمع الكويتي المحافظ، وهو ما نجحت به وبجدارة، فقد تقلدت منصب أمين سر نادي الفتاة الكويتية، ثم رئيس جمعية الاقتصاديين في يناير عام 2004 لتصبح أول امرأة في الكويت تكون على رأس منظمة أهلية مختلطة، وفي عام 2005 حصلت على الملك حسين للتنمية الإنسانية·
وغير هذا كانت الدكتورة ''رولا'' من النشطات الفاعلات في المناداة بحقوق المرأة ففي يوليو عام 2000 رفعت مع سيدتان أخريات أربع قضايا ضد وزير الداخلية بصفته بسبب منع وزارته تسجيل أسمائهن في لوائح الناخبين في دوائرهن الانتخابية، وقدمت عريضة مميزة وموضوعية من الناحية الإجرائية ومستوفية التوثيق، أسردت خلالها حالات التناقض البينة بين الدستور الكويتي والقانون الانتخابي الصادر عام ،1962 وإرفاق دعواها بالاتفاقيات الدولية التي تؤكد على حق المرأة السياسي·
كانت هذه حالة من حالات عديدة ناضلت المرأة الكويتية خلالها لتحصل على حقها السياسي في الاقتراع والترشيح، فنضالها السياسي كان قد أخذ منحى موسميا من وقت لآخر منذ عام ،1975 غير أنه تحول تصاعديا منذ تحرير الكويت من الغزو العراقي· فنضال النسوة في أعقاب الغزو في الدفاع عن ارض بلادهن، وتظاهرن ضد الاحتلال ونقلن السلاح والطعام لرجال المقاومة، مواقف كانت كافية من وجهة نظرهن لمنحهم حقوقهم السياسية كاملة، وهو ما دعمه وعد قطعه على نفسه أمير الكويتي ''جابر الأحمد الصباح'' -آنذاك- من منفاه وقت غزو العراق للكويت بمنحه حق النساء الكامل في العمل السياسي، غير أن ما حدث بعد التحرير في برلمان 1992 شكل -كما يعتقده المدافعون عن حقوق المرأة- صدمة للكويتيات المتباهيات بتضحياتهن من أجل الأمة!!·
استغلت السلطة في الكويت حقوق المرأة لخدمة مصالحها السياسية بعد حل مجلس الأمة الكويتي في مايو عام ،1999 فكان غياب السلطة التشريعية فرصة لاستصدار ما يقارب 60 مرسوما كان أحدها مرسوما أميريا -أصدره أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح- يمنح المرأة حقها السياسي الكامل في الترشيح والانتخاب، ففي الوقت الذي تُعلق فيه الديموقراطية في البلاد تمنح المرأة حقها الديموقراطي، الأمر الذي خلق حالة لبس بين المنادين بحقوق المرأة السياسية والداعين لحياة ديموقراطية سليمة، فحق المرأة السياسي اقر في ظل غياب المؤسسة التشريعية في البلاد، مما دفع بنواب مجلس الأمة اللاحق، إلى تحويل المرسوم الصادر إلى لجنة برلمانية مختصة للنظر في شأنه كباقي القرارات التي أصدرت في غيابه·
سباق مع الزمن
لعبت الاعتبارات الدينية والقلبية دورا في إسقاط المرسوم لثلاث مرات في مجلس الأمة، غير أنه وأخيرا وبسبب اعتبارات اختلط فيها الشأن الداخلي والظروف الدولية -كما يؤكد المحللون- حصلت المرأة في الجلسة البرلمانية التي عقدت في السادس عشر من مايو 2005 لتشارك في انتخابات مجلس 2007 غير أن الحل الدستوري اختصر عاما كاملا كان يمكن أن يقدم امرأة في لأهم تجربة خليجية!
كان لعامل ضيق المساحة الزمنية دورا سلبيا في تقديم المرأة الكويتية نفسها أمام الناخب، رغم تواجدها الفاعل والقديم في مؤسسات المجتمع المدني، إلا أن تمثيل السلطة التشريعية يعد أمرا مختلفا تماما، خاصة وأنه حتى وقت قريب اعتبرت غير جائزة شرعا لأنها من الولاءات العامة -حسب رأي البعض-، وذلك رغم مراهنة الكثيرون على خروج المرأة في الكويت بنتيجة مختلفة عما واجهتها نظيراتها في قطر والبحرين لعراقة نضال الكويتية السياسي· كما رافق هذا عددا آخر لا يستهان به من المعوقات كطبيعة الثقافة الذكورية المسيطرة على العقلية القبلية المعززة بالمعتقدات الدينية، والتي استخدمها البعض بصورة متطرفة عندما تعرضت المرشحات للتهديد المباشر وغير المباشر مما دفع بعضهن للانسحاب،، غير أن وضع المرشحة ''رولا دشتي'' وباقي النساء المرشحات في نفس الدائرة كان أكثر صعوبة!
بالتأكيد يعد حصول المرشحة ''رولا دشتي'' على هذه النسبة في دائرتها التي نافس فيها ستة عشر مرشحا تحديا لكل القيم التقليدية المتعارف عليها، فقد نجحت رغم انتمائها الطائفي الشيعي وتوجهاتها الليبرالية الواضحة كضربة في خاصرة كل القوى التقليدية، وهي الميزة التي استطاعت جذب شريحة كبيرة من الشباب حولها رغم وجود سبع مرشحات أخريات كانوا معها في نفس الدائرة، وهي أكثر الدوائر التي شهدت تواجد مرشحات نساء، أمثال أسماء معروفة على الساحة الكويتية كوكيلة وزارة السياحة نبيلة العنجري وغيرها من السيدات اللآتي وجدن حضورا إعلاميا مميزا، كالمرشحة مريم شعيب والمرشحة هند الشيخ وغيرهن، غير أن وجود المرشحات الكثيف لم يكن المشهد الغريب الوحيد في هذه الدائرة!
فقد عرفت عن الدائرة العاشرة ارتفاع نسبة الفساد بشراء أصوات ناخبيها، فحسب دراسة قامت بها صحيفة ''الوطن'' الكويتية في العشرين من مايو الماضي أن ''العاشرة'' حصلت على أعلى نسبة بين باقي الدوائر في انتشار آفة الفساد هذه، كما كثرت الإشاعات حول المرشحين، الأمر الذي زاد بكل تأكيد من صعوبة النزول عن هذه الدائرة، ورغم ذلك حصلت على أعلى نسبة بين المرشحات في فجر ديموقراطي كويتي خالي من أي مفاجآت!!


اقرأ أيضا

بوادر صدام بين أميركا وكوريا الشمالية