أرشيف دنيا

الاتحاد

سهيل جاشنمال: تنظيف المكان مرة واحدة لا يحافظ على البيئة

«سأبقى أبحر بمركبي وأقود سيارتي، ولن أتبجّح قائلاً إنني سأتوقف عن القيام بذلك، لكنني في المقابل سأسعى للمساهمة عبر مشروع للبيئة وللتنمية المستدامة بإحداث فرق»، هذا ما يقوله سهيل جاشنمال، المدير الفني والرئيس التنفيذي لشركة «لينك» لاستشارات التصميم، الذي انصرف منذ ستة أشهر من أجل إنجاح فكرة آمن بها وأراد تحقيقها من أجل بيئة أنظف وتوعية للرأي العام تجعل من المحافظة على نظافة البيئة مشروعاً مستداماً لا يتوقف مع إسدال الستارة على مهرجان أو محاضرة أو سوق خيري أو حملة نظافة.

يقول سهيل جاشنمال: «كنت في العادة أخرج لتنزيه الكلب الذي أملكه إلى كورنيش أبوظبي عند الخط الشرقي الدائري حيث تكثر أشجار القرم دائمة الخضرة، ولطالما كنت ألاحظ النفايات التي يتركها المتنزهون والصيادون وأشعر بالانزعاج وربما أعبّر عن ذلك أمام أصدقائي - ومعظمهم يعملون في الدوائر الحكومية- لكنني لم أتحرك يوماً من الكلام إلى الفعل، ولم أكلف نفسي بجمع أي من هذه المخلّفات على شاطئ جميل من شواطئ أبوظبي التي ولدت فيها وأحببتها».

نقطة تحول
نقطة التحوّل من القول إلى الفعل، جاءت حين خرجت يوماًِ إلى هذا الشاطئ لأجد ناراً مشتعلة بمساحة طاولة مطعم، واعتقدت بداية أن ثمة من يحضر المشاوي، لكنني لم أر أحداً في المكان إلا صياداً يقف مع سنارته في انتظار التقاط سمكة. استغربت أن يعمد أحد إلى إشعال النيران في المكان والمغادرة من دون أي اهتمام بإطفائها، واستغربت برودة الصياد الذي قد تتعرض حياته للخطر في المقام الأول فيما لو امتدت النيران وقضت على أشجار القرم وامتدت إلى الفلل (المعروفة في تلك الناحية بفلل القرم) التي يملكها مواطنون وتقدر قيمتها بملايين الدولارات!»
شكلت هذه المصادفة نقطة التحول عند سهيل من مجرد الانزعاج إلى التحرك، يشرح: «عمدت بسرعة إلى إطفاء الحريق بالرمال، وشعرت أن ثمة ما يجب القيام به، وأنه لا يجوز أن نستمر بالكلام من دون التحرك على الأرض، ومن هنا جاءت فكرة المشروع، واسمه «أخضر- أبوظبي 2010» وهو مشروع عرض فني وخيري هدفه المحافظة على البيئة من خلال نشر الوعي حولها وتحقيق تنمية مستدامة في هذا المجال، بمعنى أن لا نقوم بنشاط ونرحل إنما أن نعمل على مشروع يستمر ويتطور عبر السنين. وكمثال لا يكفي أن نعمل على تنظيف الشاطئ لمرة واحدة، إنما علينا أن نبقي نشاطنا هذا مستمراً بشكل دوري يضمن التوصل إلى حماية هذا الشاطئ، لذا توجهت إلى رزان المبارك مديرة الاتحاد الإماراتي للحياة البرية التابع للاتحاد العالمي للحياة البرية، فاتفقنا على إنشاء المشروع الذي فكرت به بالتعاون مع الاتحاد ومع مركز المستقبل لذوي الاحتياجات الخاصة، بحيث يعود ريع عرضنا وما يرافقه من نشاطات صغيرة إلى هاتين الجهتين لضمان استمرار عملنا ولضمان التوجه في المشروع ككل إلى ناحيتين، إحداهما بيئية مع الاتحاد والثانية إنسانية مع مركز المستقبل».
وبطبيعة الحال، وبما أن المحافظة على بيئتنا تحتاج إلى نشر الوعي، وهنا للتعليم دور كبير، تحدثت مع معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وعرضت للفكرة وأخذت التوجيهات والنصائح، وبالفعل عمدت على إشراك المدارس، وكان اتفاق مع مدرسة الجالية الأميركية التي ستفتح لنا الأبواب للتواصل مع التلاميذ في المدارس ومع عدد كبير من الجامعات، وقد عيّنا سفراء للتلاميذ سيشاركوننا المشروع في عدة نشاطات، وسيكون ضمن التعليم لديهم هذا التوجه للمحافظة على البيئة والتطوع من أجل تنظيف شاطئنا بأفضل الأساليب، وربما سيخجل الكبار حين يرون صغارهم ينظفون مخلفاتهم من النفايات على الشواطئ، ومن دون شك سيحدث ذلك تأثيراً على المدى البعيد.
يتابع جاشنمال، في الواقع، كنت توجهت بادئ ذي بدء إلى السفارة الهندية في الإمارات كون الجالية الهندية تشكل نسبة لا بأس بها من السكان، وبالتالي سيكون لها تأثير كبير على نجاح المشروع، وبعد تحديد المستفيدين من المشروع وهما الاتحاد الإماراتي للحياة البرية ومركز المستقبل لذوي الاحتياجات الخاصة، وبالتعاون مع المدرسة، بدأت العمل على جذب الرعاة من شركات مختلفة، وثمة من تشجعوا للفكرة وثمة من طلبوا الرعاية المستمرة للمشروع عبر السنين، وهناك ثلاث فئات للرعاة، الفئة الذهبية وتضم أربعة رعاة، والفئة الفضية وكذلك تضم أربعة، والفئة البرونزية وتضم حالياً عشرة رعاة.

رعاة ومتطوعون
ويقول سهيل «في الشهور الستة الأخيرة، كرست كل وقتي للبحث عن الرعاة ولم يبق أمامي إلا أسابيع قليلة قبل العرض الكبير الفني والنشاطات الصغيرة المحيطة به، وقد فعلت ذلك تطوعاً لتمكني من ذلك، فهذا ما أستطيع القيام به حالياً وربما في المستقبل أوكل هذه المهمة لآخرين، وبطبيعة الحال فإن هيكل المشروع ونظامه وأهدافه تكفل استمراريته، وكما أشرت سابقاً فهو ليس مجرد مشروع نقوم به ونختفي عن الأنظار، إنه مشروع مستديم. حين نتمكن من جمع المال من العرض الفني والمزاد الذي سنقوم به ونشاطات متنوعة أخرى، سنتمكن من القول للاتحاد الإماراتي للحياة البرية إننا نود الاستثمار في البرنامج الفلاني، ذلك أن هيكلة المشروع تضمن تمويله للاستمرارية، وأنا واقعي هنا في هذا المجال، فكل شيء يحتاج إلى مال للاستمرار، نحتاج إلى أكياس ومستوعبات للنفايات نوزعها على الشاطئ ونحتاج في المستقبل لتوسيع العمل، فقد وضعت نصب عيني أن يستمر العمل في المكان نفسه ولن تكون طريقة عملنا الانتقال من مكان إلى آخر، إنما التوسع، لأن تنظيف المكان لمرة واحدة وحسب لن يكفل استمرارية المحافظة على البيئة، وكما قلت ربما ليس بوسعي التخلي عن قيادة مركبي وسيارتي للمحافظة على البيئة وإنما بوسعي القيام بما أقوم به».
ويشير جاشنمال إلى أن المشروع الذي سيقام في أبريل 2010، سيضم عرضاً فنياً على مساحة تطل على الشاطئ في البطين قدّمها للحدث سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، رئيس المركز الثقافي الإعلامي رئيس نادي تراث الإمارات. يتضمن المشروع في أسبوعه الأول نشاطاً تعريفياً من محاضرات وتوزيع كتيبات وإعلانات تحث على التوعية وتوفر المعلومات الضرورية حول أهمية المحافظة على البيئة تقدمها أعمال ستة فنانين حول خمسة مواضيع مختارة، وفي قسمه الثاني تطبيقي حيث ننطلق في العمل على الأرض مع التلاميذ الذين نقسمهم إلى فرق تضم كل منها خمسة تلاميذ يشرف عليهم شخص أكبر سناً كي لا تعمّ الفوضى المكان، وكل شيء مدروس من الآن، بشكل يكفل القيام بعملنا بشكل منظم.
وهنا أشير إلى أن ما أراه سيحدث، هو أن الأكبر سناً الذين يتركون نفاياتهم على الشاطئ من دون شك سيشعرون بالخجل من خلال رؤية التلاميذ مرارا وتكرارا يتوجهون إلى المكان وينظفونه، ومن يحب الجلوس في المكان الذي يرمي فيه النفايات كأنه يبني له قصراً من النفايات التي تعزله عن محيطه ليجلس ويصطاد في مملكته الخاصة، سينزعج ويرحل عن المكان بعد أن نكفل نظافته المستدامة.
أما بالنسبة للعرض الفني، وللفنانين المشاركين، فقد أعلن جاشنمال وهو أحدهم، عن المواضيع العامة التي سيتطرقون إليها بأعمالهم الفنية من دون الإشارة إلى ماهية هذه الأعمال، ومن المشاركين أسماء لامعة في عالم الفن، وستعمل الفنانة جينيفيفا جريتشبوم على موضوع البيئة، في حين ستعمل الفنانة فاطمة المزروعي على موضوع التراث، والفنان سهيل جاشنمال، صاحب فكرة المشروع، سيعمل على التنمية، وسيعمل كل من الفنانين كوردولا بيتر وتيني مايير على المصادر وسيتولى الفنان جورج لويس موضوع المستقبل.

الذات
واكتفى جاشنمال بالإشارة إلى موضوع التراث متحدثاً عن طريقة العيش التي اعتاد عليها الإماراتيون قبل التطور العمراني الذي حصل، والتي كانت تستغل كل شيء في الطبيعة، بحيث أنه لم يكن ثمة داع لإعادة تدوير النفايات، في حين أننا اليوم نرمي النفايات المتراكمة وبشكل غير منظم لا يسمح بالتفكير بإعادة التدوير عبر اسقاط النفايات في المباني من فوق إلى تحت، بشكل لا يسمح فيما بعد بتفريقها وتدويرها، معتبراً أن على الناس التحرك وعدم انتظار الحكومة لفعل شيء في هذا الخصوص، لأنه حتى لو تم العمل على تدوير النفايات فليس ثمة مجال لإنجاح هكذا مشروع بالشكل الذي نعمل فيه عبر رمي نفاياتنا، إذاً علينا البدء بأنفسنا والبدء بالتحرك عوض الكلام، وأنا هربت من بيروقراطية مشاريع القطاع العام بمشروع خاص مدعّم من القطاع العام والعالمي من خلال الاتحاد الإماراتي للحياة البرية، وهو جسم عالمي، ومركز المستقبل لذوي الاحتياجات الخاصة وهو جسم محلي، كما نلت دعم القطاع العام من خلال صداقاتي المتعددة مع الكثيرين ممن يعملون في الحكومة وفي القطاع العام، وهم يشجعون ويدعمون المشروع».

دعم مادي
ويعمل جاشنمال على استكمال الدعم المادي للمشروع في بدايته التي تتطلب توفر 600 ألف درهم، وكان أول المتبرعين بمبلغ 70 ألف درهم بالإضافة إلى توفير المكان المناسب للعرض الأساسي في البطين، سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، وتوالى الدعم والتحرك من أجل تأمين المبلغ كاملاً لضمان نجاح المشروع الأساسي. وفي الوقت نفسه، ثمة صفحة على «الفايسبوك» لكل من يحب الانضمام إليها كمشجع للمشروع تحت اسم «جرين» Green، وموقع يتم العمل على إنشائه.
ويلخص سهيل جاشنمال البداية والحلم الممكن تحقيقه بالاستمرارية للمشروع فيما بعد، بالقول «بدأ المشروع من مجرد التفكير بالعمل عوض الكلام والاحتجاج وبإنشاء مشروع متكامل من فكرة خاصة بعد توفير الدعم الخاص لها، والعام من دون المرور في البيروقراطية المعهودة، وهذا مثال على مدى مسؤولية الناس في المحافظة على البيئة التي تحيط بهم، واليوم بوسعنا القول إن ما سنقوم به سيخفف من أعباء القطاع العام نحو 75 بالمئة ممّا يواجهه اليوم في مجال المحافظة على البيئة».

اقرأ أيضا