صحيفة الاتحاد

دنيا

ضريح السلطان همايون .. بداية للروضات والمساجد والقصور

الدرج المؤدي لمدخل ضريح همايون (الصور من المصدر)

الدرج المؤدي لمدخل ضريح همايون (الصور من المصدر)

ضريح أو مدفن السلطان المغولي همايون هو أول عمائر دولة مغول الهند وبداية مجموعة هائلة من الروضات والمساجد والقصور والقلاع رصع بها أباطرة المغول جبين الحضارة الإسلامية على امتداد شبه القارة الهندية.
فقد أنفق بابر محمد سنوات حكمه للهند في القتال والفتوحات لتوطيد أركان حكمه، فلم يكن لديه من الوقت والجهد ما يمكنه من الاهتمام بأمور العمارة وجاء من بعده ابنه همايون ليواجه تمرداً واسعاً أجبره على مغادرة ليس بلاطه في دلهي وحسب، بل وكل الهند فاراً بجلده إلى إيران، ومن هناك وبعد عدة سنوات عاد إلى كابول ليشن أكبر حروب أباطرة المغول ويسترد عرشه في دلهي ليموت عقب ذلك بسنوات قليلة.
كان همايون أسطورة عصره ولطالما أحب أن يمتدح بأنه سليل تيمور لنك الغازي العظيم، ولذا رأت زوجته الأولى وأم الإمبراطور الجديد جلال الدين أكبر أن تعبر عن وفاء الزوجة والأسرة لبطلها همايون عن طريق بناء ضريح أو مدفن له يماثل في رونقه ضريح تيمور لنك المعروف باسم غور أمير في سمرقند.
قوبلت رغبة بيجا بيجوم أو الحاجة بيجوم بالرفض في البداية ودفن همايون بعد وفاته في 20 يناير 1556 م في قصره بالقلعة القديمة في دلهي، ثم نقل رفاه إلى سرهند في البنجاب خوفاً من قيام الملك الهندي هيمو من نبش قبره بعد نجاحه في هزيمة الجيش المغولي في أجرا ودلهي وسيطرته على القلعة القديمة.
تولت بيجا بيجوم الإشراف على بناء المقبرة بنفسها، وذلك بعد عودتها من الحج للأراضي المقدسة في عام 1565 م أي بعد قرابة عقد كامل من وفاة همايون واستمر العمل قائماً حتى أتمت أعمال الزخرفة في العام 1572م بعد أن تكلف المبنى أكثر من مليون ونصف المليون روبية دفعتها البيجوم من مالها الخاص.
أول ضريح بالهند وسط حديقة واختارت الإمبراطورة بقعة تطل على نهر جمنى المقدس عند الهنود لتكون مستقراً لرفات زوجها التي نقلت من البنجاب إلى تلك المقبرة في العام 1571م، وذلك لوجود قبر الصوفي نظام الدين في تلك البقعة، حيث تعقد حلقات الذكر لمتصوفة دلهي.
وكما سبق لبابر أن دفن في كابول في قبة تحيطها الحدائق عمدت الحاجة بيجوم لأن تكون قبة همايون أول ضريح يقام في الهند وسط حديقة ومن أجل ذلك عرفت تلك المدافن في الهند باسم الروضات أملاً في أن يكون قبر المتوفى روضة من رياض الجنة واستبشاراً بالخلد في الجنات العلا.
أما مهندس البناء فهو حسب روايات المؤرخين المعاصرين من أصل إيراني عمل في خدمة بلاط أحفاد تيمور لنك في هراة ويدعى غياث الدين ميرك ميرزا، وقد سبق له تصميم بعض الأعمال المعمارية في هراة وبخارى وبعض المدن في غرب الهند، ولذا وقع اختيار الإمبراطورة عليه ليقوم بتنفيذ العمل، ولكن هذا المعماري توفي قبل إتمام البناء فتولى من بعده المسؤولية ابنه سيد محمد ميرك لينجز بناء الضريح وفقاً لتصميم والده، ويرفض علماء الآثار الهنود الاعتراف بأن ميرك ميرزا الإيراني كان مهندس ضريح همايون أحد العلامات المهمة في تاريخ العمارة الإسلامية بالهند ويرونه فقط مسؤولاً عن تنفيذ البناء باعتباره المسؤول عن قطع الأحجار في عهد جلال الدين أكبر.
وتحيط بالضريح حديقة مربعة تعرف باسم تشار باغ أي الحديقة المربعة، وهي الحديقة الوحيدة من نوعها في روضات الهند إذ تتبع النظام الفارسي في تنسيق الحدائق، بينما الروضات التي شيدت بعدها اتخذت نظاماً هندياً خالصاً في تنسيق الحدائق المحيطة بالروضات، مثل روضة تاج محل في أجرا.
وقد زار التاجر الإنجليزي وليام فينش ضريح همايون في العام 1611م وأعطى وصفاً كاملاً لحجرة الدفن وما تحتويه من زخارف الحجر والرخام والغطاء الأبيض الحريري لتركيبة القبر وما يحتويه من نسخ فخمة من القرآن الكريم.
وضع الضريح بلائحة «التراث العالمي» ولحق الضرر الأكبر بالحديقة وبخاصة بشبكة الري من القنوات والأنابيب المثبتة تحت الأرض خلال فترة تقسيم الهند بعد الاستقلال «1947م» إلى دولة للمسلمين «باكستان» وأخرى للهندوس، إذ تم تحويل الضريح والحدائق المحيطة به إلى ملجأ للنازحين المسلمين الراغبين في الانتقال إلى باكستان خلال عامين تم خلالهما بناء جدران حول حجرة الدفن خوفاً من تدميرها، وبعد وضع الضريح على لائحة مواقع التراث العالمي في العام 1993م بدأت الهند في الاهتمام بترميم الضريح والعناية بحدائقه، حيث يعتبر اليوم من أهم المعالم السياحية في دلهي القديمة.
فقدت حديقة تشار باغ التي تحتل مساحة 13 هكتاراً حول الضريح رونقها بعد تحويل العاصمة من دلهي إلى أجرا، وتدريجياً قام الفلاحون بزراعة الحديقة بالتبغ والملفوف، وهجر المكان وأصبح موحشاً، بدءاً من القرن 18م إلى الحد الذي قامت معه قوات الاحتلال البريطاني بتحويل ضريح همايون إلى سجن حبس فيه بهادر شاه آخر أباطرة المغول في الهند.
تحفة فنية يتميز ضريح همايون بقبة من الرخام الأبيض تعد واحدة من أجمل القباب في العمارة الإسلامية، ويصل ارتفاع هذه القبة إلى 47 متراً، بينما يصل طول ضلع حجرة المدفن الذي تغطيه تلك القبة إلى 91 متراً.
وتحفل حجرة الدفن بمجموعة من أجمل الزخارف الحجرية والرخامية التي نفذت بأسلوب التفريغ حتى لتبدو غلالة من الضوء تتقدم فتحات الشبابيك في كل ركن من أركان حجرة الدفن ويعد المحراب الرخامي تحفة فنية قائمة بذاتها.


تحويل ضريح همايون إلى سجن
فقدت حديقة تشار باغ التي تحتل مساحة 13 هكتاراً حول الضريح رونقها بعد تحويل العاصمة من دلهي إلى أجرا، وتدريجياً قام الفلاحون بزراعة الحديقة بالتبغ والملفوف، وهجر المكان وأصبح موحشاً، بدءاً من القرن 18م إلى الحد الذي قامت معه قوات الاحتلال البريطاني بتحويل ضريح همايون إلى سجن حبس فيه بهادر شاه آخر أباطرة المغول في الهند.