د. ألفة يوسف شاع في السّنوات الأخيرة الحديث عن ثنائيّة الأنا والآخر، ورغم أنّ موضوع الغيريّة هو موضوع فلسفيّ قديم طُرح منذ الفلسفة اليونانية القديمة وعاد إليه فلاسفة محدثون من الأعلام شأن ليفيناس (Lévinas)، فإنّ ما يجري اليوم في العالم من صراعات وحروب وإرهاب أرجع هذه الثّنائيّة إلى الصّدارة. أشرنا إلى ثنائيّة، ويمكن أن نضيف أنّها ثنائيّة متلازمة، فالأنا لا يمكن أن يوجد دون الآخر، إذ أنّه كلّما وجد الضّمير «أنا»، وُجد بالقوّة «ما ليس أنا» ممّا يجسّم الآخر. ولا تبدأ المشاكل بين الأنا والآخر في حال اختلافهما، وإنّما تبدأ في حال سعي أحدهما إلى تغيير الآخر أو ما يمكن التّعبير عنه بسعي أحدهما إلى إقناع الآخر بشيء مّا. ويمكن أن ينجح هذا السّعي إلى التّغيير فيقنع الأنا الآخر، وعندها ينتهي الاختلاف، ويصبح الآخر أنا. فمن ذلك - مثلاً - أنّك تحاول إقناع شخص لا يحبّ السّينما بأن يهتمّ بالسّينما، فإذا أصبح ذلك الشّخص مهتمّا بالسّينما، فإنّ الاختلاف انفرط وصار الأنا والآخر واحداً في علاقتهما بهذا الموضوع، وهو في مثالنا السّينما. أمّا في حال عدم نجاح فعل الإقناع، فإنّ العلاقة بين الأنا والآخر تتجسّم وفق طرق ثلاث: = الطّريقة الأولى هي إقصاء الآخر رمزيّا: الرّمزيّ يشمل فلسفيّاً كلّ الأنظمة الجماعيّة الّتي بها يتعامل البشر وعلى رأسها اللّغة، ومن الأنظمة الرّمزيّة نجد التّراتبيّة الاجتماعيّة وأساليب الأكل والشّرب واللّباس إلخ... وإخضاعُ الآخر المختلف رمزيّا شائع في التّاريخ من خلال أمثلة كثيرة، فقد كان أهل الذّمّة - مثلاً - يتزّيون بزيّ معيّن في المجتمعات الإسلاميّة لتمييزهم من المسلمين، وكان اليهود أثناء الحرب العالميّة الثّانية مجبرين على أن يخيطوا فوق ثيابهم نجمة داود الصّفراء لتمييزهم من غير اليهود، ولغاتُ البلاد العربيّة تعجّ بالعبارات الّتي تميّز بين البيض والسّود بما يختلف من مجتمع إلى آخر. إنّ إقصاء الآخر رمزيّاً يفيد وسمه سلباً بما يقيم تراتبيّة جماعيّة يكون فيها الأنا في القمّة والآخر في السّفح أو في مرتبة دنيا في أفضل الأحوال. = إقصاء الآخر خياليّاً شاع في السّنوات الأخيرة اعتماد مفهوم «التّسامح» بين البشر والأديان والحضارات. وهذا المصطلح الّذي يبدو ظاهريّاً ممّا يقرّب بين النّاس، إنّما يضمر مفارقة كبرى، ذلك أنّ «تسامح» على وزن «تفاعل». ومن المعاني الّتي يفيدها وزن «تفاعل» الصّرفيّ، معنى التّظاهر (كأن تقول: «تمارض» أي تظاهر بالمرض). وإنّنا نذهب إلى أنّ التّسامح هو، بشكل من الأشكال، إعراض عن الآخر، ونذهب أيضاً إلى أنّه من اليسير جدّاً المرور من التّسامح إلى اللاّمبالاة. وإذا علمنا أنّ الخياليّ هو ما يتّصل بالتّمثّلات والتّصوّرات الذّهنيّة فهمنا أنّ هذه اللاّمبالاة ليست إلاّ إقصاء خياليّاً للآخر. = إقصاء الآخر واقعيّاً يحيل الواقعيّ فلسفيّاً على ما هو كائن ممّا لا يمكن ترميزه. ويمكن أن نضرب مثالاً على ذلك حالة الألم الكبير أو إحساس الفرح العميق اللّذيْن لا يمكن للّغة التّعبير عنهما. وبعبارة أخرى، فالواقعيّ يشمل ما يفشل الرّمزيّ في احتوائه أو ما لا يقال شأن تجارب المتصوّفة مثلاً. فكيف يمكن إقصاء الآخر واقعيّاً؟ يكون إقصاء الآخر واقعيّاً عبر القضاء عليه أي قتله، وهو أقصى أنواع الإقصاء. وليس هذا الإقصاء بنادر، إذ يكفي أن نتذكّر عدد القتلى في الحروب عبر تاريخ البشر الدّمويّ، ويكفي أن نتذكّر أنّ سبب كلّ الحروب هو سعي جماعة إلى إخضاع جماعة أخرى بشكل من الأشكال، وذلك مهما تختلف المبرّرات وتتعدّد. ويمكن أن يكون هذا الإقصاء الواقعيّ بين الأفراد أيضاً، إذ لا ننسى أنّ أوّل جريمة قتل في تاريخ البشر كانت بين ابني آدم، إذ قتل أحدهما الآخر. ومن اللّطيف أن نتذكّر أنّ الرّمزيّ والخياليّ والواقعيّ هي المنظورات الثّلاثة الّتي من خلالها تتموضع الذّات البشريّة حسب ما وضّحه جاك لاكان (Jacques Lacan) المحلّل النّفسيّ الفرنسيّ الشّهير. وليس إقصاء الآخر وفق أيّ من هذه المنظورات الثّلاثة بقادر على أن يلغي الآخر أو ينفيه مطلقا. فالإقصاء الرّمزيّ للآخر والإقصاء الخياليّ له لا يمكن أن يلغياه لأنّه يظلّ حاضراً. بل إنّ الإقصاء الواقعيّ نفسه لا يمكن أن يلغي الآخر. ذلك أنّ قتل الآخر يلغي وجوده المادّي في الحياة، ولكنّه لا يمكن أن يلغي أثره. وهذا ما حصل من أوّل جريمة في تاريخ البشر إلى اليوم. إنّ قتل الآخر لا يمكن أن ينفي أنّه يبقى ذكرى ورمزاً وتمثّلاً وأثراً. وبعبارة أخرى، فإنّ قتل الآخر لا ينفي أنّه قد وُجد وأنّ واقع وجوده كالوشم لا يمكن محوه أبداً. استناداً إلى ما سبق، فإنّه يمكن تصوّر علاقة وحيدة بين الأنا والآخر لا تقوم على إقصاء. وهذه العلاقة هي علاقة القبول، قبول الآخر في اختلافه، والوعي بأنّ هذا الاختلاف هو جوهر الحياة وأساسها. إنّ القبول باعتباره إقراراً بالكائن يختلف عن التّسامح الّذي يضمر حكما سلبيّاً على الكائن، وبعبارة أخرى، فإنّ القبول بصفته خلوا من الأحكام يخرج بالعلاقة بين الأنا والآخر من مجال النّفي إلى مجال الإيجاب، ويقيم العلاقات البشريّة على التّكامل والتّآزر لا على الصّراع والتّنافي، ويذكّرنا بأنّ الاختلاف هو أسّ الحياة. يقول الله تعالى: «ولو شاء ربّك لجعل النّاس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين» (هود، 118).