الاتحاد

الملحق الثقافي

النساء الطيور والريشات الخفيّات

ينتمي الشاعر فيتو آبو شانا (الذي يعرف أيضا بميغيل آنخل لوبيز وولد العام 1965) إلى قومية وايوو من السكان الأصليين لأميركا الجنوبية، حيث يتوزع مواطنو هذه القومية الذين يبلغ تعدادهم اليوم قرابة نصف مليون شخص على المناطق الحدودية بين كولومبيا وفنزويلا والمحيط الأطلسي حيث جبال الأنديز.
ومن الممكن القول إن فيتو آبوشانا شاعر شفوي تماما، فلم يتلق تعليما بالمعنى الأكاديمي للكلمة، بل حصل على العديد من مِنَح التفرّغ التي أفسحت له مجالا كي يتفرغ لكتابة البعض من دواوينه، وفي الأصل، لم يتجه إلى قول الشعر ثم كتابته إلا بعد أن اكتشف جذره الهندو أميركية ليبدأ رحلة بحث عن ما يجمع التقاليد الشفوية الراسخة لهذا الشعر بالمجتمع الحديث في أميركا الجنوبية، فيخوض رحلة بحث مضنية على المستويين الجغرافي والشعري عن صوت ناسه الأصليين فيستقي من كبار السن من بينهم ما تبقى لديهم من تقاليد متناثرة هنا وهناك في ذاكرة كل منهم ثم ليعيد إنتاجها من جديد بوعي وصوت مختلفين ومتأثرا بالعديد من شعراء وايونا من طراز آبيا يالا الذي يوصف بأنه الشاعر الوطني لهذه الأمة على نحو ما يُعرف هذا النشيد بأنه السلام الوطني لدولة ما.
ما يلي سلسلة من قصائد متصلة لآبوشانا، تحكي عن رحلة إلى مدافن الأجداد يقوم بها رجال من شعب الوايوو، تشبه في تسلسلها الحكايا الخُرافية المتصلة التي تروج في أوساط الهنود الحمر في الأميركيتين وتتناول الآلهة وبدء الخليقة ونشأة المجتمعات البشرية والحيوانية لجهة منطق السرد الخاص بها بوصف أحدها غير منفصلة عن الأخرى، فترد فيها أسماء أمكنة وأشياء وأشخاص بل وأصوات أيضا بلغتها الأصلية، التي تحولت الآن من شفوية تماما إلى مكتوبة، غير أنها أسماء واضحة الدلالة ولا تحتاج إلى شروحات، باستثناءات عديدة، فالظربانات في قصيدة “ماكاليباو”، ومفردها ظربان، وهو حيوان ثديي أميركي منتن الرائحة ويشبه الديك الرومي أو الحبش.

ترجمة: جهاد هديب

ارتقاء تلّ
مدفن العائلة الآن، على مبعدة يوم مشيا على الأقدام.
التأمنا جميعا أسفل تلّ إبيتسو.

حملنا أمتعة خفيفة:
قهوةٌ وذرةٌ
ضحكٌ وتنهّدات..
وتزوّدنا بقوة منها.

طيف الرجل ـ نمرٌ يظلّ بين النساء ـ

الأخوة الشبّان يعزفون الموسيقى:
البعض يعزف بقرون مجوّفةٍ
والآخرون بصافرة من البذور.

مرَرْنا، بصمتٍ، عبر أَوْكار دبابير كو أوي،
استرحْنا على ضفّة نهر جفَّ،
حيث صنع الأولاد حوضَ سباحةٍ في رمله
وانهمكوا بقفزة الأرنب.

استأنفنا مسيرنا الخفيَّ
عبر أحمر الشمس الذي احترق.
باستو أوشي، العم العظيم، أصغى إلى البومات الأكبر عمرا
ثم أشار إلى المأوى حيث سنقيم الليلة.

ماكاليباو
في ماكاليباو، تتحدث إلينا العجوز ألاسينا، عن قِدْر القهوة، بكلمات تجيء من الصفاء، وتخبرنا قصةً عن الحيوان الحميم لكل شخص.
“... عشيرتكم مصابة بنملةٍ تسبب الحكَّةَ في الجلد بوصفها حيوانا حُلْوَ المعشر، لولا أنْ وجدتم أنفسكم في الحصان.
رحَلْتُ مثل زهرة إجاص شائكٍ فوق الأرض
في عَصفةٍ من الريح،
وصوتي سوف ينضج بين طائر وينبيراي وحفيدتي نيميتشون دعوا أقدامكم ترتجف في مودّة النساء”.
وقف أليتشي وأعلن:
“سوف نمضي في هذه العذوبة”.
لوّحت ألاسينا بالوداع:
“سوف ترون، هناك، على جانب الطريق
في العظاءات الذئبية، وفي الظربانات
كيف أنّ المحاباة تتخِّذُ شكل خوف
والبراءةَ تستقبل أسرار العالم”.

سيابانا
في سيابانا.. تخرجُ النساء بابتسامةٍ إلى كلِّ زائرٍ من بعيد.
يقُلْنَ إن هواء ماكويرا الأسود قد أحاطهم بأحلامٍ متوهجة...
هناكْ، علّمَتْهُم إناث الحيوان لَظْمَ ما لا ينفد بخيط...
بهذه الطريقة، رَبَطْن مكائدَ تخصيبِ الأرضِ، وتغَنَّيْنَ بنارِ أسلافنهِنَّ.
اعترفوا بأن آك آلاني تلك، جنيِّاتٌ وحشيةٌ تتفتَّحُ ليلا؛ يُطاردْنَ ظلالَهُم ويُرْسِلْنَ في الريحِ رسائل عن عَرَق الفاكهةِ، وعن رطوبةٍ في الشقوق، وياْمَلْنَ أنْ يفاجِئْنَهُم في أيِّ دربٍ نائيةٍ، فيأْخُذنهم إلى فضاء الفتنة.
البعض من بينِهنَّ فتحْنَ قلوبهنَّ تحت جانبً من القمر وأطْلَقْنَ الماء من ثقوبٍ في دروعهن... روحُ الذاكرةِ تسالُهنّ أنْ يبقينَ في وردةٍ بين غَمغمةِ الجنيِّات ورماحِ الغياب.

في البدء
(ثقافة تيرونا)
في البدْء كان ماردٌ
وصمتٌ وفيرٌ... ومن الفقاعاتِ تلك
تدفّقَ، غزيرا، الصوتُ الأوّلِ
وجذورُ النَفَس...
بعدئذٍ، أزهرت فكرةٌ
وعظاءاتٌ وأرانبُ،
والطعامُ اليوميّ،
وحيواناتُ السماءِ
قاعِ البحرِ انْبَثَقَتْ...
وحالاً بعد ذلك، وُلِدَ الحيوانُ مجدولُ الشعرِ صارِخا:
نحنُ ما جمَعَنا معا!
نحن ما جمعنا معا!
في البدءِ كان الهائلُ
وصمتٌ كلِيَّ الوجود
منهما جاء الحيوانُ مجدولُ الشعر
كي يجمع العناصر:
...صارت خُفّاشا:
تَحليقُ الصخورِ العميقةِ
...صارت نَمِرا مرقّطا:
كبحُ الاعتدالِ
...صارت أفعى:
ثوبُ الشمسِ والظلام
صار صوتَ غَرْسِ بذورِ النار:
نحنُ ما جمَعَنا معا!
نحن ما جمعنا معا!

الطريق
في كهف بولاأشيروأو
عشٌّ لمعرفة قديمة ينبغي أنْ أقتاتَ منها.

ثمّةَ أشياءٌ صامتةُ، هيَ أخٌ لي.

مثلَ صخرة آلاشو
التي ستحفظ دمَنا
حتى بعد آخِر وايو.

مثلَ جُرف جولي إيروانا شديد الانحدار
الذي يسيِّجُ غموضَ الموتى.

مثلَ السرّ الذي يُخبرنا
لسنا أبدا وحيدين.

نساءٌ ـ طيورٌ
حدث ذلك من زمان، ذات صباحٍ رأيتُ صخرتَيْن كروانَيْنِ تفرّان.
مرّتا سريعا بكوخي، تُغنّيان: “ليو، ليو، ليو، ماه... ليو، ليو، ليو، ماه”.
كان القمر يشعُّ فوق السكونِ الأحمرِ للشمس... ثمّ
ثم رأيتهما تتواريان على الطريق إلى بِرْكَةِ ماري إيروب.
في ذلك الحين، ليلا، حدثَ حلْمٌ فيَّ... امتلأ بنساءٍ ـ طيورٍ: كانت جييت ووت تسو، المرأةُ ـ الطائرُ الأزرقُ، معقودة الشعر بألوان الزمن كلّه؛ جييت ـ واوا آشي، المرأةُ ـ اليمامةُ البرّية، تنادي صغارها:
اجلبوا الحياةَ إلى هنا! اجلبوا الحياةَ إلى هنا!؛
جييت ـ شوت إي، المرأةُ البومةُ، تضطجع ونارٌ في عينيها، بانتظارِ رجلٍ مرغوبٍ به؛ جييت ـ شونو أو، المرأة ـ الطائرُ الذي يترنّم، تجدِّدُ أزهار أحلامٍ منسيّةٍ... وكثير من الطيور فكثير من النساء؛ جييت ـ كا آراي، المرأةُ ـ الصخرةُ ـ الكروان، هنا، ممتلئةً ببشارتٍ في كلِّ خفقةٍ من قلبها؛ جييت ـ وول وي، الأفطروس توزّع ماء الضحكِ طازجا؛ جييت ـ ليليشو، المرأةُ ـ الطائرُ المغرِّدُ، تعلّقُ أطواقا في أجنحتها التي من دردارٍ أحمر.
أخبرتُ أمي بحُلْمي حين نهضْتُ... ابتسمتْ دون أنْ تنظُرَ إليّ.
“آ آ آ، إنها وينبيراي؛ امرأةٌ ـ طائرٌ ساخرٌ!”... من حينها وأنا أكتشف الريشات الخفيّات لتلك النساء اللواتي يدفئْننا.

اقرأ أيضا