الاتحاد

الملحق الثقافي

العشاء الغامض والعيون الساهرة

صادفت مرة مقالاً لأمبرتو إيكو بعنوان “العشاء الغامض والنخب الليبرالية” (الاتحاد، 7 أكتوبر 2010)، وشخصياً أنا أحب لغة صاحب “اسم الوردة” الصحفية الساخرة، ففي ذلك المقال يتحدث ببساطة عن مقال قصير نشر في إحدى الصحف الإيطالية يتساءل فيه أحد الصحفيين عن رفيق إيكو الغامض في عشاء بمطعم صيني، كما يتساءل ذلك الصحفي عن الخطط التي يقوم بها هذان الرفيقان اللذان يصنفان على أنهما من “النخبة الليبرالية”، خاصة وأن الرفيق الغامض مجهول الهوية، كما أن الاثنين تركا الأطباق الإيطالية (الخالدة) ويأكلان في ذلك المطعم أطباقاً آسيوية غريبة، وعلى ما يبدو ـ كما يظن الصحفي ـ بأن “الإمساك غير المتقن بعيدان الأكل الصينية هو شغف يتشاركه أعضاء النخبة الليبرالية”.

إيكو يسخر من المقال ومن الصحفي معاً. فالمقال “كناية عن درس سريع في كيفية إثارة الشكوك وطمس الخط الفاصل بين الإشاعة والخبر”، كما يكتب، “كما أنه لا يوجد أمر استثنائي في مثل هذه التقارير، لا سيما وأن العديد من الصحفيين في أنحاء العالم يكسبون قوتهم عبر الإفادة من قصص ثانوية. وبما أنني لا أعتقد أن هذا الصحفي ـ كاتب التقرير ـ يمضي كل يوم مختبئاً في مطعم صيني غير فخم، بانتظار فقط سبق صحفي، لا يسعني سوى التكهن بأن هذا الساعي وراء الشهرة يذهب الى هناك بصفته زائراً دائماً للمطعم، لا سيما وأن إضاءته جيدة ونظيف، وأسعار مأكولاته ضمن القدرة المالية لذوي المستويات المعيشية المتوسطة ضمن هرمية الصحفيين”، وأعتقد ـ كما يواصل إيكو ـ أن ذلك الصحفي و”بعد أن ضجر من تناول لفائف البيض للمرة الألف، لابد أن هذا الصحفي المغمور كاد أن يتهاوى عن كرسيه لتوهمه فقط أنه وقع على سبق صحفي استثنائي (حين شاهد إيكو يتناول العشاء في ذلك المطعم مع رفيقه غير المعروف) من شأنه أن يقلب سيرته المهنية رأساً على عقب”.
فتناول الطعام في مطعم آسيوي ـ حسب إيكو ـ أمر “أقل من اعتيادي”، كما أنه يرفض أن يكون من الواجب عليه حمل لافتة مكتوب عليها اسم رفيقه (في حال طبعاً أراد ذوو التساؤلات تدوينه؟).
وسلسلة التساؤلات عند مثل هكذا مراقب لا تتوقف، فهل يلتقي إيكو بهذا “الرفيق الغامض” في هذا المطعم، أم بآخرين كذلك؟ وإذا كان ثمة “معروفون” يلتقون هنا باستمرار فهل يمكن اعتبار هذا المحل “غرزة” ووكراً للنخب الليبرالية، أو كبار ممثليهم، ولم يتم ذلك هنا بالتحديد، “وكأننا ـ كما يختم إيكو مقالته ـ في إحدى الروايات البوليسية للكاتب داشييل هامت، وليس في مطعم إيطالي حقيقي، وفخم فعلاً (وإن كان يُقدم المأكولات الآسيوية)، إنه فعلاً نوع من التسلل في الخفاء تقوم به النخبة الليبرالية (كي تجتمع، و...) من الجيد أن الصحافة تبقي عينها الساهرة علينا”.
ومن قبيل الحظ والنعمة أن المرء ليس مشهوراً كإيكو حتى تتسع تلك “العين الساهرة” عليه وتتبع خطواته، كما من حسن الحظ أن الصحافة عندنا، أقرب ما تكون الى العين المسمولة، أو ربما أقرب توصيف لها هو “العين الحولاء”، فهي في الحقيقة غير مشغولة بأسئلة الحياة ومشكلاتها وتعقيداتها في هذا المكان، وتتحول الى نشرة رسمية عن الإنجازات الفائقة للمؤسسات، مع مزيد من الصور عن الاحتفالات التي تقام احتفالاً بتحقيق تلك الإنجازات.
و”السبق الصحفي” عند ذلك الصحفي الإيطالي المسكين والذي “يراقب” إيكو وجماعته مختلف كلياً عن “السبق الصحفي” عندنا. فالصحافة عندنا تتسابق لنشر آخر “إنجازات” المسؤول العظيمة، أما هناك، وحتى في إيطاليا، “تتسابق” الصحافة للكشف عن آخر فضائح المسؤول.
ولا يعرف المرء هل يحمد الله على أن صحافتنا ليست “عيونا ساهرة” أم لا، ولكن ذلك لا يعني بأن مجتمعاتنا العربية ليست مملوءة بأصناف أخرى من “العيون الساهرة”، لغايات مختلفة.. ورغم اختلاف الغايات، فإن مسلك “العيون الساهرة” يكاد يتشابه.
أنت ورفيقك في مطعم، وسرعان ما يأتي أحد أفراد “العيون الساهرة” ويجلس على طاولة قريبة أو بعيدة، المهم أنكما الآن قد صرتما تحت نظر تلك العيون، وتحت “سهرها” الذي لا يكل.
إذ كان فرد “العيون الساهرة” هذه يعرف أحدكما، فإنه سينزوي الى طاولته لإشعاركما بأنه يحترم خصوصيتكما للغاية، أما إذا كان لا يعرفكما، فإنه لا يحييكما، فرغم أنه من “العيون الساهرة” إلا أنه عند هذا الدور لا علاقة له بكما. إنه متمسك بخصوصيته ولم يأت الى هذا المكان إلا هرباً من الآخرين ودفاعاً عن فرديته.
لا توجد أمكنة بلا أزمنة، الأزمنة هي التي تخلق الأمكنة، وتحولها، وتغير الجالسين فيها، بمن فيهم أفراد “العيون الساهرة”:
ـ من هذا الشخص؟ ماذا يقولان لنفسيهما طوال هذا الوقت؟ وحول ماذا يتحاوران؟ ثم هل لاحظت أنهما وبدلاً من أن يطلبا “برياني” للعشاء طلبا “سباجيتي”، لا علاقة لهما بالأكل المحلي، بل على الأغلب هما لا يحترمان “الهوية الوطنية”، ثم إنني أعرف أحدهما. أعرف ذاك. ذكرّني. أجل أجل لقد تذكرته، إنه من فعل في الجامعة كذا، وكتب في الصحافة وقال للإعلام كذا، ولكن يا ترى لماذا اجتمعا اليوم هنا، لم في هذا المكان، وهل يلتقيان دائماً، وخاصة هنا، وهل ينضم لهما آخرون؟ أسئلة كثيرة ينبغي الإجابة عليها. وأياً كانت الخطط التي يتبعانها في الاجتماع، فليس من المستحيل علينا كشفها.
وسواء كان هذا الحوار بين فرد “العيون الساهرة” ونفسه، أو مع أحد زملائه، فإنه يضحي مع تراكم الزمن في المكان حواراً مسموعاً، تماماً كما يغدو ما يقوله ذلك الجالس مع رفيقه حواراً مسموعاً كذلك:
ـ ما بك يا رجل، فمنذ فترة طويلة وأنا لم ألتقك. أعرف جيداً الضغوط الحياتية التي تكاد تفتك بالإنسان، والمشاغل الكثيرة التي لا تعد والتي تستلب روحه، أموره المعيشية شديدة الوطأة، ورغم أنه يحاول تلبيتها إلا أنه لا يحس رغم ركضه وعنائه بطعم الحياة، الحياة هنا مسورة، مقننة، وفي حدود. ولأن الحياة إحساس فإنها ضد السور وضد التقنين وضد الحدود. الحياة، حياة يا رجل، الحياة أن تكون كما أنت حقيقة، أن تعيش كيفما أنت، كيفما تفكر وكيفما تريد. أن تكون المسافة بين ما تظهره وبين داخلك مسافة قريبة ومحروسة، لا أن تعيش حياتك بعدة وجوه تفصلها عن داخلك أميال. الحرية مهمة يا صديقي، الحرية أن تمشي في الشارع على طبيعتك، قدر ما يمكن من طبيعتك بلا خوف. تخيل. أخذنا الكلام. الساعة الآن الواحدة، غداً الاستيقاظ في السادسة صباحاً. أنت أيضاً عليك إيصال أبنائك الى المدرسة. يا لهذه المدارس التي نتكبد مختلف المعاناة لإيصال أبنائنا إليها رغم أننا على مقربة من اليقين بأنها لا تقدم لهم شيئاً يُذكر. آلاف المشاكل نعانيها ويعانيها بقية الناس، ورغم أن حلولها تبدو بسيطة، إلا أننا دائماً ما نفضل حلها باختراع مشاكل أخرى. وبالمناسبة، يا صديقي، فإن أكثر ما يضنيني هو القول بأننا قبل التطور كنا في ضيق معيشة وفقر ومرض، وأن الحياة الحديثة جاءت لتريحنا، ولا أعرف بالضبط عن أي راحة يتحدثون، فالأمراض ازدادت، وحقاً لم يعد هناك فقراء تماماً، إلا أن من يسمون بمحدودي الدخل صاروا يحسون بالفقر أكثر من أجدادهم. ليس فقط لأنهم صنفوا تحت هذه الخانة، ولكن لأن الثراء الفاحش الذي يحيط بهم يحسسهم بذلك.
الكلام لا ينتهي، وأعمارنا تنتهي، وقم بنا يا صاحبي لنذهب، ولكن يا رجل تواصل معي، لا تختفي كل هذا الوقت، أتعرف بأن من مشكلاتنا الكبيرة هو غياب التواصل. لا أحد يجلس مع أحد بدعة كما كان يجلس أجدادنا. وإذا لم تكن هنالك مصلحة، فإنه لن يلتقي فرد بفرد.
توطيد مثل هكذا مفهوم للعلاقات لا يعمق فقط من حالة اللا انسحام، وهي من أكثر الأمراض الخبيثة المستبدة بمجتمعاتنا، وإنما كذلك تسطح الحياة، فالحياة تقوم على العلاقات المفتوحة بين أفراد المجتمع، تلك العلاقات التي تعيش على الكلام الحر، واللذائذ الممدوحة.
أخرّتك على الأرجح، وأنا كذلك تأخرت، ليكن الله في عوننا، و”الربيع العربي”، والآن مع السلامة.
هكذا خرج أولئك الرفيقين من ذلك المطعم، تحرسهما “العيون الساهرة”.


a.thani@live.com

اقرأ أيضا