الاتحاد

الملحق الثقافي

حروب الماسونية.. و «ثوراتها»

الحديث طويل وممتد عن الماسونية والماسونيين، والدور الذي تلعبه الماسونية كثير في الأحداث العالمية، وفي منطقتنا العربية بالذات، وكثيرة هي الكتب والدراسات حول الماسونية، لكن الدراسة التي بين أيدينا تقدم إضافة للقارئ العربي، رغم قدمها، فقد صدرت في النمسا عام 1919، وصاحبها اسمه فريدريش فيختل، الذي يعرف نفسه بأنه سياسي نمساوي ولا شيء آخر عنه.
صدر هذا الكتاب بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، والمؤلف نمساوي ويبدو من الكتاب أنه ألماني بنفس الدرجة وهو يرى ان الأصابع الماسونية هي التي أشعلت الحرب العالمية الأولى، فقد تبين من محاكمة من اغتالوا ولي عهد النمسا وزوجته ان التخطيط انطلق من المحفل الماسوني الأكبر من باريس وان من نفذوا عملية الاغتيال بينهم أعضاء في المحفل الماسوني، وأن الأموال التي دفعت للقتلة، أو تم الاتفاق على دفعها، كانت من مصور ماسوني، وزعم المؤلف أن هدف الحرب العالمية الأولى كان تدمير ألمانيا والنمسا، ويتوقف عند الشعارات التي سادت العالم أثناء هذه الحرب، مثل “البربرية الألمانية” و”العسكرية البروسية” و”تحرير الشعوب الصغيرة المضطهدة” وغيرها وهي نفسها الشعارات التي استخدمها ماتسيني قبل ذلك بنحو خمسين عاما في حربه ضد النمسا، وكان ماتسيني ماسونيا، وطبقا للمؤلف النمساوي فإن الثورة الفرنسية عام 1789 وقف من خلفها الماسون وأن مبادئ الثورة الثلاث “الحرية.. الإخاء.. المساواة” هي مبادئ ماسونية ونابليون كان ماسونيا، فضلا عن فوليتر وكليمنصو وغيرهما وفي الولايات المتحدة أسماء مثل جورج واشنطون وجيفرسون وبنيامين فرانكلين وتيودور روزفلت، كانوا ماسون فضلا عن معظم أعضاء مجلس النواب والشيوخ في الولايات المتحدة وفي بريطانيا كان لويد جورج وآخرون ماسونيين، وهذا يعني أن الماسون هم الذين حكموا الغرب وشكلوا وعيه السياسي والثقافي والفكري، وهم الذين قادوا أميركا في مراحل تكونها.

النشأة
يغوص المؤلف تاريخيا ليبحث عن نشأة الماسونية والماسون، وارتباطها بالمسيحية وباليهودية والسائد أن الماسونية نشأت من رحم اليهودية، والسبب هو الحديث بقوة فيها عن هيكل سليمان، باعتباره الرمز الأكبر لديهم، لكن المؤلف يرى أنها أقرب إلى المسيحية منها إلى اليهودية، لكن معظم مؤسسيها ورموزها كانوا من اليهود ويقدم في عدة فصول رموز وشعارات الماسونية. ومراحل انضمام الاخ إلى المحفل وطرق ترقيه فيه وتدرجه في الرتب داخل المحفل. ثم ينتقل إلى الحديث عما يسميه الماسونية الثورية في معظم بلدان أوروبا من شرقها إلى غربها.
وهناك اتجاهان ماسونيان الأول يرى ان هدف الماسونية فعل الخير والقيام بالأعمال الاجتماعية التي تعود بالنفع على الناس في المجتمع الذي يوجد فيه المحفل، والثاني يرى ان الهدف سياسي وهو إقامة الجمهورية وبناء ما يمكن ان نسميه مواطنة عالمية، أي مجتمع إنساني يقوم على الحرية والإخاء ولا يميز بين الناس لاعتبارات الدين والعقيدة أو اللون أو الجنس، لكن المؤلف يلاحظ ان بعض المحافل في ألمانيا رفضت تماما انضمام اليهود إليها، وبسبب ذلك تم تأسيس محفلين لليهود ولم يعترف بهما المحفل الأكبر، هذا في ألمانيا فقط، لكن في أوروبا كلها كان الأمر مختلفا، ومن الناحية العملية فإن الاتجاه إلى فعل الخيرات فقط كان يقوم بالتخديم على الاتجاه الآخر أي الاتجاه السياسي، وظهر ذلك فيما يسمى “الماسونية الثورية” في فرنسا وبريطانيا والنمسا وإسبانيا وغيرها ومع هذا الاتجاه الثوري دعت الماسونية إلى العنف والقتل، رغم أن مبادئها الأولى تقوم على التسامح ونبذ العنف ورفض القتل أيا كانت الأسباب أو الدوافع لذلك لكن على أرض الواقع كان “بروسبير” رمز الإرهاب في الثورة الفرنسية ماسونيا، والمذابح التي جرت بعد الثورة في فرنسا كان الماسون يقفون خلفها، وكذلك الحال في روسيا بعد ثورة 1917 وهناك أحاديث عن ان “لينين” قائد الثورة الروسية كان ماسونيا.

تغلغل
الكتاب كله عن أوروبا والولايات المتحدة ولا شيء فيه عن منطقتنا العربية، صحيح ان مصر ترد فيه بشكل عابر، حيث يتحدث عن استقدام مذهب ماسوني إلى فرنسا والمانيا وباسم “مصرايم” أي اسم مصر باللغة العبرية، وكذلك مذهب ممفيس وكان موجودا بمصر الى فرنسا وألمانيا على ايدي ثلاثة أخوة من اليهود، لكن هناك فصلا كاملا عن تركيا ودور الماسونية الثورية بها، فهو يذكر ان الماسون كانوا وراء اغتيال عدد من الخلفاء العثمانيين أو عزلهم، لكنه يذكر ان السلطان مراد الخامس كان ماسونيا وتقلد درجة رفيعة من درجات الماسونية، وتم عزله كذلك بفعل الماسون، كما يذهب المؤلف وجاء السلطان عبدالحميد الذي حاول التصدي لهم ولم يتمكن، لان رجال الشرطة السرية لم يكن لديهم كلمة السر فلم يتمكنوا من اختراق المحافل الماسونية، وهو يشير بإصبع الاتهام إلى محفل “سامونيك” والذي تكون من اليهود والأرمن واليونانيين. ومن هؤلاء أيضا كان أعضاء “تركيا الفتاة” الذين وجدوا عونا قويا من الماسون ليحققوا طموحهم السياسي، أما الماسون فقد قرروا الإطاحة بالسلطان عبدالحميد لأنه يتصدى لهم، وبعد الإطاحة بالسلطان فإن أعضاء تركيا الفتاة وكانوا ماسون قاموا بعمليات تطهير ومذابح جماعية لرجال وأعوان عبدالحميد، فضلاً عن الحروب التي قاموا بها في المناطق الأوروبية.
ويقطع المؤلف بأنه لم يدخل تركيا الفتاة أي عضو غير ماسوني، وتقديرا لهذا الدور فقد تم تعيين أحد أقطاب الماسونية “الاخ أحمد رضا” رئيسا للبرلمان الذي اشتمل على أعضاء كثر من اليهود والأرمن واليونان، ولان المؤلف مشغول بقضية أوروبية فلم يتوقف ليتساءل: هل كان سقوط الامبراطورية العثمانية مؤامرة ماسونية ام انها كانت امبراطورية شاخت وكثرت المظالم فيها واشتد استبداد الخلفاء؟
قد نجد لديه اجابة حين يتحدث عن المذابح التي قامت بها تركيا الفتاة رغم تناقض ذلك مع مباديء الماسونية يقول “ ان النجاح النهائي للثورة التركية كان بيد القوة بحيث تم غض البصر عن هذه الصغائر” باختصار اعتبرت عمليات القتل والإعدام بلا محاكمات مجرد صغائر!!
الكتاب يثير الكثير من التأملات، المؤلف مزود بالكثير من المراجع والوثائق لكن في خلفتيه الفكرية والذهنية هناك نظرية المؤامرة الكبرى، الثورة الفرنسية كانت مؤامرة ماسونية وكذلك سقوط السلطان عبدالحميد والحرب العالمية الأولى والثورة الروسية وغيرها، وكأنه لولا الماسون لبقيت أسرة البوربون تحتل عرش فرنسا، وبقي السلطان عبدالحميد ومن ثم السلطة العثمانية ويبدو لي ان المؤلف لديه مبالغات.

الكتاب: الماسونية العالمية
المؤلف: فريدريش فيختل
ترجمة: عثمان محمد عثمان
الناشر: المركز القومي المصري للترجمة

اقرأ أيضا