الاتحاد

الملحق الثقافي

الإمارات بعيون «لطيفة الكندية»

“هذه هي المدينة التي أتمنى الحياة فيها، رغم أنها منذ عقود كانت أشبه ما تكون بالصحراء حتى أضحت اليوم فعلاً جنة خضراء.. عندما جئت إلى الإمارات في أوائل الستينيات من القرن الماضي قلت في نفسي: هذا هو مكاني الآن وشعرت بالرضا في داخلي وشعرت بسعادة تغمرني رغم قساوة الجو، لكن الحياة كانت بسيطة للغاية، فالبيوت تبنى آنذاك من الطين وسعف النخيل.. والأهم من ذلك أن المجتمع الإماراتي منذ نصف قرن كان يتمتع بالطيبة ولا يشتكي ويتميز بكرم الضيافة، لذا أحببت هذه الديار، وتحقق الحلم، وفعلاً وجدت في نفسي دافعاً للثبات وأن أهب نفسي لخدمة الناس وإسعادهم”.
بهذه العبارات، تلخص الممرضة الكندية “جير تردي دك”، التي لقبت نفسها بـ”لطيفة” سيرة حياتها في الإمارات من خلال كتاب “أيام لطيفة: سيرة حياة لطيفة الكندية التي عشقت حياة البدو”، للكاتبة الصحفية هويدا عطا، وهو كتاب يراوح بين وصف المؤلفة لشخصية “لطيفة” حينا، وبين استدراجها عبر حوارات مطولة لتروي لها سيرتها، وهذا ما حصلت عليه هويدا عطا في هذا الكتاب الذي سنتناول منه ملامح تدمج شيء من سيرة الإمارات وسيرة “لطيفة”. فالكتاب يقدم مادة دسمة في هذا المجال.
جاءت لطيفة شابة إلى الإمارات، شابة هاربة كما يبدو من نمط حياتها، باحثة عن حياة أخرى، وكانت الصحراء، بل عمق الصحراء هو العالم الذي اختارته حين حطت رحالها في مدينة العين، منذ مطلع الستينيات من القرن العشرين، الصحراء التي تعني الكثير للغربيين، ولكن ليس إلى درجة الانخراط والانتماء والذوبان ربما كما هو حال لطيفة. جاءت إلى حيث المعاناة وخشونة العيش، لكن هذه الخشونة كانت تحمل البساطة والقيم، فتعايشت معها “لطيفة” واندمجت فيها، عاشت واقع الناس وأحلامهم وأعرافهم وكل ما يحيط بها من بساطة في العادات والتقاليد، وتكلمت بلهجة مواطني الإمارات، بل إنها كانت تجيد الدارجة بين كل أهل الإمارات، ولبست زيهم التقليدي، وعاشت كل عاداتهم الأصيلة التي ظلت منقوشة في ذاكرتها حتى النهاية.
لطيفة المعمرة التي نسيت أهلها وبلدها واستقر بها المطاف في هذه البلاد، تروي أحاديث عفوية وذكريات حميمة عن مدينة العين وهي تقوم بعملها في علاج المرضى وتمارس عملها الإنساني، في وقت لم يكن فيه ثمة سوى القليل من الأطباء والممرضين. تقول: مما كان يثلج صدري أن كل همي وتفكيري كان منصباً على عملي وأداء واجبي وأداء رسالتي التي جئت خصوصاً من أجلها، مكتفية بمحبة الناس لي في الله وزياراتهم.. وكانت سعادتي بالغة بوقوفي إلى جانب السكان عموماً والنساء خصوصاً، لاسيما وقوفي إلى جانبهم في محنة الأمراض فكانوا يقدمون لي الهدايا وكانوا يطلقون علي اسم (ماما لطيفة).
المؤلفة تستعيد مع لطيفة رحلتها الأولى من الشارقة إلى العين، عبر متاهة من الرمل تضيع فيها هي ومرافقوها الذين تصفهم بالأدلاء العارفين بالمنطقة، وحين وصلت وجدت نفسها الممرضة الوحيدة بين قلة من الأطباء في المستشفى الوحيد في العين وهو “الواحة”، فقامت بدور الممرضة وتجاوزته في محطات إلى دور الطبيبة فلقبوها باسم “الدكتورة لطيفة”، وقابلت الكثيرين من الشيوخ والحكام وعلى رأسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، الذي تصفه بمنتهى التواضع والبساطة وتتساءل “كيف لرجل مثله في هذه المكانة الكبيرة أن يكون بكل هذا التواضع والطيبة والبساطة الفياضة مع الناس حتى مع أقلهم مكانة في المجتمع”، وتستشهد بثلاث حكايات.
وصف البيوت وظروفها الصعبة، والظروف البائسة للمستشفى، وأساليب تناول الطعام، نماذج حاضرة في الذكريات الحميمة للدكتورة لطيفة، فالبيت الأول كان من العريش وتقول عنه “كنت سعيدة به مثل بقية أهل المدينة التي أصبحت أنا منها، ولكن كانت تواجهني مشكلة تتكرر كل مرة مع هبوب الرياح والهواء الشديد، وهو “طيران سقف البيت”، فأركض مسرعة للإمساك بسقف بيتي لأمنعه من الطيران، وقد كان لا يحتوي على حمام، كبقية البيوت، وكانت الأشجار القصيرة هي الوسيلة الوحيدة لراحتنا من هذه المشكلة، بمعنى أصح هي بمثابة الحمامات، حيث أرى النساء يحملن معهن أواني مليئة بالمياه من أجل الغسل، وكانت الرمال الكثيفة جديرة بإخفاء مخلفات الإنسان”.
وفي ما يتعلق بعإدة تناول الطعام، فهي كما تذكر لطيفة غريبة عليها، فقد وجدت نفسها في وضع مختلف “وجدت الناس يجلسون على الأرض حول صينية واحدة ويأكلون بأيديهم من دون ملاعق، ولكن كل واحد من أمامه.. وقد أخذت وقتاً لكي أتعود على هذه الطريقة، وأصبحت متمكنة منها، حتى أنني أنسى أحيانا أن أستخدم ملعقة عندما أتناول وجبة البرياني بالذات”. وفي مجال اجتماعي تتحدث عن نظرة الرجال إليها وإلى جسدها فتروي ببساطة وطرافة “كنت معتادة أثناء عملي على أن أرتدي جيباً قصيراً، لكنني تركت هذه العادة بعد واقعة طريفة، فقد كنت في أحد الأيام أقوم بتمريض إحدى النساء فوق سريرها، وكان أهلها من خلفي يجلسون أرضاً، فإذا بي ألتفت فجأة ورائي فوجدتهم يطالعونني باستغراب، وأحد الرجال بشكل مستفز، وخاصة أنني كنت في شبابي جميلة وذات ساقين بيضاوين، فشعرت بالخجل، ورأيت أنني يجب أن أرتدي مثل نسائهم..”.
الكثير من الأمور ترويها لطيفة عن الحياة في العين في فترة الستينيات، لكن من غير الممكن التوقف عند كل تلك التفاصيل التي تحدثت عنها، خصوصا عن مصاعب عملها في المستشفى بإمكانياته المحدودة، وتستغرب كيف أن الناس لم يكونوا يدفعون النقود، بل كانوا يقدمون شيئاً مما يملكون من إنتاجهم البيتي، وغير ذلك من المعالم التي تدل على عيش الناس آنذاك.

اقرأ أيضا