الاتحاد

الإمارات

"داليّة" محمد بن راشد.. بطولة اللغة ونسج البلاغة

صورة قديمة لمحمد بن راشد

صورة قديمة لمحمد بن راشد

أبوظبي (الاتحاد)

تمثل قصيدة «حياك من فلك» لصاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تجلياً فنياً في تشكيل الصورة، وبناء المعنى، بصياغتها الشعرية البالغة الإحكام في القول، وهي تنضاف لإسهامات سموه في تجديد الثقافة العربيّة، من خلال مبادراته التي تمد العالم العربي بكلّ أسباب النهضة والفن، يُضاف إلى ذلك حضور سموه في المشهد الثقافي العربي، فنجد قصائده تزدان بالروح الوطنيّة الحضارية، مع قدرة فذة على التنويع في كتابة القصيدتين؛ الفصحى والنبطية، فسموّه يكتب الشعر الفصيح إلى جانب الشعر النبطي، والشواهد ماثلة في صوره وتشبيهاته وتطويعه اللغة، على نحو يزدان بجماليات الكلام العربي.
قصيدته «الدالية» شاهدةٌ على جموح خياله، بما هي ملحمة شعرية، تأخذ المتلقي إلى معان مغايرة في افتخار العربي بحضارته، فالشاعر يستهل قصيدته بتعجّبه من حال الدنيا وتقلّبها في حظوظها بين الكرم والبخل، لكنّ روح الشاعر تظل ثابتةً وأقوى من الحظّ ذاته، كصورة بلاغيّة متدفقة منه «ألفته نفسي لو تبلّد حظُّه/‏ فأنا له الحظّ الذي يتجدد». 
توطئة النص بحال الدّنيا وصروفها، يقود إلى الغرض الرئيس: «سقتُ الموشّى للموشّي شاكراً/‏ بشواردٍ طفحت بودّك تشهدُ»، وإلى قوّة التشبيه، حيث الشعر الموشّى يسوقه الشاعر إلى الموشّي، فالحرير يساق إلى الحرير، ليذهب إلى مغايرة في التعبير، قائلاً: «وذكرتني فشكرتني وسحرتني/‏ ببديع أبياتٍ بفضلك تخلد»، إنّه تقدير الكلم الطيب والحديث العذب والشعر الذي له كلّ مكانة وحظوة لدى الشاعر نفسه، فالأبيات خالدات عند سموّه، يزيد هذا الخلود، أن يبين نسباً تقادم عهده، فبنو أميّة ودمشق الشام حاضرة، بكلّ تاريخها العظيم، ويحمل ذلك «وبنو أميّة والشآم شآمهم/‏ ودمشق أمن سيوفهم تتوسّد»، فمن أمن الشام وتاريخها إلى النسب العريق الممتد إلى عدنان، إلى المواثيق العلا، إلى شطر البيت البليغ: «وجثا الزمان بمجدهم يستنجد».
تتوافد في الدالية الصور والأخيلة، وعظمة المقدرة الشعريّة، وما بيان المقدرة الشعريّة في الواقع إلا بيانٌ لقوة الفصاحة، ولذلك، فإنّ اللغة الشعرية عند الشاعر هي التي تستعير أجود الثياب وأنصعها- وهو ثوب اللغة ولبوسها البياني والبلاغي- ليعبّر عن الرضا والمحبّة، تعبّر عن ذلك الأبيات المليئة بالبلاغة والبيان: «فأخذت من شمس النهار إياتها/‏ وسبكته فبدا يغار العسجدُ/‏ قد كحّلت عين الصباح أناملي/‏ ودليله أن في يديّ المرودُ/‏ شذرات شعرٍ لا يلمّ بوحيها/‏ إلا أخو بدعٍ يحلّ ويعقدُ/‏ إن كان من شعرٍ يخرّ له الورى/‏ فأنا بدعت فمن تراه سيسجدُ»؟! هذه بلاغة في الوصف ورسم بالكلمات وافتخار كبير، أخذ الشاعر من الشمس، فصنع ما يغار منه العسجد، بل إن الأنامل قد كحّلت عين الصباح، والدليل أنّ في يدي الشاعر المرود.
وتلك هي الشعرية المتدفقة خيالاً وبهاء صورة، في بناء مجوّد رشيق ومتخفف من كلّ ثقل، يبلغ في ثناياه قوله: «إن كان من شعرٍ يخرّ له الورى/‏ فأنا بدعت فمن تراه سيسجدُ؟!».. حتى نقرأ: «ولثمتُ أكمام البيان فراعني/ من قد أتى وله المحلّ الأوحدُ/‏ ووشمت وجه الشّعر حتى أضرمت/‏ نار القوافي بالمداد توقّدُ/‏ وكتبت من آي القريض قصيدةً/‏ أوحى بها هاروت فهي الأجود». ولأنّ قوّة الشاعر من قوّة القصيدة، فإنها تظل محلاً للقراءة والتأمل في هذه الصور البليغة ومعاودة النظر، والتأويل غير مستغرب عن النموذج الشعري الذي لثم أكمام البيان، ووشم وجه الشّعر وأضرم نار القوافي بالمداد، وهذا افتخار بالمقدرة الشعريّة وعظمة القصيدة وقوّتها وهي تصهل في الميدان، ولقد بلغت شأواً عالياً، بل إنّها القصيدة التي ترنمت الطيور الصادحات بغريبها وقريبها وبديعها وجديدها والمدهش فيها.
إنّها القصيدة التي تُصطفى، وهي القصيدة التي لحّنها «زلزل»، وغنّاها «معبد»، وزلزل ومعبد فنانان عظيمان لا يروق لهما أي شعر، ومع ذلك فقد طارا بالقصيدة لحناً وغناءً، بل لقد كانت مثار تخاصم لديهما، إذ كيف ستحملها الأوتار، وكيف سيستقلّ بلحنها الناي، فهل يمكن أن تزداد مساحته ليستوعبها، ثمّ هل تقدر عليها بقيّة الآلات فتتفرّد بهذا اللحن الشعريّ الكبير؟!.. وقد حوت ما حوت من الزبرجد والزمرد.
تلك أسئلة صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد وهو يلقي علينا هذا القول الشعريّ البليغ من لدن شاعر خبير راكم كثيراً من المعرفة والإبداع... لكنْ، مهلاً، لنسير مع القصيدة التي تبدو جنّة لدى صاحبها، فهو مخلّدٌ فيها، وتلك بلاغة عظيمة منه أن يُخلّد بجنة الشّعر، فله في كلّ بيت علامة وفي كلّ مجدٍ مقعد، بل إنّ الماء إن أحس أنّه قريبٌ منه ضمّه كما يضمّ الغائب بكلّ اشتياق، كما أنّ الخمائل حين تعرف من يسير بجنبها فإنّها تميل عليه ميلاً متأوّدةً في غاية الحنين واللهفة والشوق!
ويجيب الشاعر بأنّ هذه القصيدة لم تبلغ هذا المقام إلا لأنّها ظلّت خالية من حوشي الكلام وغريبه غير المستساغ، بل إنّ فيها غرائب لطيفة ومطلوبة، إنّها العذوبة والسهل الممتنع. هذه القصيدة في الواقع هي درّة من الدرر، وهي تعبيرٌ عن احترامه للبناء الشعريّ، واعترافه بعجز الناس وتباينهم في عالم الشعر الذي يظلّ الشاعر الفذ المجدد مجلّياً فيه وعلماً بارزاً من أعلامه، إنّها قصيدة تصعد نحو الثريا وتتجاوز الثرى، إنّها أفكار رسمها الشاعر بعناية كبيرة، إنّها محسوسات الشاعر وآفاقه في رسم صورة ذلك «الأجدل» الذي يلتفّ ريشه حول الشمس ثمّ يردّه وهو زجل الجناح اعتاد الصيد، إنّ صف ريش هذا «الأجدل» هو حزمة أسهم «طويت ويعلم ما يضمّ ويفردُ»، وهذا هو وجه للقصيدة الفخمة البليغة التي رسمت تماماً كما هي حال «الأجدل» الذي لا ينتبه إليه إلا ذو فكرٍ وعين ثاقبة تلتقط الشارد من الألفاظ والتعابير الخلاقة المهمّة في عالم الشعر والتي تضيف إليه الكثير بل وتجعل منه عالماً مدهشاً عما كان من قبل. ولنتابع وجه هذه القصيدة مع هذا «الأجدل» الذي إن نوى فالريح منه بريئةٌ، و«إذا هوى فالصيد منه مقيّدُ»، إنّه مطابقة اللفظ للمعنى الذي يتوخاه الشاعر.
في بقيّة القصيدة نحن مع حكمة الشاعر ونظرته للأيام واهتمامه بتغيّر الظروف، وهي النظرة التي كانت لديه في مستهلّ القصيدة، لكنّه أرجأ الحديث عنها شعراً حتى نهاية القصيدة كتلق عذب نتوقّعه منه في قصائده: فمن لا يعرف الدهر وتقلباته يسقط في متاهة الأيام، وترميه «ثالثة الأثافي»، بل إنّ اليأس سيأتيه حاملاً منجله، ويورد صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد أمثلةً من الناس الذين اغتروا بالحياة: «ولربّ أكثم لو رايت غميدرٍ/‏ يلقاك إذ يلقاك وهو ضفنددُ/‏ ألف الحياة بغبطةٍ وسكينةٍ/‏ حتى تحلّ على حماه الموئد/‏ لما اجلعبّ تواترت أخباره/‏ فإذا التنوح بها اليباس الأجردُ/‏ لاقته وافدةٌ سهوكٌ سيهجٌ/‏ منها النهار به القتام الأسودُ/‏ وعليه طحرورٌ شبارق بعدما/‏ ذهب الذي يرجو فأين المقصدُ؟!». نعم.. إنّها حال الدنيا التي لا تستقرّ على حال، وإنّه قاموس صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد البليغ، ولعلّنا ندرك ما للألفاظ القويّة ذات الجرس الموسيقي الدال بذاته من قوّة، فهي ألفاظ تحفزنا للرجوع إلى معاجم اللغة ومفرداتها لنقرأ المعنى، وهي قراءة ليست صعبة، بل تدلّ على سعة مخزون الشاعر ومساحة مفرداته وتبحّره في اللغة التي يبدو أنّها موضوع القصيدة وغايتها.
يمكن القول إنّ القصيدة- اللغة العربيّة- هي بطلة النصّ الشعريّ الجميل الذي لا ينسى صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد أن يضمّن في نهايته الخيل والمهر الجامح الذي يلين بفروسيّة وخبرة الشاعر الفارس الذي اعتاد القوافي والرمال والظباء والأفق والميدان الواسع في الفكر والخيل، فهو صاحب القلم وفارس السباق بلا منازع، وهو من يصوغ من الحروف أمجاداً عظيمة، بل هو صاحب هذه الأمجاد، وهذا هو سرّ ولع الناس بشعر صاحب السّمو الشيخ محمد بن راشد، ففيه فائدة وعظمة لغوية وقوّة بلاغيّة وقاموس إضافي وبناء مدهش يظلّ يميّز مقطوعاته وملحماته الشعريّة، وعلى رأسها هذه القصيدة ذات القوّة «القصيدة الدالية».

اقرأ أيضاً... حيّاكَ منْ فلكِ

اقرأ أيضا