صحيفة الاتحاد

ثقافة

غانم غباش.. الأب الروحي لمثقفي الإمارات

غانم غباش

غانم غباش

شهيرة أحمدفي الرابع من مارس 1989، في أحد مستشفيات لندن، وبعد صراع مع المرض رحل غانم عبيد غباش، هكذا بلا ألقاب ولا أسماء رغم أن كل الألقاب المهمّة تنطبق عليه بل وتقصرُ عنه، فالرجل لأهمية الأثر الذي تركه في ذاكرة الإمارات خاصة والعرب عامة، بات علماً، لا يحتاج إلى تعريف أو تقديم.
.
.
إنه من الطراز الذي يكفي للإشارة إلى أهميته أن يُذكر اسمه فقط.

تمرّ السنون وتمضي الأعوام في دورانها المحموم لتبهت الوجوه وربما تتساقط من الذاكرة في قاع النسيان الأصفر، نسيان من ذلك الطراز الذي يمكنه أن يبتلع حياة كاملة من دون أن يغص بها، لكن ثمة وجوه لا تغيب أبداً، لا تعرف طريقاً إلى النسيان.
.
ولا تتقنه أصلاً.
غانم غباش من هذا النوع.
.
كان، وما يزال، وسيظل، حاضراً في ذاكرة الإمارات كلما فتحت سيرة الوطن.
أما حضوره في ما يتعلق بالحياة الثقافية والسياسية فسوف يظل خارج «الأزمنة» وخارج المحو.
.
وأما في أرواح وقلوب وعقول كل من ارتبطوا معه بعروة وثقى من عرى الصداقة أو العمل فله منزلة لا ينازعه عليها أحد.
.

أبصرت عينا غانم النور في دبي عام 1946 وانطفأ نورهما في عام 1989 في لندن.
.
وبينهما عاش «الغانم» حياة حقيقية، حافلة بكل ما يجعل من الحياة، قابلة لأن تعاش بجدارة.
.
.
كان غانم جديراً بالحياة، وما مقارعته لها رغم مرضه، والكرسي الذي حرمه السير، إلا واحدة من مظاهر طريق التحدي الطويل، والاستثنائي الذي سار عليه غانم.
.
.
والذي ينبئ عن شخصية عصامية، كفاحية بامتياز.
فقد انخرط في الحياة العملية منذ صغره، وتحمل المسؤولية مبكراً وهو طالب على مقاعد الدراسة، وعلى طريقة المثل القائل «من شب على شيء شاب عليه» كان غانم في كبره، فقد تحمل مسؤولية الكلمة والدفاع عن الرأي، في تواز بينهما على المستويين: الحياتي والفكري.

من أكثر ما يلفت المتابع لسيرة هذا الرجل وشخصيته خلوّ طرفه من (دنس) الثقافة والسياسة على السواء، وعدم ازدواجيته التي هي سمة أصيلة لدى غالبية المثقفين لا سيما ذوي العلاقة بالشأن السياسي، أي أنه كان بعيداً كل البعد عن المجاملة أو الانتهازية أو التلوّن الذي يتقنه بعضهم إلى الحد الذي ينطبق عليهم قول الشاعر: «إذا مالت الريح مال حيث تميل»، فرياح غانم غباش كانت تخصه وحده، وحده فقط.
.
.
ولم تكن لتهب إلا في اتجاه الوطن.

هذه واحدة، أما الثانية فهي أن غانم غباش، المفكر السياسي المؤرق بهموم الناس، والمثقف الذي يصدر عن رؤية عميقة وواسعة، كان واسعاً في إنسانيته التي اتسعت لبشر الأرض فأحبه كل من عرفه.
.
لقد عرف، وليس العارف كالجاهل.
.
ولأنه عرف أصل النبع فقد شرب ماءً، صافياً، رائقاً، شرب حتى ارتوت عروقه من حب الناس، والتسامح، ولأن روحه كانت عالية تصغر أمامها أي مصالح ذاتية أو شخصية.
.
عرف قيمة العدل، فذهب إليه بكليته، العدل بمفهومه الواسع، وبتجلياته كلها.

وأما الثالثة التي تقود إليها كل المؤشرات، فهي أنه كان عاشقاً من طراز خاص.
.
عاشقاً لوطن ودولة يحلم بأن تكون الأجمل.
.
إنه ذلك النوع من العشق الذي يتملك عليك حياتك، وذاتك، وأنفاسك، ويتغلغل في كل مفاصلك فلا تملك إلا أن تذهب عميقاً، عميقاً، وتتوغل إلى آخر يما يمكن من التوغل في.
.
الوطن.

وأما الرابعة فهي أن غانم غباش امتلك حدس المبدع والقدرة الاستشرافية لدى الكاتب، ومن يراجع اليوم بعضا مما كتبه وقاله سيجد أنه قريب جداً مما هي عليه حال العرب اليوم.
من ذلك قراءته النافذة للمستقبل العربي، وما ستكون عليه الأحوال في حال ظلت الأمور تسير كما هي عليه، وقد حذر غير مرة من التمزيق الطائفي والمذهبي والعشائري وتزييف الوعي التي لا تعدو، في نظره، كونها وسائل لإخضاع الشعوب.

والخامسة أن غانم ظل رغم تطوافه في أرض الثقافات المختلفة أصيلاً، مرتبطاً بهذا النسغ الذي يمده بالحياة.
.
لم تبدُ عليه سواء في مقالاته وكتاباته أو في من كتب عنه أعراض ذلك الداء المستفحل الذي أوجع كثيراً من المثقفين ربما غالبيتهم وأعني به الحيرة والتوهان بين الأصالة والمعاصرة.
.
لقد حلّها «البلوطي» بأيسر السبل وأكثرها عمقاً وبساطة في الآن نفسه: الناس، عند الناس ومنهم وبينهم وجد غانم كل ما يريد قوله، كل ما يريد أن يكتب عنه.
مارس ذلك بعفوية، وتلقائية، من دون أن يدير ظهره للحداثة أو العصر.
.
لقد أمسك بالمعنى، بل بزبدة المعنى، وذهب إلى غايته من دون أن ينبهر بالغرب وثقافته.

من موقعه هذا، مارس القراءة التحليلية للعلاقة مع الثقافة الغربية ثقافياً، ومع النموذج الغربي سياسياً، وكان حصيفاً في إدراكه لطبيعة القوى في العالم، وتوازناتها وتحالفاتها، وبحساسيته الشديدة كان يعرف موقعه كمثقف في كل ما يجري، ولم يفقد البوصلة حتى في أحلك اللحظات التي مرت بها الأمة العربية، وكان يرى أن «على الإنسان العربي أن يحرر فكره من فكر الفئات المسيطرة.
أن يوجد فكره الأصيل الخاص الذي ينطلق من موقع الفئات ذات المصلحة في التغيير، هذا الفكر لا يمكن أن يكتسب أصالته وخصوصيته إلا من معرفته لواقعه الاجتماعي وتناقضاته».

لا شيء جديد يمكن أن يقال عن غانم غباش، الأب الروحي للمثقفين الإماراتيين، سوى أنه قابل للقول مرة تلو مرة.
.
فقد قيل عنه الكثير، وكتب كل من عايشه أو عرفه عن وطنيّته، وجماليات روحه وأخلاقه، عن وعيه الفارق والمتقدم لعصره، عن رؤيويّته، وصميميّته، وشجاعته في التعبير عن آرائه ووفائه لها حتى آخر قطرة حبر في قلمه.
.
.
في رأسه.

لا تندهشوا، فالصحافي والمثقف والمفكر السياسي الذي على شاكلة غانم غباش هو مشروع موت معلن من أجل الحقيقة.
.
.